← المكتبة ▭▭ صفحتان
الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني
القاضي عياض السيرة النبوية 544 هـ
A− A+
342 · ص168 · ج2
فَظَاهِرَة العُذْر وَأنَّه أخَذ فِيهَا بالتّأْوِيل وَظَاهِر اللّفْظ لِقَوْلِه تَعَالَى وَأَهْلَك، فَطَلَب مُقْتَضى هَذَا اللَّفْظ وَأَرَاد عِلْم مَا طُوِي عَنْه من ذَلِك لَا أنَّه شَكّ فِي وَعْد اللَّه فَبيَّن اللَّه عَلَيْه أنَّه لَيْس من أهله الَّذِين وَعَدَه بِنَجاتِهِم لِكُفْرِه وَعَمَلِه الَّذِي هُو غَيْر صَالِح وَقَد أعْلَمَه أنَّه مُغْرِق الَّذِين ظَلَمُوا وَنَهَاه عَن مُخَاطَبِتِه فِيهِم فووخذ بِهَذا التأويل وَعُتب عَلَيْه وَأشْفَق هُو من إِقْدامِه عَلَى رَبَّه لِسُؤَالِه مَا لَم يُؤْذَن له في السؤال فيه وَكَان نُوح فِيمَا حَكاه النَّقَّاش لَا يَعْلَم بِكُفْر ابْنِه وَقِيل فِي الآيَة غَيْر هَذَا وَكُلّ هَذَا لَا يَقْضِي عَلَى نُوح بِمَعْصِيَة سِوَى مَا ذَكَرْنَاه من تَأْوِيلِه وَإقدامِه بالسُّؤَال فِيمَن لم يُؤْذَن لَه فِيه وَلَا نُهَي عَنْه، وَمَا رُوِي فِي الصَّحِيح من أَنّ نَبِيًّا قَرَصَتْه نَمْلَة فَحَرَّق قَرْيَة النَّمْل فَأَوْحى اللَّه إليْه: (إِنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقَتْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ) فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَتَى مَعْصَيةٌ بَلْ فَعَلَ مَا رَآهُ مَصْلَحَةً وَصَوَابًا بِقَتْلِ مَنْ يُؤْذِي جِنْسُهُ وَيَمْنَعُ المنْفَعَةَ بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ هذا النبي كَان نازِلًا تحت الشَّجَرَة فَلَمّا آذَتْه النَّمْلَة تَحَوَّل بِرَحْلِه عَنْهَا مَخَافَة تكْرَار الأذَى عَلَيْه وَلَيْس فِيمَا أوْحى اللَّه إليْه مَا يُوجِب عَلَيْه مَعْصِيَة بَل نَدَبَه إِلَى احْتِمَال الصَّبْر وَتَرْك التَّشَفي كَمَا قَال تَعَالَى: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خير للصابرين) إِذ ظَاهِر فِعْلِه إنَّمَا كَان لأجْل أنَّهَا آذَتْه هُو فِي خَاصَّتِه فكان نتقاما لِنَفْسِه وَقَطْع مَضَرّه يتَوَقَّعُهَا من بَقِيَّة النَّمْل هُنَاك وَلَم يَأْت فِي كُلّ هَذَا أمْرًا نُهِي عَنْه فَيُعَصَّى بِه ولا نص فيها أوْحى اللَّه إليْه بِذَلِك وَلَا بالتَّوْبَة والاسْتِغْفَار مِنْه والله أعلم
(قوله أَنّ نَبِيًّا قَرَصَتْه نملة) قال الزكي المنذرى إنه موسى وإن قيل جاء مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ إنه عزير، ونقل المحب الطبري عن الحكيم الترمذي أنه موسى. (*)