← المكتبة ▭ صفحة واحدة
إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية
ابن خالويه التجويد والقراءات 370 هـ
A− A+
41 · ص43
فَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ النَّارَ كَثُرَ دَوْرُهَا فِي الْقُرْآنِ فَأَمَالَهُ تَخْفِيفًا، وَالْجَارُ لَمَّا قَلَّ دَوْرُهُ فِي الْقُرْآنِ تَرَكَهُ عَلَى أَصْلِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو يُمِيلُ «الْكَافِرِينَ» فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا يُمِيلُ «الْجَبَّارِينِ» فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، لِأَنَّهُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعَيْنِ {إِنَّ فِيهَا قوما جبارين، } {وإذا بطشتم بطشتم جبارين}. - قوله تَعَالَى {غِشَاوَةً}. قَرَأَ عَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ الْمُفَضَّلِ «وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً» بِالنَّصْبِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «غِشَاوَةٌ» بِالرَّفْعِ، فَمَنْ نَصَبَ أَضْمَرَ فِعْلًا، وَالتَّقْدِيرُ: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَاثِيَةِ: {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} وَالْعَرَبُ تُضْمِرُ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ، قَالَ الشَّاعِرُ: سَقَوْا جَارَكَ الْغَيْمَانَ لَمَّا جَفَوْتَهُ ... وَقَلَّصَ عَنْ بَرْدِ الشَّرَابِ مَشَافِرُهُ سَنَامًا وَمَحْضًا أَنْبَتَا اللَّحْمَ فَاكْتَسَتْ ... عِظَامُ امْرِئٍ مَا كَانَ يَشْبَعُ طَائِرُهُ فَالتَّقْدِيرُ: سَقَوْا جَارَكَ لَبَنًا وَأَطْعَمُوهُ سَنَامًا، لِأَنَّ السَّنَامَ لَا يُسْقَى، وَقَالَ آخَرُ: وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا مَعْنَاهُ: حَامِلًا رُمْحًا، لِأَنَّ الرُّمْحَ لَا يُتَقَلَّدُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} بِالنَّصْبِ كَذَلِكَ قَرَأَ الْأَعْرَجُ عَلَى تَقْدِيرِ: وَسَخَّرْنَا الطَّيْرَ. وَمَنْ رَفَعَ «غِشَاوَةٌ» فَجَعَلَهُ ابْتِدَاءً وَ «عَلَى» خَبْرَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: غِشَاوَةٌ عَلَى أَبْصَارِهِمْ: كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ فِي الدَّارِ، وَعَلَى أَبِيكَ ثَوْبٌ، وَثَوْبٌ عَلَى أَبِيكَ، وَالْغِشَاوَةُ: الْغِطَاءُ، قَالَ الشَّاعِرُ: تَبِعْتُكَ إِذْ عَيْنِي عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها - قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ}. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «مَنْ يَقُولُ» بِإِدْغَامِ النُّونِ فِي الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ غُنَّةٍ. وَالْبَاقُونَ يُدْغِمُونَ بِغُنَّةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّونَ الْخَفِيفَةَ السَّاكِنَةَ وَالتَّنْوِينَ تُظْهَرَانِ عِنْدَ سِتَّةِ أَحْرُفٍ، وَيُدْغَمَانِ عِنْدَ سِتَّةٍ، وَيُخْفَيَانِ عِنْدَ بَاقِي حُرُوفِ الْمُعْجَمِ. فَالْأَحْرُفُ السِّتَّةُ اللَّوَاتِي تُظْهَرُ «ن» عِنْدَهُنَّ هِيَ حُرُوفُ الْحَلْقِ: الْهَمْزَةُ وَالْهَاءُ، وَالْعَيْنُ وَالْحَاءُ، وَالْخَاءُ وَالْغَيْنُ، وَاللَّوَاتِي تُدْغَمَانِ عِنْدَهُنَّ الْيَاءُ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ، وَاللَّامُ بغير
42 · ص44
