← المكتبة ▭ صفحة واحدة
إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية
ابن خالويه التجويد والقراءات 370 هـ
A− A+
123 · ص125
فَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَعْكُِفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ}. فَإِنَّ حمزة والكسائي قرءاه بِكَسْرِ الْكَافِ. وَالْبَاقُونَ بِالضَّمِّ، وَهُمَا لُغَتَانِ، يَعْكِفُ وَيَعْكُفُ، وَيَعْرِشُ وَيَعْرُشُ، وَمَعْنَى يَعْكِفُونَ: يُوَاظِبُونَ عَلَيْهِ وَيُقِيمُونَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ لَزِمَ شَيْئًا فَقَدْ عَكَفَ عَلَيْهِ وَمِنْهُ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسَاجِدِ. فَأَقَلُّ الِاعْتِكَافِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَاعَةً، وَعِنْدَ غَيْرِهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَا يُجِيزُونَ الِاعْتِكَافَ، أَعْنِي هَؤُلَاءِ إِلَّا مَعَ الصَّوْمِ. وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ بِنَذْرِكَ»، فَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا مَا جَازَ الِاعْتِكَافُ لَيْلًا، لِأَنَّ الصَّوْمَ بِاللَّيْلِ مُحَالٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ كَانَ مَاضِيهِ مَفْتُوحَ الْعَيْنِ فَإِنَّ مُسْتَقْبَلَهُ يَجُوزُ كَسْرُهُ وَضَمُّهُ، أَمَّا مَا كَانَ مَاضِيهِ مَكْسُورًا فَالْمُضَارِعُ مِنْهُ مَفْتُوحٌ، وَمَا كَانَ مَاضِيهِ مَضْمُومًا فَالْمُسْتَقْبَلُ بِالضَّمِّ أَيْضًا، نَحْوَ يَظْرُفُ، فَهَذَا جُمْلَةُ هَذَا الْبَابِ. وَقَدْ يَشِذُّ مِنْهُ الْأَحْرُفُ وَقَدْ بَيَّنْتُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحْدَهُ: «وَإِذْ نَجَّاكُمْ» وَكَذَلِكَ هِيَ فِي مَصَاحِفِهِمْ وَالْبَاقُونَ «أَنْجَيْنَاكُمْ». وَإِذْ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ، التَّقْدِيرُ: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ، وَمَعْنَى أَنْجَيْنَاكُمْ: أَنْجَيْنَا أَبَاكُمْ وَأَحْيَيْنَاكُمْ فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِئَلَّا يُنْزِلَ بِهِمْ نِقْمَتَهُ إِذَا خَالَفُوا. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {جَعَلَهُ دَكًّا}. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «دَكَّاءَ» مَمْدُودًا، جَعَلَهُ صِفَةً، وَالتَّقْدِيرُ: فَجَعَلَ الْجَبَلَ أَرْضًا مَلْسَاءَ دَكَّاءَ كَقَوْلِ الْعَرِبِ، نَاقَةٌ دَكَّاءُ: لَا سَنَامَ لَهَا، فَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: «دَكًّا» جَعَلُوهُ مَصْدَرًا كَقَوْلِهِ: {دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا}. غَيْرَ أَنَّ هَذَا قَدْ ذَكَرَ الْفِعْلَ الَّذِي صَدَرَ عَنْ مَصْدَرِهِ لَفْظًا، وَقَوْلُهُ «فَجَعَلَهُ» لَيْسَ مِنْ لَفْظِ‍ دَكًّا، غَيْرَ أَنَّهُ بِمَعْنَاهُ فَكَأَنَّ التَّقْدِيرَ، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ دَكَّهُ دكا.
124 · ص126
إِلَّا عَاصِمًا فَإِنَّهُ كَانَ يُمِدُّ الَّذِي فِي الْكَهْفِ وَيَقْصِرُ هَاهُنَا كَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ لِيُنْبِئَ أَنَّ هَذِهِ جَائِزَةٌ وَهَذِهِ جَائِزَةٌ، فَمَنْ مَدَّ جَمْعَهَا دَكَّاوَاتٍ، وَمَنْ قَصَرَ لَمْ يُثَنِّ وَلَمْ يَجْمَعْ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَحُكِيَ لِي، عَنْ بعَضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ «دُكًّا» بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا وَجَمْعًا، وَالِاخْتِيَارُ أَنَّ الدَّكَّ الْأَرْضُ الذَّلِيلَةُ. - وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ}. قَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: «الرَّشَدِ» بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَجَزْمِ الشِّينِ «سَبِيلَ الرُّشْدِ». فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ: السُّقْمِ وَالسَّقَمِ وَالْحُزْنِ وَالْحَزَنِ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: الرُّشَدُ: الصَّلَاحُ، وَالرَّشَدُ: فِي الدِّينِ فَلِذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ الَّتِي فِي الْكَهْفِ «رَشَدًا». وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الِاخْتِيَارُ: الرُّشْدُ، بِالضَّمِّ وَالْإِسْكَانِ، لِأَنَّ الْقُرَّاءَ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلِهِ: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا}. فَهَذَا مثله. قال أبو عبد الله رضي الله عنه: وَكَذَلِكَ: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. وَالْغَيُّ: هَاهُنَا الضَّلَالُ يُقَالُ غَوَي الرَّجُلُ يَغْوِى: إِذَا صَارَ مِنْ أَهْلِ الْغَيِّ، وَالْغَوَايَةُ: الضَّلَالَةُ، وَأَمَّا غَوِىَ بِكَسْرِ الْوَاوِ يَغْوَى غَوًى فَشَيْئَانِ: يُقَالُ فِي السَّخْلَةِ إِذَا بَشِمَتْ مِنْ كَثْرَةِ الشُّرْبِ لِلَّبَنِ، وَإِذَا هُزِلَتْ مِنْ قِلَّةِ الشُّرْبِ، وَيُنْشِدُ: مُعَطَّفَةُ الْأَثْنَاءِ لَيْسَ فَصِيلُهَا ... بِرَازِئِهَا دَرًّا وَلَا مَيِّتٍ غَوِىِ الدَّرُّ: اللَّبَنُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لِلَّهِ دَرُّكَ، أَيْ: لِلَّهِ صَالِحُ عَمَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَفْتَضُّ الْكِرْشَ لِشُرْبِ مِائَةٍ وَتَفْصِدُ الْعِرْقَ لِتَشْرَبَ الدَّمَ فَكَانَ أَفْضَلُ مَا يَشْرَبُونَ اللَّبْنَ وَهُوَ الدَّرَّةُ فَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا}. فَإِنَّ أُبَيَّا قَرَأَ «لَا يَتَّخِذُوهَا» فَالْهَاءُ فِي كِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ تَعُودُ عَلَى السَّبِيلِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُذَكِّرُ السَّبِيلَ وَتُؤَنِّثُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ} فَأَمَّا ابْنُ عَامِرٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ فِي الْكَهْفِ «رُشُدًا» بِضَمَّتَيْنِ أَتْبَعَ الضَّمَّ الضَّمَّ كَمَا قَرَأَ أَيْضًا «وَأَقْرَبَ رُحُمًا» وَكَمَا قَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ: «أَلَيْسَ الصبح بقريب». - وقوله تعالى: {برسالاتي وَبِكَلَامِي}. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ بِالتَّوْحِيدِ، لِأَنَّ الرِّسَالَةَ الْوَاحِدَةَ قَدْ يَكُونُ مَعَهَا كَلِمَاتٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ لِيَكُونَ أَشْكَلَ بِالْكَلِمَاتِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ مِرَارًا.