219 · ص219
المطلب السادس
أثر بنوك الحليب في انتشار المحرمية
دل كتاب الله تعالى على تحريم نكاح المرضعة بإطلاق؛ أيًّا كان طريق الإرضاع، وذلك في قول الحق جلَّ ذكره: {حُرِّمَّتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُّكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [سورة النساء: ٢٣]، وإلى جانب أدلة الكتاب العزيز، فقد كان هذا المبدأَ ظاهرًا في أقوال النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، واضحًا في أفعاله، فحين استأذن عمٌّ لحفصة من الرضاعة ليدخل في بيتها؛ استنكرت عائشة - رضي الله عنهم -، فقال: "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" متفق عليه ١، وقال في بنت أبي سلمة - رضي الله عنهم -: "إنها لابنة - ولفظ مسلم: ابنة - أخي من الرضاعة؛ أرضعتني وأبا سلمة ثويبةُ, فلا تعرِضْنَ علي بناتِكن ولا أخواتِكن" متفق عليه ٢، ولما عرضت عليه
ابنة حمزة - رضي الله عنه - للزواج منها؛ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة" متفق عليه ٣، ولما جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن على عائشة - وهو عمها من الرضاعة - بعد أن نزل الحجاب؛ أبت عائشة أن تأذن له، فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرته بالذي صنعت، فأمرها أن تأذن له. متفق عليه ٤ وفي رواية لمسلم في المتابعات: أن عائشة قالت بعد ذلك: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل؟ ! فقال رسول الله: "إنه عمك؛ فليلج عليك" ٥، وجاء في ذلك من الأخبار ما يبلغ مبلغ التواتر، حتى انعقد إجماع الأمة على أن الرضاع يثبِت من الحرمة ما يثبته النسب. ٦
وتقريرات فقهاء المسلمين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم في هذا متوافرة ومتكاثرة. ٧
ولبيان أثر بنوك الحليب في انتشار المحرمية، أنتقل إلى دراسة المسائل الآتية:
المسألة الأولى: اختلاط الحليب بالدواء.
اختلف الفقهاء في تعلق التحريم بحليب الأم المخلوط بدواءٍ على أقوال، هي:
القول الأول: إذا كان الحليب هو الغالب؛ تعلق به التحريم، وكذا إذا استويا.
وبه قال الحنفية ٨.
١ تقدم تخريجه عند الضابط الثاني في المبحث الثالث من التمهيد.
٢ تقدم تخريجه في المطلب الرابع من المبحث الأول في الفصل الأول.
٣ تقدم تخريجه في المطلب الرابع من المبحث الأول في الفصل الأول.
٤ تقدم تخريجه في المطلب الرابع من المبحث الأول في الفصل الأول.
٥ تقدم تخريجه في المطلب الرابع من المبحث الأول في الفصل الأول.
٦ ينظر: محمد بن الحسن: المصدر السابق، (٤/ ٣٥٩). الترمذي: (المصدر السابق، ٢/ ٤٤٦). ابن المنذر: الإجماع (ص ٤١)، الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف (٨/ ٥٤٨). ابن حزم: مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات (ص ١٢٠). ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ٣٥). ابن القطان الفاسي: الإقناع في مسائل الإجماع (٣/ ١١٨٤، ١١٨٦). القرافي: الذخيرة (٤/ ٢٧٠). الشافعي: الأم (٦/ ٦٥). ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٣٧٤). ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٠٩). البهوتي: المصدر السابق، (١٣/ ٧٧). ابن قاسم: المصدر السابق، (٣٤/ ٣١).
٧ ينظر: الترمذي: المصدر السابق، (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢). الجصاص: المصدر السابق، (٥/ ٢٥٥). القدوري: المصدر السابق، (ص ٢٣٠). القرافي: المصدر السابق، (٤/ ٢٨٠). الحطاب: المصدر السابق، (٤/ ٥٧٥ - ٥٧٧). الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٦٥). النووي: روضة الطالبين (٩/ ١٦). ابن قدامة: المصدر السابق، (١١/ ٣٠٩، ٣١٧). ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٣، ٣٠).
٨ ابن عابدين: المصدر السابق، (٤/ ٤١١ - ٤١٢). الميداني: اللباب في شرح الكتاب (٤/ ٨٣).