مَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ ° ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الشَّاهِ ° ، ثنا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ ° ، ثنا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ° ، ثنا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ ° ، عَنْ جَرِيرٍ الرَّازِيِّ ° ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ° ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ، أَفْضَلُهَا قَوْلِ : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ "
وقيل : الإيمان مأخوذ من الأمان ، فسمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمّن نَفْسه من عذاب اللَّه ، والله تَعَالَى مؤمن لأنه يؤمن الْعِبَاد من عذابه . قَوْله تَعَالَى : بِالْغَيْبِ سورة البقرة آية 3 والغيب مصدر وضع موضع الاسم ، فقيل للغائب : غيب ، كَمَا قيل للعادل : عدل ، وللزائر : زور . والغيب مَا كَانَ مغيبًا عن العيون ، قَالَ ابْن عَبَّاس : الغيب ههنا كُل مَا أمرت بالإيمان بِهِ فيما غاب عَنْ بصرك ، مثل : الْمَلائِكَة ، والبعث ، والجنة ، والنار ، والصراط ، والميزان . وقيل : الغيب ههنا هُوَ اللَّه تَعَالَى ، وقيل : الْقُرْآن . وَقَالَ الْحَسَن : بالآخرة . وَقَالَ زر بْن حبيش ، وابن جريج : بالوحي ، نظيره : أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ سورة النجم آية 35 . وَقَالَ ابْن كيسان : بالقدر . وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يَزِيد : كُنَّا عِنْدَ عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود ، فذكرنا أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا سبقونا بِهِ ، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ : إِن أمر مُحَمَّد كَانَ بيِّنًا لمن رآه ، والذي لا إله غيره مَا آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب ، ثُمَّ قرأ : الم { 1 } ذَلِكَ الْكِتَابُ سورة البقرة آية 1-2 إِلَى قَوْله : الْمُفْلِحُونَ سورة البقرة آية 5 . قرأ أَبُو جَعْفَر ، وأبو عَمْرو ، وورش : يومنون بترك الهمزة ، وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَر بترك كُل همزة ساكنة إلا فِي أنبئهم ، و نبئهم ، و نبئنا . ويترك أَبُو عَمْرو كلها إلا أَن تَكُون علامة للجزم ، نَحْو : نبئهم ، و أنبئهم ، و تسؤهم ، و إن نشأ ، و ننسأها ونحوها ، أَوْ يَكُون خروجًا من لغة إِلَى أخرى ، نَحْو : مؤصدة ، و رئيا . ويترك ورش كُل همزة ساكنة كانت فاء الفعل إلا تؤوي وتؤويه ، ولا يترك من عين الفعل إلا الرؤيا وبابه ، إلا مَا كَانَ عَلَى وزن فعل ، مثل : ذئب . قَوْله تَعَالَى : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ سورة البقرة آية 3 أي : يديمونها ويحافظون عَلَيْهَا فِي مواقيتها بحدودها وأركانها وهيئاتها ، يقال : قام بالأمر ، وأقام الأمر إِذَا أتى بِهِ معطًى حقوقه ، أَوِ المراد بِهَا : الصلوات الخمس ، ذكر بلفظ الْوَاحِد ، كقوله تَعَالَى : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ سورة البقرة آية 213 يَعْنِي : الكتب . والصلاة فِي اللغة : الدعاء ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ سورة التوبة آية 103 أي : ادع لَهُمْ . وَفِي الشريعة : اسم لأفعال مخصوصة من قيام ، وركوع ، وسجود ، وقعود ، ودعاء ، وثناء . وقيل فِي قَوْله تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ سورة الأحزاب آية 56 الآية : إِن الصلاة من اللَّه فِي هذه الآية : الرحمة ، ومن الْمَلائِكَة : الاستغفار ، ومن الْمُؤْمِنيِنَ : الدعاء . قَوْله تَعَالَى : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سورة البقرة آية 3 أي : أعطيناهم ، والرزق اسم لكل مَا ينتفع بِهِ حَتَّى الولد والعبد ، وأصله فِي اللغة : الحظ والنصيب . قَوْله تَعَالَى : يُنْفِقُونَ سورة البقرة آية 3 يتصدقون . قَالَ قَتَادَة : ينفقون فِي سبيل اللَّه وطاعته . وأصل الإنفاق : الإخراج عَنِ اليد والملك ، ومنه نفاق السوق ، لأنه تخرج فِيهِ السلعة عَنِ اليد ، ومنه : نفقت الدابة إِذَا خرجت روحها ، فَهَذِهِ الآية فِي الْمُؤْمِنيِنَ من مشركي العرب . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ سورة البقرة آية 4 قَوْله تَعَالَى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ سورة البقرة آية 4 يَعْنِي : الْقُرْآن . وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ سورة البقرة آية 4 من التَّوْرَاة والإنجيل ، وسائر الكتب المنزلة عَلَى الأنبياء عَلَيْهِم الصلاة والسلام . ويترك أَبُو جَعْفَر ، وابن كثير ، وقالون ، وأبو عمرو ، وأهل البصرة ، ويعقوب كُل مدة تقع بَيْنَ كُل كلمتين ، والآخرون يمدونها ، وَهَذَهِ الآية فِي الْمُؤْمِنيِنَ من أهل الكتاب . قَوْله تَعَالَى : وَبِالآخِرَةِ سورة البقرة آية 4 أي : بالدار الآخرة ، سميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة ، وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بَعْد الدنيا . هُمْ يُوقِنُونَ سورة البقرة آية 4 أي : يستيقنون أَنَّهَا كائنة من الإيقان ، وَهُوَ العلم ، وقيل : الإيقان واليقين علم عَنِ استدلال ، ولذلك لا يسمى اللَّه موقنا ولا علمه يقينا ، إذ لَيْسَ علمه عَنِ استدلال . قَوْله تَعَالَى : أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { 5 } إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ { 6 } سورة البقرة آية 5-6 قَوْله تَعَالَى : أُولَئِكَ سورة البقرة آية 5 أي : أهل هذه الصفة ، وأولاء كلمة معناها : الكناية عَنْ جَمَاعَة نحو : هم ، والكاف للخطاب كَمَا فِي حرف ذَلِكَ . عَلَى هُدًى سورة البقرة آية 5 أي : رشد وبيان وبصيرة . مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ سورة البقرة آية 5 أي : الناجون والفائزون ، فازوا بالجنة ، ونجوا من النار ، ويكون الفلاح بمعنى البقاء ، أي : باقون فِي النعيم المقيم ، وأصل الفلاح القطع والشق ، ومنه سمي الزراع فلاحًا ، لأنه يشق الأَرْض ، وَفِي المثل : الحديد بالحديد يفلح ، أي : يشق ، فَهُم مقطوع لَهُمْ بالخير فِي الدنيا والآخرة . قَوْله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سورة البقرة آية 6 يَعْنِي : مشركي العرب . قَالَ الكلبي : يَعْنِي الْيَهُود . والكفر هو الجحود ، وأصله من الكَفْر وهو الستر ، ومنه سمي الليل كافرا ، لأنه يستر الأشياء بظلمته ، وسمي الزراع كافرًا ، لأنه يستر الحب بالتراب ، والكافر يستر الحق بجحوده . والكفر عَلَى أربعة أنحاء : كفر إنكار ، وكفر جحود ، وكفر عناد ، وكفر نفاق . فكفر الإنكار : أَن لا يعرف اللَّه أصلا ، ولا يعترف بِهِ . وكفر الجحود هُوَ : أَن يعرف اللَّه تَعَالَى بقلبه ولا يقر بلسانه ، ككفر إبليس ، وكفر الْيَهُود ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ سورة البقرة آية 89 . وكفر العناد هُوَ : أَن يعرف اللَّه بقلبه ويعترف بلسانه ، ولا يدين بِهِ ، ككفر أَبِي طَالِب حيث يَقُول : ولقد علمت بأن دين مُحَمَّد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أَوْ حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا وَأَمَّا كفر النفاق : فَهُوَ أَن يقر بلسانه ، ولا يعتقد بالقلب . وَجَمِيع هذه الأنواع سواء فِي أَن من لقي اللَّه تَعَالَى بواحد منها لا يغفر لَهُ . قَوْله : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ سورة البقرة آية 6 متساو لديهم . أَأَنْذَرْتَهُمْ سورة البقرة آية 6 خوفتهم وحذرتهم ، والإنذار : إعلام مَعَ تخويف وتحذير ، فَكُل منذر معلم ، وليس كُل معلم منذرًا ، وحقق ابْن عامر ، وعَاصِم ، وحمزة ، والكسائي الهمزتين فِي أَأَنْذَرْتَهُمْ سورة البقرة آية 6 ، وَكَذَلِكَ كُل همزتين تقعان فِي أول الكلمة ، والآخرون يلينون الثَّانِيَة . أَمْ سورة البقرة آية 6 حرف عطف عَلَى الاستفهام . لَمْ سورة البقرة آية 6 حرف جزم لا تلي إلا الفعل ، لأن الجزم يختص بالأفعال . تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ سورة البقرة آية 6 وَهَذَهِ الآية فِي أقوام حقت عَلَيْهِم كلمة الشقاوة فِي سابق علم اللَّه ، ثُمَّ ذكر سبب تركهم الإيمان ، فَقَالَ : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ { 7 } وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ { 8 } يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ { 9 } سورة البقرة آية 7-9 . خَتَمَ اللَّهُ سورة البقرة آية 7 طبع اللَّه . عَلَى قُلُوبِهِمْ سورة البقرة آية 7 فلا تعي خيرا ولا تفهمه . وحقيقة الختم : الاستيثاق من الشيء ، كيلا يدخله مَا خرج منه ، ولا يخرج عَنْهُ مَا فِيهِ ، ومنه الختم عَلَى الباب . قَالَ أهل السنة : أي : حكم عَلَى قلوبهم بالكفر ، لما سبق من علمه الأَزلي فيهم . وَقَالَ المعتزلة : جعل عَلَى قلوبهم علامة تعرفهم الْمَلائِكَة بِهَا . وَعَلَى سَمْعِهِمْ سورة البقرة آية 7 أي : عَلَى موضع سمعهم ، فلا يَسْمَعُونَ الحق ولا ينتفعون بِهِ ، وأراد عَلَى أسماعهم كَمَا قَالَ : عَلَى قُلُوبِهِمْ سورة البقرة آية 7 ، وإنما وحده لأنه مصدر ، والمصدر لا يثنى ولا يجمع . وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ سورة البقرة آية 7 هَذَا ابتداء كَلام ، غِشَاوَةٌ سورة البقرة آية 7 أي : غطاء ، فلا يرون الحق ، وقرأ أَبُو عَمْرو والْكِسَائِي : أبصارهم بالإمالة ، وَكَذَا كُل ألف بعدها راء مجرورة فِي الأسماء كانت لام الفعل يميلانها ، ويميل حمزة منها مَا يتكرر فيه الراء كالقرار ونحوه ، زاد الْكِسَائِي إمالة جبارين ، و الجوار ، و الجار ، و بارئكم ، و من أنصاري ، و نسارع ، و بابه ، وَكَذَلِكَ يميل هَؤُلاءِ كُل ألف بمنزلة لام الفعل ، أَوْ كان علمًا للتأنيث بالتأنيث إِذَا كَانَ قبلها راء ، فعلم التأنيث مثل : الكبرى والأخرى ، ولام الفعل مثل : ترى وافترى ، يكسرون الراء فيها . وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ سورة البقرة آية 7 أي : فِي الآخرة ، وقيل : القتل والأسر فِي الدنيا ، والعذاب الدائم فِي العقبى ، والعذاب : كُل مَا يعنِّي الإِنْسَان ويشق عَلَيْهِ ، قَالَ الخليل : العذاب مَا يمنع الإِنْسَان عَنْ مراده ، ومنه : الماء العذب ، لأنه يمنع العطش . قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ سورة البقرة آية 8 نزلت فِي المنافقين : عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي ابْن سلول ، ومعتب بْن قشير ، وجد بْن قَيْس وأَصْحَابهم ، حيث أظهروا كلمة الإِسْلام ليسلموا من النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَصْحَابه ، واعتقدوا خلافها ، وأكثرهم من الْيَهُود ، والناس جمع إِنْسَان ، سمي بِهِ لأنه عهد إِلَيْهِ فنسي ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ سورة طه آية 115 ، وقيل : لظهوره من قولهم : آنست أي : أبصرت ، وقيل : لأنه يستأنس بِهِ . وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ سورة البقرة آية 8 أي : بيوم الْقِيَامَة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ { 8 } يُخَادِعُونَ اللَّهَ سورة البقرة آية 8-9 أي : يخالفون اللَّه ، وأصل الخدع فِي اللغة : الإخفاء ، ومنه المخدع للبيت الَّذِي يخفى فِيهِ المتاع ، فالمخادع يظهر خلاف مَا يضمر ، والخدع من اللَّه فِي قَوْله : وَهُوَ خَادِعُهُمْ سورة النساء آية 142 أي : يظهر لَهُمْ ، ويعجل لَهُمْ من النعيم فِي الدنيا خلاف مَا يغيب عَنْهُم من عذاب الآخرة ، وقيل : أصل الخدع : الفساد ، معناه : يفسدون مَا أظهروا من الإيمان بِمَا أضمروا من الكفر . وقوله : وَهُوَ خَادِعُهُمْ سورة النساء آية 142 أي : يفسد عَلَيْهِم نعيمهم فِي الدنيا بِمَا يصيرهم إِلَيْهِ من عذاب الآخرة ، فَإِن قيل : مَا معنى قَوْله : يُخَادِعُونَ اللَّهَ سورة البقرة آية 9 والمفاعلة للمشاركة ، وَقَدْ جل اللَّه تَعَالَى عَنِ المشاركة فِي المخادعة ؟ قيل : قَدْ ترد المفاعلة لا عَلَى معنى المشاركة ، كقولك : عافاك اللَّه ، وعاقبت فلانًا ، وطارقت النعل . وَقَالَ الْحَسَن : معناه : يخادعون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ سورة الأحزاب آية 57 أي : أولياء اللَّه . وقيل : ذكر اللَّه ههنا تحسين ، والقصد بالمخادعة : مخادعة الَّذِينَ آمنوا ، كقوله تَعَالَى : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ سورة الأنفال آية 41 ، وقيل : معناه : يفعلون فِي دين اللَّه مَا هُوَ خداع فِي دينهم . وَالَّذِينَ آمَنُوا سورة البقرة آية 9 أي : ويخادعون الْمُؤْمِنيِنَ بقولهم إِذَا رأوهم : آمَنَّا سورة البقرة آية 8 ، وَهُمْ غَيْر مؤمنين . وَمَا يَخْدَعُونَ سورة البقرة آية 9 قرأ ابْن كثير ، ونَافِع ، وأبو عَمْرو وَمَا يخادعون كالحرف الأَوَّل ، وجعلوه من المفاعلة الَّتِي تختص بالواحد ، وقرأ الباقون : وَمَا يَخْدَعُونَ سورة البقرة آية 9 عَلَى الأصل . إِلا أَنْفُسَهُمْ سورة البقرة آية 9 لأن وبال خداعهم راجع إليهم ، لأن اللَّه تَعَالَى يطلع نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نفاقهم ، فيفتضحون فِي الدنيا ، ويستوجبون العقاب فِي العقبى . وَمَا يَشْعُرُونَ سورة البقرة آية 9 أي : لا يَعْلَمُونَ أنهم يخدعون أنفسهم ، وأن وبال خداعهم يعود عَلَيْهِم . فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ سورة البقرة آية 10 . فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ سورة البقرة آية 10 شك ونفاق ، وأصل المرض : الضعف ، وسمي الشك فِي الدين مرضًا ، لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن . فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا سورة البقرة آية 10 لأن الآيات كانت تنزل تترى ، آية بَعْد آية ، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرًا ونفاقًا ، وَذَلِكَ معنى قَوْله تَعَالَى : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ سورة التوبة آية 125 ، وقرأ ابْن عامر ، وحمزة فزادهم بالإمالة ، وزاد حمزة إمالة زاد حيث وقع ، و زاغ ، و خاب ، و طاب ، و حاق ، و ضاق ، والآخرون لا يميلونها . وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ سورة البقرة آية 10 مؤلم يخلص وجعه إِلَى قلوبهم ، بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ سورة البقرة آية 10 مَا للمصدر ، أي : بتكذيبهم اللَّه ورسوله فِي السر . قرأ الكوفيون يَكْذِبُونَ سورة البقرة آية 10 بالتخفيف ، أي : بكذبهم إِذ قَالُوا : آمنا وَهُمْ غَيْر مؤمنين . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ { 11 } أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ { 12 } وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ { 13 } سورة البقرة آية 11-13 وَإِذَا قِيلَ سورة البقرة آية 11 قرأ الْكِسَائِي : قيل ، و غيض ، و جيء ، و حيل ، و سيق ، و سيئت بروم أوائلهن الضم ، ووافق ابن عامر في سيق و حيل و سيء و سيئت ، ووافق أهل الْمَدِينَة فِي سيء ، و سيئت ، لأن أصلها قُوِلَ بضم القاف وكسر الواو ، مثل : قتل ، وَكَذَلِكَ فِي أخواته ، فأشير إِلَى الضمة لتكون دالة عَلَى الواو المنقلبة ، وقرأ الباقون بكسر أوائلهن ، استثقلوا الحركة عَلَى الواو فنقلوا كسرتها إِلَى فاء الفعل ، وانقلبت الواو ياء لكسرة مَا قبلها . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ سورة البقرة آية 11 يَعْنِي : للمنافقين ، وقيل : لليهود ، أي : قَالَ لَهُمُ المؤمنون : لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ سورة البقرة آية 11 بالكفر ، وتعويق النَّاس عَنِ الإيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآن ، وقيل : معناه : لا تكفروا ، والكفر أشد فسادًا فِي الدين . قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ سورة البقرة آية 11 يقولون هَذَا القول كذبًا ، كقولهم : آمَنَّا سورة البقرة آية 8 ، وَهُمْ كاذبون . أَلا سورة البقرة آية 12 كلمة تنبيه ينبه بِهَا المخاطب ، إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ سورة البقرة آية 12 أنفسهم بالكفر ، والناس بالتعويق عَنِ الإيمان ، وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ سورة البقرة آية 12 أي : لا يَعْلَمُونَ أنهم مفسدون ، لأنهم يظنون أَن الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ من إبطان الكفر صلاح ، وقيل : لا يَعْلَمُونَ مَا أعد اللَّه لَهُمْ من العذاب . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ سورة البقرة آية 13 أي : للمنافقين ، وقيل : لليهود ، آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ سورة البقرة آية 13 عَبْد اللَّهِ بْن سلام ، وغيره من مؤمني أهل الكتاب ، وقيل : كَمَا آمن المهاجرون والأنصار ، قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ سورة البقرة آية 13 أي : الجهال ، فَإِن قيل : كَيْفَ يصح النفاق مَعَ المجاهرة بقولهم : أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ سورة البقرة آية 13 ؟ قيل : إنهم كَانُوا يظهرون هَذَا القول فيما بينهم لا عِنْدَ الْمُؤْمِنيِنَ ، فأخبر اللَّه نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنين بِذَلِكَ ، فرد اللَّه عَلَيْهِم فَقَالَ : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 13 أنهم كَذَلِكَ ، فالسفيه خفيف العقل رقيق الحلم ، من قولهم : ثوب سفيه ، أي : رقيق ، وقيل : السفيه الكذاب الَّذِي يتعمد الكذب بخلاف مَا يعلم . قرأ أهل الكوفة ، والشام : السُّفَهَاءُ أَلا سورة البقرة آية 13 بتحقيق الهمزتين ، وَكَذَلِكَ كُل همزتين وقعتا فِي كلمتين اتفقتا أَوِ اختلفتا ، والآخرون يحققون الأولى ، ويلينون الثَّانِيَة فِي المختلفتين طلبا للخفة ، فَإِن كانتا متفقتين مثل : هَؤُلاءِ ، وأولياء ، وأولئك ، وجاء أمر ربك ، قرأها أَبُو عَمْرو ، والبزي عَنِ ابْن كثير بهمزة واحدة ، وقرأ أَبُو جَعْفَر ، وورش ، والقواس ، ويعقوب بتحقيق الأولى وتليين الثَّانِيَة ، وقرأ قالون بتخفيف الأولى وتحقيق الثَّانِيَة ، لأن مَا يستأنف أولى بالهمزة مِمَّا يسكت عَلَيْهِ . وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ { 14 } اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ { 15 } سورة البقرة آية 14-15 وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا سورة البقرة آية 14 يَعْنِي : هَؤُلاءِ المنافقين إِذَا لقوا المهاجرين والأنصار ، قَالُوا آمَنَّا سورة البقرة آية 14 كإيمانكم ، وَإِذَا خَلَوْا سورة البقرة آية 14 رجعوا ، ويجوز أَن يَكُون من الخلوة ، إِلَى سورة البقرة آية 14 بمعنى الباء ، أي : بشياطينهم ، وقيل : إِلَى بمعنى مَعَ ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ سورة النساء آية 2 أي : مَعَ أموالكم . شَيَاطِينِهِمْ سورة البقرة آية 14 أي : رؤسائهم وكهنتهم . قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : وَهُمْ خمسة نفر من الْيَهُود : كعب بْن الأشرف بالمدينة ، وأبو بردة فِي بَنِي أسلم ، وعبد الدار فِي جهينة ، وعوف بْن عامر فِي بَنِي أسد ، وعبد اللَّه بْن السوداء بالشام . ولا يَكُون كاهن إلا ومعه شَيْطَان تابع لَهُ . والشيطان : المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كُل شَيْء ، وأصله : البعد ، يقال : بئر شطون ، أي : بعيدة العمق . سمي الشَّيْطَان شيطانا لامتداده فِي الشر ، وبعده من الخير . وَقَالَ مجاهد : إِلَى أَصْحَابهم من المنافقين والمشركين . قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ سورة البقرة آية 14 أي : عَلَى دينكم ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ سورة البقرة آية 14 بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَصْحَابه بِمَا نظهر من الإِسْلام . قرأ أَبُو جَعْفَر : مستهزون ، و يستهزون ، و قل استهزوا ، و ليطفوا ، و ليواطوا ، و يستنبونك ، و خاطين ، و خاطون ، و متكين ، و متكون ، فمالون ، و المنشون بترك الهمزة فيهن . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ سورة البقرة آية 15 أي : يجازيهم جزاء استهزائهم ، سمي الجزاء باسمه ، لأنه في مقابلته ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا سورة الشورى آية 40 ، قَالَ ابْن عَبَّاس : هُوَ أَن يفتح لَهُمْ بَاب من الْجَنَّة ، فَإِذَا انتهوا إِلَيْهِ سد عَنْهُم ، وردوا إِلَى النار . وقيل : هُوَ أَن يضرب للمؤمنين نور يمشون به عَلَى الصراط ، فَإِذَا وصل المنافقون إِلَيْهِ حيل بينهم وبين الْمُؤْمِنيِنَ ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ سورة سبأ آية 54 ، وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ سورة الحديد آية 13 ، وَقَالَ الْحَسَن : معناه أَن اللَّه يظهر الْمُؤْمِنيِنَ عَلَى نفاقهم . وَيَمُدُّهُمْ سورة البقرة آية 15 يتركهم ويمهلهم ، والمد والإمداد واحد ، وأصله : الزيادة ، إلا أَن المد أكثر مَا يَأْتِي فِي الشر ، والإمداد فِي الخير ، قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي المد : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا سورة مريم آية 79 ، وَقَالَ فِي الإمداد : وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ سورة الإسراء آية 6 ، وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ سورة الطور آية 22 . فِي طُغْيَانِهِمْ سورة البقرة آية 15 أي : فِي ضلالتهم ، وأصله مجاوزة الحد ، ومنه : طغى الماء . يَعْمَهُونَ سورة البقرة آية 15 أي : يترددون فِي الضلالة متحيرين . أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ { 16 } مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ { 17 } صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ { 18 } سورة البقرة آية 16-18 أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى سورة البقرة آية 16 أي : استبدلوا الكفر بالإيمان ، فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ سورة البقرة آية 16 أي : مَا ربحوا فِي تجارتهم ، أضاف الربح إِلَى التجارة ، لأن الربح يَكُون فِيهَا ، كَمَا تقول العرب : ربح بيعك ، وخسرت صفقتك ، وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ سورة البقرة آية 16 من الضلالة ، وقيل : مصيبين فِي تجارتهم . مَثَلُهُمْ سورة البقرة آية 17 شبههم ، وقيل : صفتهم . والمثل : قَوْل سائر فِي عرف النَّاس ، يعرف بِهِ معنى الشيء ، وَهُوَ أحد أقسام الْقُرْآن السبعة ، كَمَثَلِ الَّذِي سورة البقرة آية 17 يَعْنِي : الَّذِينَ ، بدليل سياق الآية ، ونظيره : وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ سورة الزمر آية 33 . اسْتَوْقَدَ نَارًا سورة البقرة آية 17 أوقد نارا ، فَلَمَّا أَضَاءَتْ سورة البقرة آية 17 النار ، مَا حَوْلَهُ سورة البقرة آية 17 أي : حول المستوقد . وأضاء : لازم ومتعد ، يقال : أضاء الشيء بنفسه ، وأضاءه غيره ، وَهُوَ ههنا متعد . ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ سورة البقرة آية 17 قَالَ ابْن عَبَّاس ، وَقَتَادَة ، ومقاتل ، والضحاك ، والسدي : نزلت فِي المنافقين . يَقُول : مثلهم فِي نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا فِي ليلة مظلمة فِي مفازة ، فاستدفأ ورأى مَا حوله ، فاتقى مِمَّا يخاف ، فبينا هُوَ كَذَلِكَ إذ طفيت ناره فبقي فِي ظلمة خائفًا متحيرًا ، فَكَذَلِكَ المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا عَلَى أموالهم وأولادهم ، وناكحوا الْمُؤْمِنيِنَ ووارثوهم ، وقاسموهم الغنائم ، فذلك نورهم ، فَإِذَا مَاتُوا عادوا إِلَى الظلمة والخوف ، وقيل : ذهاب نورهم فِي القبر ، وقيل : فِي الْقِيَامَة ، حيث يقولون لِلَّذِينَ آمَنُوا : انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ سورة الحديد آية 13 ، وقيل : ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم عَلَى لسان النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فضرب النار مثلا ، ثُمَّ لَمْ يقل : أطفأ اللَّه نارهم ، لكن عبر بإذهاب النور عَنْهُ ، لأن النار نور وحرارة ، فيذهب نورهم وتبقى الحرارة عَلَيْهِم . وَقَالَ مجاهد : إضاءة النار : إقبالهم إِلَى الْمُسْلِمِينَ والهدى ، وذهاب نورهم : إقبالهم إِلَى المشركين والضلالة . وَقَالَ عَطَاء ، ومحمد بْن كعب : نزلت فِي الْيَهُود وانتظارهم خروج النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واستفتاحهم بِهِ عَلَى مشركي العرب ، فلما خرج كفروا بِهِ ، ثُمَّ وصفهم اللَّه ، فَقَالَ : صُمٌّ سورة البقرة آية 18 أي : هُمْ صم عَنِ الحق لا يقبلونه ، وإذا لَمْ يقبلوا فكأنهم لَمْ يسمعوا ، بُكْمٌ سورة البقرة آية 18 خرس عَنِ الحق لا يقولونه ، أَوْ أنهم لما أبطنوا خلاف مَا أظهروا ، فكأنهم لَمْ ينطقوا بالحق ، عُمْيٌ سورة البقرة آية 18 أي : لا بصائر لَهُمْ ، ومن لا بصيرة لَهُ كمن لا بصر لَهُ ، فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ سورة البقرة آية 18 عَنِ الضلالة إِلَى الحق . أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 19 أَوْ كَصَيِّبٍ سورة البقرة آية 19 أي : كأَصْحَاب صيب ، وَهَذَا مثل آخر ضربه اللَّه تَعَالَى للمنافقين ، بمعنى آخر : إِن شئت مثلهم بالمستوقد ، وإن شئت بأهل الصيب ، وقيل : أَوْ سورة البقرة آية 19 بمعنى الواو ، يريد : وكصيب ، كقوله تَعَالَى : أَوْ يَزِيدُونَ سورة الصافات آية 147 بمعنى : ويزيدون ، والصيب : المطر ، وكل مَا نزل من الأعلى إِلَى الأسفل فَهُوَ صيب ، فيعل من صاب يصوب ، أي : نزل ، مِنَ السَّمَاءِ سورة البقرة آية 19 أي : من السحاب ، قيل : هِيَ السماء بعينها ، والسماء كُل مَا علاك فأظلك ، وَهِيَ من أسماء الأجناس يَكُون واحدا وجمعا ، فِيهِ سورة البقرة آية 19 أي : فِي الصيب ، وقيل : فِي السماء ، أي : من السحاب ، ولذلك ذكَّره ، وقيل : السماء يذكر ويؤنث ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ سورة المزمل آية 18 ، وَقَالَ : إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ سورة الانفطار آية 1 . ظُلُمَاتٌ سورة البقرة آية 19 جمع ظلمة ، وَرَعْدٌ سورة البقرة آية 19 هُوَ الصوت الَّذِي يسمع من السحاب ، وَبَرْقٌ سورة البقرة آية 19 وَهُوَ النار الَّتِي تخرج منه . قَالَ عَلِي ، وابن عَبَّاس ، وأكثر المفسرين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : الرعد اسم ملَك يسوق السحاب ، والبرق لمعان سوط من نور يزجر بِهِ الْمَلك السحاب ، وقيل : الصوت زجر السحاب ، وقيل : تسبيح الْمَلك ، وقيل : الرعد نطق الْمَلك ، والبرق ضحكه . وَقَالَ مجاهد : الرعد اسم الْمَلك ، ويقال لصوته أيضًا : رعد ، والبرق اسم ملك يسوق السحاب . وَقَالَ شَهْر بْن حوشب : الرعد ملك يزجي السحاب ، فَإِذَا تبددت ضمها ، فَإِذَا اشتد غضبه طارت من فِيهِ النار فَهِيَ الصواعق ، وقيل : الرعد صوت انحراف الريح بَيْنَ السحاب ، وَالأَوَّل أصح . يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ سورة البقرة آية 19 جمع صاعقة ، وَهِيَ الصيحة الَّتِي يموت من يسمعها أَوْ يغشى عَلَيْهِ ، ويقال لكل عذاب مهلك : صاعقة ، وقيل : الصاعقة قطعة عذاب ينزلها اللَّه تَعَالَى عَلَى من يشاء . رُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ ، قَالَ : " اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ ، وَلا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ " . حَذَرَ الْمَوْتِ سورة البقرة آية 19 أي : مخافة الهلاك ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 19 أي : عالم بِهِمْ ، وقيل : جامعهم ، وَقَالَ مجاهد : يجمعهم فيعذبهم ، وقيل : مهلكهم ، دليله قَوْله تَعَالَى : إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ سورة يوسف آية 66 أي : تهلكوا جميعًا . ويميل أَبُو عَمْرو والكسائي الكافرين فِي محل النصب والخفض ، ولا يميلان أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ سورة البقرة آية 41 . يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة البقرة آية 20 يَكَادُ الْبَرْقُ سورة البقرة آية 20 أي : يقرب ، يقال : كاد يفعل إِذَا قرب وَلَمْ يفعل ، يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ سورة البقرة آية 20 يختلسها ، والخطف استلاب بسرعة ، كُلَّمَا سورة البقرة آية 20 كُل حرف جملة ضم إِلَى مَا الجزاء فصار أداة للتكرار ، ومعناهما : مَتَى مَا ، أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا سورة البقرة آية 20 أي : وقفوا متحيرين ، فالله تَعَالَى شبههم فِي كفرهم ونفاقهم بقوم كَانُوا فِي مفازة فِي ليلة مظلمة ، أصابهم مطر فِيهِ ظلمات من صفتها : أَن الساري لا يمكنه المشي فِيهَا ، ورعد من صفته : أَن يضم السامعون أَصَابِعهم إِلَى آذانهم من هوله ، وبرق من صفته : أَن يقرب من أَن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده ، فهذا مثل ضربه اللَّه للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين مَعَهُ ، فالمطر الْقُرْآن ، لأنه حياة الجنان كَمَا أَن المطر حياة الأبدان ، والظلمات مَا فِي الْقُرْآن من ذكر الكفر والشرك ، والرعد مَا خوفوا بِهِ من الوعيد وذكر النار ، والبرق مَا فِيهِ من الهدى والبيان والوعد وذكر الْجَنَّة . والكافرون يسدون آذانهم عِنْدَ قراءة الْقُرْآن مخافة ميل القلب إِلَيْهِ ، لأن الإيمان عندهم كفر ، والكفر موت ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ سورة البقرة آية 20 أي : الْقُرْآن يبهر قلوبهم ، وقيل : هَذَا مثل ضربه اللَّه للإسلام ، فالمطر الإِسْلام ، والظلمات مَا فِيهِ من البلاء والمحن ، والرعد مَا فِيهِ من الوعيد والمخاوف فِي الآخرة ، والبرق مَا فِيهِ من الوعد والوعيد ، يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ سورة البقرة آية 19 يَعْنِي : أَن المنافقين إِذَا رأوا فِي الإِسْلام بلاء وشدة ، هربوا حذرا من الهلاك ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 19 جامعهم ، يَعْنِي : لا ينفعهم هربهم ، لأن اللَّه تَعَالَى من ورائهم يجمعهم فيعذبهم ، يَكَادُ الْبَرْقُ سورة البقرة آية 20 يَعْنِي : دلائل الإِسْلام تزعجهم إِلَى النظر لولا مَا سبق لَهُمْ من الشقاوة ، كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ سورة البقرة آية 20 يَعْنِي : أَن المنافقين إِذَا أظهروا كلمة الإيمان آمنوا ، فَإِذَا مَاتُوا عادوا إِلَى الظلمة . وقيل : معناه : كلما نالوا غنيمة وراحة فِي الإِسْلام ثبتوا ، وَقَالُوا : إنا معكم ، وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا سورة البقرة آية 20 يَعْنِي : رأوا شدة وبلاء تأخروا وقاموا ، أي : وقفوا ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ سورة الحج آية 11 . وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ سورة البقرة آية 20 أي : بأسماعهم ، وَأَبْصَارِهِمْ سورة البقرة آية 20 الظاهرة كَمَا ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة ، وقيل : لذهب بِمَا استفادوا من العز والأمان الَّذِي لَهُمْ بمنزلة السمع والبصر ، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة البقرة آية 20 قادر ، قرأ ابْن عامر ، وحمزة : شاء ، و جاء حيث كَانَ بالإمالة . يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ { 21 } الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ { 22 } سورة البقرة آية 21-22 قَوْله تَعَالَى : يَأَيُّهَا النَّاسُ سورة البقرة آية 21 قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما : " يأيها النَّاس " خطاب أهل مَكَّة ، و " يأيها الَّذِينَ آمنوا " خطاب أهل الْمَدِينَة ، وَهُوَ ههنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانين ، اعْبُدُوا سورة البقرة آية 21 وحدوا . قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما : كُل مَا ورد فِي الْقُرْآن من العبادة ، فمعناها : التوحيد ، رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ سورة البقرة آية 21 الخلق : اختراع الشيء عَلَى غَيْر مثال سبق ، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سورة البقرة آية 21 أي : وخلق الَّذِينَ من قبلكم ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ سورة البقرة آية 21 لكي تنجوا من العذاب ، وقيل : معناه : كونوا عَلَى رجاء التقوى بأن تصيروا فِي ستر ، ووقاية من عذاب اللَّه ، وحكم اللَّه من ورائكم يفعل مَا يشاء ، كَمَا قَالَ : فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى سورة طه آية 44 أي : ادعواه إِلَى الحق ، وكونا عَلَى رجاء التذكر ، وحكم اللَّه من ورائه يفعل مَا يشاء ، قَالَ سيبويه : لعل وعسى حرفا ترج ، وهما من اللَّه واجب . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا سورة البقرة آية 22 أي : بساطا ، وقيل : مناما ، وقيل : وطاء ، أي : ذللها ، وَلَمْ يجعلها حزنة لا يمكن القرار عَلَيْهَا ، قال البخاري : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي ذنب أعظم عند الله ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " . قلت : إن ذلك عظيم ، ثم أي ؟ قال : " أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك " . قلت : ثم أي ؟ قال : " أن تزاني حليلة جارك " ، والجعل ههنا بمعنى : الخلق . وَالسَّمَاءَ بِنَاءً سورة البقرة آية 22 وسقفا مرفوعا ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ سورة البقرة آية 22 أي : من السحاب ، مَاءً سورة البقرة آية 22 وَهُوَ المطر ، فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ سورة البقرة آية 22 من ألوان الثمرات وأنواع النبات ، رِزْقًا لَكُمْ سورة البقرة آية 22 طعاما لكم ، وعلفًا لدوابكم ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا سورة البقرة آية 22 أي : أمثالا تعبدونهم كعبادة اللَّه ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الند الضد ، وَهُوَ من الأضداد ، والله تَعَالَى بريء من المثل والضد ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ سورة البقرة آية 22 أَنَّهُ واحد خالق هذه الأشياء . وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ { 23 } فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ { 24 } سورة البقرة آية 23-24 وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ سورة البقرة آية 23 أي : وإن كنتم فِي شك ، لأن اللَّه تَعَالَى علم أنهم شاكون ، مِمَّا نَزَّلْنَا سورة البقرة آية 23 يَعْنِي : الْقُرْآن ، عَلَى عَبْدِنَا سورة البقرة آية 23 مُحَمَّد ، فَأْتُوا سورة البقرة آية 23 أمر تعجيز ، بِسُورَةٍ سورة البقرة آية 23 والسورة : قطعة من الْقُرْآن معلومة الأَوَّل والآخر ، من أسأرت ، أي : أفضلت ، حذفت الهمزة ، وقيل : السورة اسم للمنزلة الرفيعة ، ومنه سور البناء لارتفاعه ، سميت سورة لأن