غُنَّةٍ نَحْوَ: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} وَالرَّاءُ بِغَيْرِ غُنَّةٍ نَحْوَ: {مِنْ رَبِّهِمْ}. وَالْوَاوُ بِغَيْرِ غُنَّةٍ فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَحْدَهُ، والْبَاقُونَ بِغُنَّةٍ نَحْوَ {غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ} وَ {مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} وَعِنْدَ الْمَيِمِ بِغُنَّةٍ لَا غَيْرَ نَحْوَ {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} وَعِنْدَ النُّونِ مِثْلَهَا بِغُنَّةٍ لَا غَيْرَ، نَحْوَ: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ، } {فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}. قَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو: «يُخَادِعُونَ» بِالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ. - وَحَدَّثَنِي أبو بكر بن الأعرابي، قال: وحدثنا الْمُبَرِّدُ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: يَخْدَعُونَ وَيُخَادِعُونَ الْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ، غَيْرَ أَنَّ يُخَادِعُونَ بِالْأَلِفِ الِاخْتِيَارُ، لِتُعْطَفَ لَفْظَةٌ عَلَى شَكْلِهَا. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي «يُخَادِعُونَ» فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُفَاعِلُونَ وَفَاعَلْتَ فِعْلٌ مِنِ اثْنَيْنِ، وَرُبَّمَا جَاءَ الْوَاحِدُ كَقَوْلِهِمْ: طَارَقْتُ النَّعْلَ، وَعَافَاكَ اللَّهُ مِنْ ذَاكَ، وَمِنْ ذَلِكَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، أَيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ، وَيُخَادِعُونَ بِمَعْنَى: يَخْدَعُونَ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّحْوِ: فَاعَلْتَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنِ اثْنَيْنِ، فَمُخَادَعَةُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ أَنْ يُجَازِيَهُمْ جَزَاءَ خَدْعِهِمْ، كَمَا قَالَ: {نَسُوُا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}. - حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، عَنِ الْمُبَرِّدِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُمَا، أَنَّ مُؤَرِّقًا الْعِجْلِيَّ، قَرَأَ: «وَمَا يُخَدِّعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» وَكَانَ مُوَرِّقٌ أَسَدَّ النَّاسِ. - حَدَّثَنَا ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى الْخُلْقَانِيُّ، قَالَ: كَانَ مُؤَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ يَجِيءُ بِالصُّرَّةِ إِلَى الرَّجُلِ، فَيَقُولُ، إِذَا نَفِدَتْ أَمْدَدْنَاكَ، وَكَانَ يُودِعُ الصُّرَّةَ الْإِنْسَانَ ثُمَّ يَجِيءُ فَيَقُولُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ. وَيُقَالُ: خَدَعَتِ الْعَيْنُ: نَامَتْ، وَ «بَيْنَ يَدَيِ الدَّجَّالِ سُنُونَ خَدَّاعَةٌ»، أَيْ: نَاقِصَةُ النَّمَاءِ وَالزَّكَاءِ، وَخَدَعَ الرِّيقُ: نَقَصَ وَتَغَيَّرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا نَقَصَ خَثُرَ، أَيْ: غَلُظَ‍، وَإِذَا خَثُرَ جَفَّ وَتَغَيَّرَ، وَبِذَلِكَ يَخْلُفُ فَمُ الصَّائِمِ، قَالَ سُوَيْدٌ: أَبْيَضَ اللَّوْنِ لَذِيذًا طَعْمُهُ ... طَيِّبَ الرِّيحِ إِذَا الرِّيقُ خَدَعْ - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَابْنُ عَامِرٍ بِرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ «فَزَادَهُمُ اللَّهُ» بِالْإِمَالَةِ، وَكَذَلِكَ شَاءَ وَجَاءَ، وَفَتْحِ الْبَاقِي، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلُّهُمْ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ.