رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
page 40 · printed p. 61 · commentary
( قَوْلُهُ : أَبُو الْقَاسِمِ ) تِلْكَ كُنْيَتُهُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْحَافِظُ الْمُفَسِّرُ الْفَقِيهُ ، النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ الْأَدِيبُ الْكَاتِبُ الْقُشَيْرِيُّ ، الشُّجَاعُ الْبَطَلُ ، لَمْ يَرَ مِثْلَ نَفْسِهِ ، وَلَا رَأَى الرَّاءُونَ مِثْلَهُ ، وَأَنَّهُ الْجَامِعُ لِأَنْوَاعِ الْمَحَاسِنِ . وُلِدَ سَنَةَ ( 377 ) وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ . وَرَوَى عَنْهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ الشَّهِيرَةَ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ( 465 ) ط عَنْ الزَّرْقَانِيِّ عَلَى الْمَوَاهِبِ . ( قَوْلُهُ : فِي رِسَالَتِهِ ) أَيْ الَّتِي كَتَبَهَا إلَى جَمَاعَةِ الصُّوفِيَّةِ بِبُلْدَانِ الْإِسْلَامِ سَنَةَ ( 437 ) هـ ، ذَكَرَ فِيهَا مَشَايِخَ الطَّرِيقَةِ وَفَسَّرَ أَلْفَاظًا تَدُورُ بَيْنَهُمْ بِعِبَارَاتٍ أَنِيقَةٍ . ( قَوْلُهُ : مَعَ صَلَابَتِهِ ) أَيْ قُوَّتِهِ وَتَمَكُّنِهِ ط . ( قَوْلُهُ : فِي مَذْهَبِهِ ) وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، أَوْ طَرِيقَةُ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ ط .
( قَوْلُهُ : سَمِعْت إلَخْ ) مَقُولُ الْقَوْلِ وَأَبُو عَلِيٍّ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ . وَأَبُو الْقَاسِمِ : هُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّصْرَابَاذِيُّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ شَيْخُ خُرَاسَانَ ، جَاوَرَ بِمَكَّةَ ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ( 357 ) . وَالشِّبْلِيُّ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ دُلَفَ الشِّبْلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْمَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ ، صَحِبَ الْجُنَيْدَ ، مَاتَ سَنَةَ ( 334 ) وَالسِّرِّيُّ هُوَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مُغَلِّسٍ السَّقَطِيُّ خَالُ الْجُنَيْدِ وَأُسْتَاذُهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ( 257 ) .
( قَوْلُهُ : مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ ) هُوَ فَارِسُ هَذَا الْمَيْدَانِ ، فَإِنَّ مَبْنَى عِلْمِ الْحَقِيقَةِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَتَصْفِيَةِ النَّفْسِ ، وَقَدْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ عَامَّةُ السَّلَفِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي حَقِّهِ إنَّهُ كَانَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَالزُّهْدِ وَإِيثَارِ الْآخِرَةِ بِمَحَلٍّ لَا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ لِيَلِيَ الْقَضَاءَ فَلَمْ يَفْعَلْ :
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ مِنْ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ إمَامًا تَقِيًّا نَقِيًّا وَرِعًا عَالِمًا فَقِيهًا ، كَشَفَ الْعِلْمَ كَشْفًا لَمْ يَكْشِفْهُ أَحَدٌ بِبَصَرٍ وَفَهْمٍ وَفِطْنَةٍ وَتُقًى :
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لِمَنْ قَالَ لَهُ جِئْت مِنْ عِنْدِ أَبِي حَنِيفَةَ : لَقَدْ جِئْت مِنْ عِنْدِ أَعْبَدْ أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْأَثْبَاتِ .
( قَوْلُهُ : فَعَجَبًا ) هُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ : أَيْ فَأَعْجَبُ مِنْك عَجَبًا وَهَذَا الْخِطَابُ لِمَنْ أَنْكَرَ فَضْلَهُ أَوْ خَالَفَ قَوْلَهُ ط .
( قَوْلُهُ : أَلَمْ يَكُنْ ) اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ ، أَوْ هُوَ إنْكَارِيٌّ بِمَعْنَى النَّفْيِ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ .
( قَوْلُهُ : أُسْوَةٌ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا : أَيْ قُدْوَةٌ .
( قَوْلُهُ : فِي هَؤُلَاءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِأُسْوَةٍ ، وَفِي بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى - { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } - .
( قَوْلُهُ : وَهُمْ أَئِمَّةُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلَخْ ) فِي رِسَالَةِ الْفُتُوحَاتِ لِلْقَاضِي زَكَرِيَّا : الطَّرِيقَةُ سُلُوكُ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ ، وَالشَّرِيعَةُ : أَعْمَالٌ شَرْعِيَّةٌ مَحْدُودَةٌ ، وَهُمَا وَالْحَقِيقَةُ ثَلَاثَةٌ مُتَلَازِمَةٌ ; لِأَنَّ الطَّرِيقَ إلَيْهِ تَعَالَى ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ فَظَاهِرُهَا الطَّرِيقَةُ وَالشَّرِيعَةُ ، وَبَاطِنُهَا الْحَقِيقَةُ فَبُطُونُ الْحَقِيقَةِ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَالطَّرِيقَةِ كَبُطُونِ الزُّبْدِ فِي لَبَنِهِ ، لَا يُظْفَرُ بِزُبْدِهِ بِدُونِ مَخْضِهِ ، وَالْمُرَادُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إقَامَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُرَادِ مِنْ الْعَبْدِ ا هـ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ .
( قَوْلُهُ : وَمَنْ بَعْدَهُمْ ) أَيْ مَنْ أَتَى بَعْدَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي الزَّمَانِ سَالِكًا فِي هَذَا الْأَمْرِ وَهُوَ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُمْ ; إذْ هُمْ الْأَئِمَّةُ فِيهِ فَيَكُونُ فَخْرُهُ بِاتِّصَالِ 61 سَنَدِهِ بِهَذَا الْإِمَامِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ فَخْرُ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِذَلِكَ وَتَبِعُوهُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَشْرَبِهِ ، وَاقْتَدَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَرِيقَتِهِ وَمَذْهَبِهِ .
( قَوْلُهُ : فَلَهُمْ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَبِعَ ، وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ بِمَعْنَى تَابِعٌ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ مَنْ ، وَدَخَلَتْ عَلَيْهَا الْفَاءُ لِأَنَّ مَنْ فِيهَا مَعْنَى الْعُمُومِ فَأَشْبَهَتْ الشَّرْطِيَّةَ .
( قَوْلُهُ : وَكُلُّ مَا ) أَيْ كُلُّ رَأْيٍ .
( قَوْلُهُ : مَا اعْتَمَدُوهُ ) مِنْ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالِافْتِخَارِ بِهِ مِنْ حَيْثُ أَخْذُ عِلْمِ الْحَقِيقَةِ عَنْهُ .
( قَوْلُهُ : وَمُبْتَدَعٌ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ : أَيْ مُحْدَثٌ لَمْ يُسْبَقْ بِنَظِيرٍ .
( قَوْلُهُ : وَبِالْجُمْلَةِ ) أَيْ وَأَقُولُ قَوْلًا مُلْتَبِسًا بِالْجُمْلَةِ : أَيْ جُمْلَةَ مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْمَقَامِ .
( قَوْلُهُ : لَقَدْ زَانَ الْبِلَادَ إلَخْ ) مِنْ الزَّيْنِ : وَهُوَ ضِدُّ الشَّيْنِ ، يُقَالُ زَانَهُ وَأَزَانَهُ وَزَيَّنَهُ وَأَزْيَنَهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ، وَالْبِلَادُ : جَمْعُ بَلَدٍ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ مُسْتَحِيزَةٌ عَامِرَةٌ أَوْ غَامِرَةٌ قَامُوسٌ وَمَنْ عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، وَقَوْلُهُ بِأَحْكَامٍ مُتَعَلِّقٌ بِزَانَ . وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَدْوِينَهَا وَتَعْلِيمَهَا لِلنَّاسِ سَبَبٌ لِلْعَمَلِ بِهَا . وَلَا شَكَّ أَنَّ الِانْقِيَادَ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَعَمَلِ الْحُكَّامِ بِهَا وَالرَّعِيَّةِ زَيْنٌ لِلْبِلَادِ وَالْعِبَادِ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ ، وَبِضِدِّهِ الْجَهْلُ وَالْفَسَادُ ، فَإِنَّهُ شَيْنٌ وَدَمَارٌ لِلدِّيَارِ وَالْأَعْمَارِ .
( قَوْلُهُ : وَآثَارٍ ) جَمْعُ أَثَرٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : الْأَثَرُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ يَعُمُّ الْمَرْفُوعَ وَالْمَوْقُوفَ كَالْخَبَرِ ، وَالْمُخْتَارُ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَرْوِيِّ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ كَانَ عَنْ الصَّحَابِيِّ أَوْ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَصَّهُ فُقَهَاءُ خُرَاسَانَ بِالْمَوْقُوفِ عَلَى الصَّحَابِيِّ وَالْخَبَرِ بِالْمَرْفُوعِ .
وَلَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إمَامًا فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَخَذَ الْحَدِيثَ عَنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ شَيْخٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ . وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ فِي طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ ، وَمَنْ زَعَمَ قِلَّةَ اعْتِنَائِهِ بِالْحَدِيثِ فَهُوَ إمَّا لِتَسَاهُلِهِ أَوْ حَسَدِهِ إذْ كَيْفَ يَتَأَتَّى مِمَّنْ هُوَ كَذَلِكَ اسْتِنْبَاطُ مِثْلِ مَا اسْتَنْبَطَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ مَعَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ اسْتَنْبَطَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ الْمَعْرُوفِ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ ، وَلِأَجْلِ اشْتِغَالِهِ بِهَذَا الْأَهَمِّ لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ فِي الْخَارِجِ ، كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا اشْتَغَلَا بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَحَادِيثِ مِثْلُ مَا ظَهَرَ عَنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ ، وَكَذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُمَا مِثْلُ مَا ظَهَرَ عَمَّنْ تَفَرَّغَ لِلرِّوَايَةِ كَأَبِي زُرْعَةَ وَابْنِ مَعِينٍ لِاشْتِغَالِهِمَا بِذَلِكَ الِاسْتِنْبَاطِ ، عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ الرِّوَايَةِ بِدُونِ دِرَايَةٍ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مَدْحٍ بَلْ عَقَدَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَابًا فِي ذَمِّهِ ثُمَّ قَالَ : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ ذَمُّ الْإِكْثَارِ مِنْ الْحَدِيثِ بِدُونِ تَفَقُّهٍ وَلَا تَدَبُّرٍ . وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : أَقْلِلْ الرِّوَايَةَ تَتَفَقَّهْ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لِيَكُنْ الَّذِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْأَثَرَ وَخُذْ مِنْ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَك الْحَدِيثَ .
وَمِنْ أَعْذَارِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ : لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُحَدِّثَ مِنْ الْحَدِيثِ إلَّا بِمَا يَحْفَظُهُ يَوْمَ سَمِعَهُ إلَى يَوْمِ يُحَدِّثُ بِهِ ، فَهُوَ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ إلَّا لِمَنْ حَفِظَ . وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ أَنَّهُ قَالَ : نِعْمَ الرَّجُلُ النُّعْمَانُ ، مَا كَانَ أَحْفَظَهُ لِكُلِّ حَدِيثٍ فِيهِ فِقْهٌ وَأَشَدُّ فَحْصِهِ عَنْهُ ، وَأَعْلَمُهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ ، وَتَمَامُهُ فِي الْخَيْرَاتِ الْحِسَانِ لِابْنِ حَجَرٍ .
( قَوْلُهُ : وَفِقْهٍ ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ التَّوْحِيدَ ، فَإِنَّ الْفِقْهَ كَمَا عَرَّفَهُ الْإِمَامُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا ط .
( قَوْلُهُ : كَآيَاتِ الزَّبُورِ ) التَّشْبِيهُ فِي الْإِيضَاحِ 62 وَالْبَيَانِ لَا فِي الْأَحْكَامِ ; لِأَنَّ الزَّبُورَ مَوَاعِظُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي الزِّينَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ زَانَ مَا ذُكِرَ كَمَا زَيَّنَتْ النُّقُوشُ الطُّرُوسَ ط .
( قَوْلُهُ : فَمَا فِي الْمَشْرِقَيْنِ إلَخْ ) الْمَشْرِقُ مَحَلُّ الشُّرُوقِ : أَيْ الطُّلُوعُ وَالْمَغْرِبُ مَحَلُّ الْغُرُوبِ وَثَنَّاهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَاحِدٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } - عَلَى إرَادَةِ مَشْرِقَيْ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَمَغْرِبَيْهِمَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ ، وَقِيلَ مَشْرِقُ الشَّمْسِ وَالْفَجْرِ وَمَغْرِبُ الشَّمْسِ وَالشَّفَقِ ، أَوْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَغْرِبَيْهِمَا ، وَجُمِعَا فِي قَوْله تَعَالَى - { رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ } - بِاعْتِبَارِ الْأَقْطَارِ أَوْ الْأَيَّامِ أَوْ الْمَنَازِلِ أَفَادَهُ ط .
( قَوْلُهُ : وَلَا بِكُوفَةَ ) خَصَّهَا بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ ، لِأَنَّهَا بَلَدُهُ ، أَوْ لِأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْكُوفَةُ الرَّمْلَةُ الْحَمْرَةُ الْمُسْتَدِيرَةُ أَوْ كُلُّ رَمْلَةٍ يُخَالِطُهَا حَصْبَاءُ وَمَدِينَةُ الْعِرَاقِ الْكُبْرَى ، وَقُبَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَدَارُ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِينَ ، مَصَّرَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَكَانَتْ مَنْزِلَ نُوحٍ وَبَنَى مَسْجِدَهَا ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهَا وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا ، وَيُقَالُ لَهَا كَوْفَانُ وَيُفْتَحُ وَكُوفَةُ الْجُنْدِ ; لِأَنَّهَا اُخْتُطَّتْ فِيهَا خُطَطُ الْعَرَبِ أَيَّامَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ خَطَّطَهَا السَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيُّ إلَخْ .
( قَوْلُهُ : يَبِيتُ مُشَمِّرًا إلَخْ ) التَّشْمِيرُ : الْجِدُّ وَالتَّهَيُّؤُ قَامُوسٌ ، وَسَهِرَ فِعْلٌ مَاضٍ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ عَلَى إضْمَارِ قَدْ مِثْلُهَا فِي قَوْله تَعَالَى - { أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } - أَوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ، وَالْأُولَى أَنْسَبُ بِقَوْلِهِ ، وَصَامَ وَلِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِصَامَ وَخِيفَهْ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ ، وَزَادَ فِي تَنْوِيرِ الصَّحِيفَةِ بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ بَيْتَيْنِ وَهُمَا : ﴿﴾ وَصَانَ لِسَانَهُ عَنْ كُلِّ إفْكٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَا زَالَتْ جَوَارِحُهُ عَفِيفَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ يَعِفُّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالْمَلَاهِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَرْضَاةُ الْإِلَهِ لَهُ وَظِيفَهْ ﴿﴾ . وَنَنْقُلُ نُبْذَةً يَسِيرَةً شَاهِدَةً لِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ . قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ : قَدْ تَوَاتَرَ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَتَهَجُّدُهُ وَتَعَبُّدُهُ ، أَيْ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ يُسَمَّى الْوَتَدَ لِكَثْرَةِ قِيَامِهِ بِاللَّيْلِ ، بَلْ أَحْيَاهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَكَانَ يُسْمَعُ بُكَاؤُهُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يَرْحَمَهُ جِيرَانُهُ .
وَوَقَعَ رَجُلٌ فِيهِ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ : وَيْحَك ، أَتَقَعُ فِي رَجُلٍ صَلَّى خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَ يَجْمَعُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ ، وَنَظَّمْت مَا عِنْدِي مِنْ الْفِقْهِ مِنْهُ . وَلَمَّا غَسَّلَهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ : رَحِمَك اللَّهُ ، وَغَفَرَ لَك ، لَمْ تُفْطِرْ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً . وَقَدْ أَتْعَبْت مَنْ بَعْدَك ، وَفَضَحْت الْقُرَّاءَ .
وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ : كَانَ هَيُّوبًا ، لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا جَوَابًا ، وَلَا يَخُوضُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ، وَلَا يَسْتَمِعُ إلَيْهِ . وَقِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ، فَانْتَفَضَ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ : يَا أَخِي جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا ، مَا أَحْوَجَ أَهْلَ كُلِّ وَقْتٍ إلَى مَنْ يُذَكِّرُهُمْ اللَّهَ تَعَالَى .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : كَانَ شَدِيدَ الْوَرَعِ ، هَائِبًا لِلْحَرَامِ ، تَارِكًا لِكَثِيرٍ مِنْ الْحَلَالِ مَخَافَةَ الشُّبْهَةِ ، مَا رَأَيْت فَقِيهًا أَشَدَّ مِنْهُ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ .
( قَوْلُهُ : رَأَيْت ) أَيْ عَلِمْت أَوْ أَبْصَرْت ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْعَائِبِينَ مَفْعُولُهُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ 63 جَمْعُ عَائِبٍ أُعِلَّتْ عَيْنُهُ بِالْهَمْزَةِ كَقَائِلٍ وَبَائِعٍ فَافْهَمْ ، وَسَفَاهًا مَفْعُولُهُ الثَّانِي : قَالَ فِي الْقَامُوسِ : سَفِهَ كَفَرِحَ وَكَرُمَ عَلَيْنَا : جَهِلَ كَتَسَافَهَ فَهُوَ سَفِيهٌ جَمْعُهُ سُفَهَاءُ وَسِفَاهٌ وَخِلَافُ الْحَقِّ صِفَةٌ : أَيْ مُخَالِفِينَ ، أَوْ ذَوِي خِلَافٍ : وَالْحُجَجُ : جَمْعُ حُجَّةٍ بِالضَّمِّ ، وَهِيَ الْبُرْهَانُ ، سَمَّاهَا بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ الْعَائِبِينَ وَإِلَّا فَهِيَ شُبَهٌ وَأَوْهَامٌ فَاسِدَةٌ .
( قَوْلُهُ : ابْنُ إدْرِيسِ ) بِالتَّنْوِينِ لِلضَّرُورَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامُ الرَّئِيسُ ، ذُو الْعِلْمِ النَّفِيسِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ ، الشَّافِعِيُّ الْقُرَشِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، وَنَفَعَنَا بِهِ فِي الدَّارَيْنِ آمِينَ ، وَمَقَالًا مَصْدَرٌ قَالَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ ، وَصَحِيحُ النَّقْلِ نَعْتٌ لَهُ ، وَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُضَافَةٌ إلَى فَاعِلِهَا : أَيْ صَحَّ نَقْلُهُ عَنْهُ .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْفِقْهِ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، إنَّهُ مِمَّنْ لَهُ الْفِقْهُ ، هَذِهِ رِوَايَةُ حَرْمَلَةَ عَنْهُ ، وَرِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنْهُ : النَّاسُ عِيَالٌ فِي الْفِقْهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، مَا رَأَيْت أَيْ مَا عَلِمْت أَحَدًا أَفْقَهَ مِنْهُ . وَجَاءَ عَنْهُ أَيْضًا : مَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي كُتُبِهِ لَمْ يَتَبَحَّرْ فِي الْعِلْمِ وَلَا يَتَفَقَّهُ . ا هـ .
