797 · ص809
قالَ الطُّوفِيُّ: هذا يَقتضي وجوبَ الاجتهادِ عليه، ولَمَّا قُتِلَ النَّضرُ بنُ الحارثِ ببدرٍ جاءَتْ أُختُه قُتَيْلَةُ بنتُ الحارثِ، فأَنْشَدَتْ به أبياتًا منها ١:
أَمُحَمَّدُ! لَأَنْتَ نَجْلُ كَرِيمَةٍ
مِنْ قَوْمِهَا وَالفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ، وَرُبَّمَا
مَنَّ الفَتَى وَهْوَ المَغِيظُ المُحْنَقُ
فقالَ -عليه السلام-: «لَوْ سَمِعْتُ شِعْرَهَا قَبْلَ قَتْلِهِ مَا قَتَلْتُهُ»، ولو قَتَلَه بالنَّصِّ لَمَا قالَ ذلك.
ولمَّا أرادَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَنزِلَ ببدرٍ دونَ الماءِ قالَ له الحُبَابُ بنُ المنذرِ: إنْ كانَ هذا بوحيٍ، فنعمْ، وإنْ كانَ الرَّأيَ والمكيدةَ، فانْزِلْ بالنَّاس على الماءِ لتَحُولَ بينَه وبينَ العدوِّ، فقالَ لهم: «لَيْسَ بِوَحْيٍ، إِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ وَاجْتِهَادٌ رَأَيْتُهُ» ٢، ورَجَعَ إلى قولِهم، فدَلَّ على أنَّه مُتَعَبِّدٌ بالاجتهادِ ٣.
(وَ) على هذا القولِ (لَا يُقَرُّ) -صلى الله عليه وسلم- (عَلَى خَطَأٍ) إجماعًا، وإن كانَ الاجتهادُ عُرضَةَ الخطأِ، لكنَّه يُفيدُ الظَّنَّ، والظَّنُّ مُتَّبَعٌ في الشَّرعِ واجتهادُه -عليه السلام- أقلُّ أحوالِه أنْ يُفِيدَ الظَّنَّ، فيَجِبُ اتِّباعُه كغيرِه وأَوْلَى، وظنُّه -عليه السلام- لا يُخطِئُ لعصمةِ اللهِ -عز وجل- له بخلافِ غيرِه مِن النَّاسِ، أو يُخطِئُ لا يُقَرُّ عليه بل يُنَبَّهُ على الخطأِ فيَستدرِكُه.
(وَ) يَجُوزُ (اجْتِهَادُ مَنْ عَاصَرَهُ -صلى الله عليه وسلم- في زمنِه (عَقْلًا) عندَ الجمهورِ؛ إذ لا فرقَ بينَه وبينَ أُمَّتِه في أنَّه كانَ يَجُوزُ له أن يَجتهِدَ ويَحكُمَ بالقِيَاسِ من
١ من بحر الكامل، والبيت تواتر أهل السير والأدب على إيرادهـ وانظر تخريج الأستاذ عبد السلام هارون مُوَسَّعًا في البيان والتبيين (٤/ ٤٣) الخانجي.
٢ رواه الحاكم (٣/ ٤٨٢) وقال الذهبي في «مختصره»: حديث منكر.
٣ «شرح مختصر الروضة» (٣/ ٥٩٥ - ٥٩٧).