القارئ ينال بقراءتها منزلة رفيعة حَتَّى يستكمل المنازل باستكمال سور الْقُرْآن ، مِنْ مِثْلِهِ سورة البقرة آية 23 أي : مثل الْقُرْآن ، و مِنْ صلة ، كقوله تَعَالَى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ سورة النور آية 30 ، وقيل : الهاء فِي مِثْلِهِ سورة البقرة آية 23 راجعة إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَعْنِي : من مثل مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمي لا يحسن الخط والكتابة . وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ سورة البقرة آية 23 أي : واستعينوا بآلهتكم الَّتِي تعبدونها ، مِنْ دُونِ اللَّهِ سورة البقرة آية 23 وَقَالَ مجاهد : ناسا يشهدون لكم ، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ سورة البقرة آية 23 أَن محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقوله من تلقاء نفسه ، فلما تحداهم عجزوا ، فَقَالَ : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا سورة البقرة آية 24 فيما مضى ، وَلَنْ تَفْعَلُوا سورة البقرة آية 24 أبدا فيما بقي ، وإنما قَالَ ذَلِكَ لبيان الإعجاز ، وأن الْقُرْآن كَانَ معجزة للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث عجزوا عَنِ الإتيان بمثله ، فَاتَّقُوا النَّارَ سورة البقرة آية 24 أي : فآمنوا ، واتقوا بالإيمان النار ، الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ سورة البقرة آية 24 قَالَ ابْن عَبَّاس ، وأكثر المفسرين : يَعْنِي حجارة الكبريت ، لأنها أَكْثَر التهابا ، وقيل : جمع الحجارة ، وَهُوَ دليل عَلَى عظمة تلك النار ، وقيل : أراد بِهَا الأصنام ، لأن أَكْثَر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة ، كَمَا قَالَ : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ سورة الأنبياء آية 98 . أُعِدَّتْ سورة البقرة آية 24 هيئت ، لِلْكَافِرِينَ سورة البقرة آية 24 . وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ سورة البقرة آية 25 قوله تَعَالَى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا سورة البقرة آية 25 أي : أخبر ، والبشارة كُل خبر صدق تتغير بِهِ بشرة الوجه ، ويستعمل فِي الخير والشر ، وَفِي الخير أغلب ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سورة البقرة آية 25 أي : الفعلات الصالحات ، يَعْنِي : الْمُؤْمِنيِنَ الَّذِينَ من أهل الطاعات ، قَالَ عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سورة البقرة آية 25 أي : أخلصوا الأعمال ، كَمَا قَالَ : فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا سورة الكهف آية 110 أي : خاليا من الرياء ، قَالَ معاذ : العمل الصالح الَّذِي فِيهِ أربعة أشياء : العلم ، والنية ، والصبر ، والإخلاص . أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ سورة البقرة آية 25 جمع الْجَنَّة ، والجنة البستان الَّذِي فِيهِ أشجار مثمرة ، سميت بِهَا لاجتنانها وتسترها بالأشجار ، وَقَالَ الفراء : الْجَنَّة مَا فِيهِ النخيل ، والفردوس مَا فِيهِ الكرم . تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا سورة البقرة آية 25 أي : من تَحْتَ أشجارها ومساكنها ، الأَنْهَارُ سورة البقرة آية 25 أي : المياه فِي الأنهار ، لأن النهر لا يجري ، وقيل : مِنْ تَحْتِهَا سورة البقرة آية 25 أي : بأمرهم ، لقوله تَعَالَى حكاية عَنْ فرعون : وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي سورة الزخرف آية 51 أي : بأمري ، والأنهار جمع نهر ، سمي بِهِ لسعته وضيائه ، ومنه النهار ، وَفِي الْحَدِيث : " أَنَّهَارُ الْجَنَّة تجري فِي غَيْر أخدود " . كُلَّمَا سورة البقرة آية 25 مَتَى مَا ، رُزِقُوا سورة البقرة آية 25 أطعموا ، مِنْهَا سورة البقرة آية 25 أي : من الْجَنَّة ، مِنْ ثَمَرَةٍ سورة البقرة آية 25 أي : ثمرة ، و مِنْ صلة ، رِزْقًا سورة البقرة آية 25 طعاما ، قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ سورة البقرة آية 25 و قَبْلُ سورة البقرة آية 25 رفع عَلَى الغاية ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ سورة الروم آية 4 ، قيل : مِنْ قَبْلُ سورة البقرة آية 25 فِي الدنيا ، وقيل : الثمار فِي الْجَنَّة متشابهة فِي اللون ، مختلفة فِي الطعم ، فَإِذَا رزقوا ثمرة بَعْد أُخْرَى ظنوا أَنَّهَا الأولى ، وَأُتُوا بِهِ سورة البقرة آية 25 بالرزق ، مُتَشَابِهًا سورة البقرة آية 25 قَالَ ابْن عَبَّاس ، ومجاهد ، والربيع : متشابها فِي الألوان ، مختلفا فِي الطعوم . وَقَالَ الْحَسَن ، وَقَتَادَة : مُتَشَابِهًا سورة البقرة آية 25 أي : يشبه بعضها بعضا في الجودة ، أي : كلها خيار لا رذالة فيها . وقال محمد بن كعب : يشبه ثمر الدنيا غَيْر أَنَّهَا أطيب . وقيل : متشابهًا فِي الاسم مختلفا فِي الطعم ، قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُما : لَيْسَ فِي الدنيا مِمَّا فِي الْجَنَّة إلا الأسامي .