← المكتبة ▭▭ صفحتان
المدخل لابن الحاج
ابن الحاج الفقه المالكي 737 هـ
A− A+
967 · ص244 · ج3
النَّفْعُ حَالًا وَمَآلًا. وَمَا زَالَ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يُوصُونَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِاعْتِنَائِهِمْ بِهِ. وَحُكِيَ فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ غُفِرَ لَهُ بِبَرَكَةِ مَنْ تَوَلَّى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا حَكَى الشَّيْخُ الْإِمَامُ السُّهْرَوَرْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الْعَوَارِفِ لَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ مَاتَ فَسُئِلَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ " سَمَّاهُ " أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَرُئِيَ الْمَيِّتُ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ فِي حَالَةٍ حَسَنَةٍ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك قَالَ: غَفَرَ لِي قِيلَ لَهُ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِإِعْرَاضِ فُلَانٍ عَنِّي حَيْثُ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ قَالَ الْإِمَامُ السُّهْرَوَرْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَهَؤُلَاءِ إقْبَالُهُمْ رَحْمَةٌ وَإِعْرَاضُهُمْ رَحْمَةٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا أَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ رُحِمَ لِأَجْلِ أَنَّهُ مَيِّتٌ وَامْتُثِلَتْ السُّنَّةُ فِي حَقِّهِ فَرُحِمَ لِامْتِثَالِ السُّنَّةِ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ التَّحَفُّظُ عَلَى امْتِثَالِ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُعْرِضًا فِي طُولِ عُمْرِهِ؛ لِأَنَّ الْخِتَامَ إذَا كَانَ حَسَنًا لَعَلَّهُ يُحْسِنُ الْجَمِيعَ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْمَوْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وَقَدْ سَمِعْت سَيِّدِي أَبَا مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ امْرَأَةٌ مُسْرِفَةٌ عَلَى نَفْسِهَا فَمَاتَتْ عَلَى شَرِّ حَالٍ فَرَآهَا بَعْضُ الصَّالِحِينَ فِي النَّوْمِ وَهِيَ فِي حَالَةٍ حَسَنَةٍ فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ فُلَانَةُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَقَالَ: كَيْفَ حَالُك؟ فَقَالَتْ: غُفِرَ لِي فَقَالَ لَهَا: بِمَاذَا؟ وَقَدْ كُنْت وَكُنْت فَقَالَتْ: لَمَّا أَنْ أُخْرِجَ بِجِنَازَتِي مُرَّ بِهَا عَلَى رَجُلٍ خَيَّاطٍ، وَفِي كُمِّهِ ثَوْبٌ لِسَيِّدِي فُلَانٍ فَصَلَّى عَلَيَّ فَغُفِرَ لِي كَرَامَةً لِذَلِكَ الثَّوْبِ. وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَوْلَادِ سَيِّدِي أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَرْجَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ وَالِدَتَهُ أَتَتْ إلَى أَبِيهِ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا قَدْ تُوُفِّيَتْ وَطَلَبَتْ مِنْهُ قَمِيصًا تُكَفِّنُهَا فِيهِ فَأَعْطَاهَا فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنْ الْغَدِ أَخْبَرَهَا بِأَنَّ الْمَلَكَيْنِ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - جَاءَاهَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: اذْهَبْ بِنَا فَإِنَّ ثَوْبَ الْمَرْجَانِيِّ عَلَيْهَا فَلَمْ يَتَعَرَّضَا لَهَا. وَكُنْت أَعْهَدُ بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّ الْغَسَّالِينَ لِلْمَوْتَى عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِمَّنْ يُرْتَضَى دِينُهُ غَسَلَهُ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ وَلَا عِوَضٍ، بَلْ لِابْتِغَاءِ الثَّوَابِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي يُغَسِّلُونَ