← المكتبة ▭▭ صفحتان
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب - ط عطاءات العلم
محمد الأمين الشنقيطي التفسير 1393 هـ
A− A+
39 · ص43
{تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح/ ١٦]. والجواب عن هذا بأمور: الأول -وهو أحسنها وأقربها-: أن المراد بقوله: {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة/ ٣٦]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. الوجه الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة/ ٥]، وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدًا. وإيضاح ذلك: أن من حكمة اللَّه البالغة في التشريع أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجيًا لتخف صعوبته بالتدريج، فالخمر -مثلًا- لما كان تركها شاقًّا على النفوس التي اعتادتها، ذكر أولًا بعض معائبها بقوله: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِير} [البقرة/ ٢١٩]، ثم بعد ذلك حرمها في وقت دون وقت، كما دل عليه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الآية [النساء/ ٤٣]، ثم لما استأنست النفوس بتحريمها في الجملة حرَّمها تحريمًا باتًا بقوله: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)} [المائدة/ ٩٠]. وكذلك الصوم لما كان شاقًّا على النفوس شرعه أولًا على سبيل