( قَوْلُهُ : فِي حِكَمٍ ) أَيْ فِي ضِمْنِ حِكَمٍ لَطِيفَةٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَا مِنْهَا تَرْغِيبُ النَّاسِ فِي مَذْهَبِهِ ، وَالرَّدُّ عَلَى الْعَائِبِينَ لَهُ ، وَبَيَانُ اعْتِقَادِهِ فِي هَذَا الْإِمَامِ ، وَالْإِقْرَارُ بِالْفَضْلِ لِلْمُتَقَدِّمِ .
( قَوْلُهُ : بِأَنَّ النَّاسَ ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ لِتَضَمُّنِ قَالَ مَعْنَى صَرَّحَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ ، وَفِي فِقْهٍ مُتَعَلِّقٌ بِعِيَالٍ ، مِنْ عَالَهُ : إذَا تَكَفَّلَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا .
( قَوْلُهُ : عَلَى مَنْ رَدَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ) أَيْ عَلَى مَنْ رَدَّ مَا قَالَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُحْتَقِرًا لَهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ ، لَا بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ فِي الِاسْتِدْلَالِ ; لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ لَمْ تَزَلْ يَرُدُّ بَعْضُهُمْ قَوْلَ بَعْضٍ ، وَلَا بِمُجَرَّدِ الطَّعْنِ فِي الْإِمَامِ نَفْسِهِ ، لِأَنَّ غَايَتَهُ الْحُرْمَةُ فَلَا يُوجِبُ اللَّعْنَ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ لَعْنُ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَهُوَ كَلَعْنِ الْكَاذِبِينَ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْعُصَاةِ فَافْهَمْ . وَفِي هَذَا الْبَيْتِ مِنْ عُيُوبِ الشِّعْرِ الْإِيطَاءُ ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَنْوِيرِ الصَّحِيفَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ .
( قَوْلُهُ : وَقَدْ ثَبَتَ إلَخْ ) فَفِي تَارِيخِ ابْنِ خِلِّكَانَ عَنْ الْخَطِيبِ أَنَّ حَفِيدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ : أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ مِنْ الْأَحْرَارِ ، وَاَللَّهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِقٌّ قَطُّ : وُلِدَ جَدِّي أَبُو حَنِيفَةَ سَنَةَ ثَمَانِينَ ، وَذَهَبَ ثَابِتٌ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِيهِ وَفِي ذُرِّيَّتِهِ ، وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ اسْتَجَابَ لِعَلِيٍّ فِينَا ؟ وَالنُّعْمَانُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ أَبُو ثَابِتٍ هُوَ الَّذِي أَهْدَى لِعَلِيٍّ الْفَالُوذَجَ فِي يَوْمِ مِهْرَجَانٍ فَقَالَ عَلِيٌّ مَهْرِجُونَا كُلَّ يَوْمٍ هَكَذَا . ا هـ . وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ مِنْ قَوْلِهِ : وَذَهَبَ ثَابِتٌ بِجَدِّي إلَى عَلِيٍّ إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّ عَلِيًّا مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ كَمَا فِي أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَةَ بِجَدِّي مِنْ زِيَادَةِ النُّسَّاخِ أَوْ الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَأَصْلُهُ جَدِّي .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith