المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
page 284 · printed p. 292 · commentary
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي شَعْرِ الْمَيْتَةِ وَعَظْمِهَا وَعَصَبِهَا ، فَمَذْهَبُنَا أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ وَالرِّيشَ وَالْعَصَبَ وَالْعَظْمَ وَالْقَرْنَ وَالسِّنَّ وَالظِّلْفَ نَجِسَةٌ ، وَفِي الشَّعْرِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ ، وَفِي الْعَظْمِ خِلَافٌ أَضْعَفُ مِنْهُ قَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا ، وَأَمَّا الْعَصَبُ فَنَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ ، هَذَا فِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالنَّجَاسَةِ عَطَاءٌ ، وَذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إلَى أَنَّ الشُّعُورَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ وَالرِّيشَ طَاهِرَةٌ ، وَالْعَظْمَ وَالْقَرْنَ وَالسِّنَّ وَالظِّلْفَ وَالظُّفُرَ نَجِسَةٌ ، كَذَا حَكَى مَذَاهِبَهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ ، عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَنْجَسُ بِالْمَوْتِ لَكِنْ تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ، وَعَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالرِّيشُ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد : وَكَذَا لَا يَنْجُسُ الْعِظَامُ وَالْقُرُونُ وَبَاقِيهَا . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا شَعْرَ الْخِنْزِيرِ وَعَظْمَهُ ، وَرَخَّصَ لِلْخَرَّازِينَ فِي اسْتِعْمَالِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ . لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ ، وَعَنْهُ فِي الْعَصَبِ رِوَايَتَانِ .
وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : " { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ } " ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَيْتَةِ : { ۝ إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا } وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ . وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ لَا بَأْسَ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ ، 292 وَلَا بِشَعْرِهَا إذَا غُسِلَ } " ، وَذَكَرُوا أَقْيِسَةً وَمُنَاسِبَاتٍ لَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : " { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } " وَهُوَ عَامٌّ لِلشَّعْرِ وَغَيْرِهِ . فَإِنْ قَالُوا : الشَّعْرُ لَيْسَ مَيْتَةً - قَالَ أَصْحَابُنَا : قُلْنَا بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ ، فَإِنَّ الْمَيْتَةَ اسْم لِمَا فَارَقَتْهُ الرُّوحُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَمَسُّ مَيْتَةً فَمَسَّ شَعْرَهَا حَنِثَ . فَإِنْ قَالُوا : هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْمَيْتَةِ ، وَالْآيَةُ الَّتِي احْتَجَجْنَا بِهَا خَاصَّةٌ فِي بَعْضهَا وَهُوَ الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ - فَالْجَوَابُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ فِيهَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ ، فَإِنَّ تِلْكَ الْآيَةَ أَيْضًا عَامَّةٌ فِي الْحَيَوَانِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ، وَهَذِهِ خَاصَّةٌ بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ ، فَكُلُّ آيَةٍ عَامَّةٌ مِنْ وَجْهٍ ، خَاصَّةٌ مِنْ وَجْهٍ ، فَتَسَاوَيَا مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ ، وَكَانَ التَّمَسُّكُ بِآيَتِنَا أَوْلَى لِأَنَّهَا وَرَدَتْ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمِ ، وَأَنَّ الْمَيْتَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنَا ، وَوَرَدَتْ الْأُخْرَى لِلِامْتِنَانِ بِمَا أُحِلَّ لَنَا .
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ : " { ۝ هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ ؟ } وَالْغَالِبُ أَنَّ الشَّاةَ لَا تَخْلُو مِنْ شَعْرٍ وَصُوفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ طَهَارَتَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ فِي الْحَالِ ، وَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَبَيَّنَهُ ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا نَظَرٌ . وَاعْتِمَادُ الْأَصْحَابِ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَذَكَرُوا أَقْيِسَةً كَثِيرَةً تَرَكْتهَا لِضَعْفِهَا . وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } " أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى شَعْرِ الْمَأْكُولِ إذَا ذُكِّيَ أَوْ أُخِذَ فِي حَيَاتِهِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ . وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ بِجَوَابٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الطَّاهِرُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا " . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَجْوَدُهُمَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ قَالُوا : لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ يُوسُفُ بْنُ السَّفْرِ ( بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ 293 الْفَاءِ ) ، قَالُوا : وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . هَذِهِ عِبَارَةُ جَمِيعِ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ فِيهِ ، وَهِيَ أَبْلُغُ الْعِبَارَاتِ عِنْدَهُمْ فِي الْجَرْحِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هُوَ مَتْرُوكٌ يَكْذِبُ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هُوَ يَضَعُ الْحَدِيثَ . الْجَوَابُ الثَّانِي : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ بِلَا غَسْلٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : يَطْهُرُ الشَّعْرُ بِالْغَسْلِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا اتِّفَاقَ الْحُفَّاظِ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَبَيَانُهُمْ سَبَبُ الضَّعْفِ وَالْجَرْحِ ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا عَيْنٌ نَجِسَةٌ فَلَمْ تَطْهُرْ بِالْغَسْلِ كَالْعَذِرَةِ وَاللَّحْمِ .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ عِظَامِ الْمَيْتَةِ بِحَدِيثٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : امْتَشَطَ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ } ، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حُمَيْدٍ الشَّامِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ الْمُنَبِّهِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا ثَوْبَانُ اشْتَرِ لَفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ } ، قَالَ صَاحِبُ هَذَا الْمَذْهَبِ : وَالْعَاجُ عَظْمُ الْفِيلِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ : مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } ) فَأَثْبَتَ لَهَا إحْيَاءً فَدَلَّ عَلَى مَوْتِهَا وَالْمَيْتَةُ نَجِسَةٌ ، فَإِنْ قَالُوا : الْمُرَادُ أَصْحَابُ الْعِظَامِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ اخْتِصَارًا - قُلْنَا : هَذَا خِلَافُ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَدَّهِنَ فِي عَظْمِ فِيلٍ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ ، وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا التَّحْرِيمَ ، وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَأَشْبَهَ الْأَعْضَاءَ . وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ .
( وَالثَّانِي ) : أَنَّ الْعَاجَ هُوَ الذَّبْلُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَهُوَ عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ ، وَكَذَا قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ : الْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ عَظْمٍ عَاجًا . وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ بِالْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ ، فَإِنَّ حُمَيْدًا الشَّامِيَّ 294 وَسُلَيْمَانَ الْمُنَبِّهِيَّ مَجْهُولَانِ ( وَالْمُنَبِّهِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا نُونٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ ) . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith