المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
page 4913 · printed p. 223 · commentary
( الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ مَبِيتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى لَيَالِي التَّشْرِيقِ فَصَحِيحٌ مَشْهُورٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { ۝ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ } وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ } . وَأَمَّا حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . 223 وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ ) فَالسِّقَايَةُ - بِكَسْرِ السِّينِ - وَهِيَ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يُسْتَقَى فِيهِ الْمَاءُ وَيُجْعَلُ فِي حِيَاضٍ وَيُسْبَلُ لِلشَّارِبِينَ ، وَكَانَتْ السِّقَايَةُ فِي يَدِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ ثُمَّ وَرِثَهَا مِنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ مَنَافٍ ، ثُمَّ مِنْهُ ابْنُهُ هَاشِمٌ ، ثُمَّ مِنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ، ثُمَّ مِنْهُ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ثُمَّ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ ، ثُمَّ مِنْهُ ابْنُهُ عَلِيٌّ ، ثُمَّ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ ، وَقَدْ بَسَطْتُ بَيَانَهَا شَافِيًا فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ قَوْلُهُ ( رِعَاءُ الْإِبِلِ ) هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ ، جَمْعُ رَاعٍ كَصَاحِبٍ وَصِحَابٍ ، وَيَجُوزُ رُعَاةٌ - بِضَمِّ الرَّاءِ وَهَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ - بِغَيْرِ مَدٍّ ، كَقَاضٍ وَقُضَاةٍ . قَوْلُهُ " وَمَنْ أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ " يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الْبَاءِ وَكَسْرُهَا ، لُغَتَانِ كَضَرَبَ وَشَرِبَ ، وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إذْ أَبَقَ } وَيَجُوزُ لِعَبْدِ آبِق بِمَدِّ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْبَاءِ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسَائِلُ مُخْتَصَرُهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهَلْ الْمَبِيتُ بِهَا وَاجِبٌ أَمْ سُنَّةٌ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ ( أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ فِيهِ قَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) وَاجِبٌ ( وَالثَّانِي ) سُنَّةٌ ، وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ ( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) سُنَّةٌ قَوْلًا وَاحِدًا .
حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ جَبَرَهُ بِدَمٍ بِلَا خِلَافٍ .
( فَإِنْ قُلْنَا ) الْمَبِيتُ وَاجِبٌ كَانَ الدَّمُ وَاجِبًا ، وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةٌ فَسَنَةٌ . وَيُؤْمَرُ بِالْمَبِيتِ فِي اللَّيَالِي الثَّلَاثِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ سَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ . وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَبِيتَ بِهَا كُلَّ اللَّيْلِ . وَفِي قَدْرِ الْوَاجِبِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمُتَابِعُوهُ ( أَصَحُّهُمَا ) مُعْظَمُ اللَّيْلِ ( وَالثَّانِي ) الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا بِهَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي . وَأَمَّا قَدْرُ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَحُكْمُهُ فَسَبَقَ بَيَانُهُ ، فَإِنْ تَرَكَ مَبِيتَ لَيْلَةِ 224 الْمُزْدَلِفَةِ وَحْدَهَا جَبَرَهَا بِدَمٍ كَامِلٍ ، وَإِنْ تَرَكَ لَيَالِي التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَ لَزِمَهُ دَمٌ فَقَطْ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ . وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا غَرِيبًا أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ دَمٌ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ تَرَكَ إحْدَى اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ كَالْأَقْوَالِ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ ، وَفِي حَلْقِ شَعْرَةٍ ( أَصَحُّهُمَا ) فِي اللَّيْلَةِ مُدٌّ ( وَالثَّانِي ) دِرْهَمٌ ( وَالثَّالِثُ ) ثُلُثُ دَمٍ . وَإِنْ تَرَكَ لَيْلَتَيْنِ فَعَلَى الْأَصَحِّ يَجِبُ مُدَّانِ وَعَلَى الثَّانِي دِرْهَمَانِ وَعَلَى الثَّالِثِ ثُلُثَا دَمٍ . وَلَوْ تَرَكَ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَيَالِي التَّشْرِيقِ كُلِّهَا فَقَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَجِبُ دَمَانِ دَمٌ لِلَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَدَمٌ لِلَيَالِي مِنًى ( وَالثَّانِي ) يَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ لِلَّيَالِيِ الْأَرْبَعِ ، هَذَا مَنْ كَانَ بِمِنًى وَقْتَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَبِتْ وَقُلْنَا : تُفْرَدُ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ بِالدَّمِ فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا لَيْلَتَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) يَلْزَمُهُ مُدَّانِ أَوْ دِرْهَمَانِ أَوْ ثُلُثَا دَمٍ عَلَى حَسَبِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَلْزَمُهُ دَمٌ كَامِلٌ لِتَرْكِهِ جِنْسَ الْمَبِيتِ بِمِنًى ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَاتٌ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ تَرَكَ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَيْلَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith