365 · ص188 · ج1
ثم إن قيلَ: إنه داخلٌ في آلِه معَ الاقترانِ، كما هو داخلٌ معَ الإطلاقِ، فقد صلَّى عليه مرتينِ؛ خصوصًا وعمومًا.
ولو قيلَ: إنه لم يدخُلْ؛ ففي ذلك بيانُ أن الصلاةَ على آلِه تبَعًا له، وأنه هو الأصلُ؛ إذ بسببِه طُلِبتِ الصلاةُ على آلِه.
فإن قيلَ: قولُه: «كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ» يُشعِرُ بفضيلةِ إبراهيمَ؛ لأن المشبَّهَ دونَ المشبَّهِ به.
قيلَ: الجوابُ: أن محمدًا داخلٌ في آلِ إبراهيمَ في الأصح؛ لأنه أحقُّ من غيرِه من الأنبياءِ بالدخولِ، فيدخُلُ عمومًا في آلِ إبراهيمَ، ثم أُمِرْنا أن نصلِّيَ على محمدٍ وعلى آلِه خصوصًا بقدرِ ما صلَّيْنا عليه معَ سائرِ آلِ إبراهيمَ عمومًا، ثم لأهلِ بيتِه من ذلك ما يليقُ بهم، والباقي له، فيُطلَبُ له من الصلاةِ هذا القدرُ العظيمُ، فيحصُلُ له به أعظمُ ما لإبراهيمَ وغيرِه، فظهرَ مِن فضيلتِه على كلٍّ مِنَ النبِيِّينَ ما هو اللائقُ به صلى الله عليه وسلم.
وجوابٌ ثاني: وهو أنَّ آلَ إبراهيمَ فيهم الأنبياءُ الذين ليس مثلُهم في آلِ محمدٍ، فإذا طُلِب مِن الصلاةِ مثلُ ما صُلِّي على هؤلاءِ؛ حصَل لأهلِ بيتِه ما يليقُ بهم، فإنهم دونَ الأنبياءِ، وبقِيَتِ الزيادةُ لمحمدٍ، فحصَل له بذلك مَزِيَّةٌ ليست لإبراهيمَ ولا لغيرِه، وهذا حسنٌ أيضًا.
وجوابٌ ثالثٌ: منع أن يكونَ المشبَّهُ دونَ المشبَّهِ به.
وجوابٌ رابعٌ: أنَّ التشبيهَ عائدٌ إلى الصلاةِ على الآلِ فقطْ، فقولُه: «على محمدٍ» انقطعَ الكلامُ، وقولُه: «وعلى آلِ محمدٍ» مبتدأٌ، وهذا نُقِل
366 · ص189 · ج1
عن الشافعيِّ ١، وهو ضعيفٌ كالذي قبلَه؛ لأن الفعلَ العاملَ في المعطوفِ هو العاملُ في المعطوفِ عليه، وهو العاملُ في أداةِ التشبيهِ، والحذفُ إنما يجوزُ معَ قيامِ دليلٍ، كما لو قيل: اضرِبْ زيدًا وعمرًا مثلَ ضَرْبِك خالدًا، وجعل التشبيهَ من المعطوفِ ٢؛ كان تلبيسًا ٣.
قولُه: «ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ»؛ أي: لا ينفعُ ذا الحظِّ والمالِ والعظمةِ منكَ مالُه ولا عظمتُه، بل تقواه وإيمانُه ٤.
ومحمدٌ أفضلُ الرسلِ باتفاقِ المسلمينَ؛ لكن وقع نزاعٌ: هل هو أفضلُ من جملتِهم؟ قطَع طائفةٌ بأنه أفضلُ، كما أن صدِّيقَه وُزِنَ بمجموعِ الأمةِ؛ فرجَحَ.
فعلى هذا: يكونُ آلُ محمدٍ الذين هو فيهم؛ أفضلَ من آلِ إبراهيمَ
١ ينظر: البيان للعمراني ٢/ ٢٣٨، شرح مسلم للنووي ٤/ ١٢٥.
قال شيخ الإسلام في أصل الفتوى: (وهذا نقله العمراني عن الشافعي، وهذا باطل عن الشافعي قطعًا، لا يليق بعلمه وفصاحته؛ فإن هذا كلام ركيك في غاية البعد، وفيه من جهة العربية بحوث لا تليق بهذا الموضع).
٢ قال ابن القيم في جلاء الأفهام ص ٢٨٠: (وأيضًا: فإنه لا يصح من جهة العربية، فإن العامل إذا ذكر معموله وعطف عليه غيره ثم قيد بظرف أو جار ومجرور أو مصدر أو صفة مصدر؛ كان ذلك راجعًا إلى المعمول وما عطف عليه، هذا الذي لا تحتمل العربية غيره، فإذا قلت: جاءني زيد وعمرو يوم الجمعة؛ كان الظرف مقيدًا لمجيئهما، لا لمجيء عمرو وحده).
٣ ينظر أصل الفتوى من قوله: (آل محمد فيه … ) إلى هنا في مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٥٤، الفتاوى الكبرى ٢/ ١٩٠.
٤ ينظر أصل الفتوى من قوله: (قوله: ولا ينفع … ) إلى هنا في مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٤٦، الفتاوى الكبرى ٢/ ٤٢٠.