المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
( فَرْعٌ ) قَدَّمْنَا فِي شَعْرِ مَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ خِلَافًا ، الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُتَوَلَّدِ مِنْ أَحَدِهِمَا ، أَمَّا شُعُورُ هَذِهِ فَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ بِنَجَاسَتِهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا الْخِلَافَ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ : إذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ غَيْرِهَا فَفِيهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : الطَّهَارَةُ . وَأَصَحُّهُمَا النَّجَاسَةُ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ بِنَجَاسَتِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ : هِيَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ طَاهِرَةٌ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَاخْتَارَهُ شَيْخِي يَعْنِي وَالِدَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي حَالَتَيْ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ .
( فَرْعٌ ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : " لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَنَجِسَ بِالْمَوْتِ كَالْأَعْضَاءِ " احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ : " مُتَّصِلٌ " عَنْ الْحَمْلِ وَالْبَيْضِ الْمُتَصَلِّبِ فِي جَوْفِ مَيْتَتِهِ ، وَبِقَوْلِهِ : " بِالْحَيَوَانِ " عَنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ ، وَبِقَوْلِهِ : " اتِّصَالَ خِلْقَةٍ " عَنْ الْأُذُنِ الْمُلْصَقَةِ . وَقَوْلُهُ : " فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ : يَنْجُسُ الشَّعْرُ بِالْمَوْتِ قَوْلًا وَاحِدًا " لَيْسَ مَعْنَاهُ الْقَدْحَ فِي النَّاقِلِ بِتَكْذِيبٍ وَنَحْوِهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ تَأْوِيلُ الرِّوَايَةِ عَلَى حِكَايَةِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ نَقْلِ صَاحِبِ الْحَاوِي . وَقَوْلُهُ : يَنْجُسُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا ، وَقَوْلُهُ : " لَا يُحِسُّ وَلَا يَأْلَمُ " يُحِسُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ ، هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : " { هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ } " ، وَفِيهِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ يَحُسُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ . وَقَوْلُهُ : يَأْلَمُ بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ تَرْكُهُ .
( فَرْعٌ ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : " لِأَنَّ مَا كَانَ نَجِسًا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ نَجِسًا مِنْهُ كَالدَّمِ " قَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ صَاحِبُ الشَّامِلِ ، وَهَذَا الْقِيَاسُ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ وَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ ، بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : إنَّ أَبَا جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيَّ الْقَائِلَ بِطَهَارَةِ شَعْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 290 قِيلَ لَهُ : قَدْ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ وَشَرِبَ دَمَهُ ، أَفَتَقُولُ بِطَهَارَةِ دَمِهِ ؟ فَرَكِبَ الْبَابَ وَقَالَ : أَقُولُ بِهِ ، قِيلَ لَهُ : قَدْ شَرِبَتْ امْرَأَةٌ بَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَتَقُولُ بِطَهَارَتِهِ ؟ فَقَالَ : لَا ; لِأَنَّ الْبَوْلَ اسْتَحَالَ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّمُ وَالشَّعْرُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ وَالدَّمِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ عَلَى الدَّمِ ; لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ ، وَحِينَئِذٍ يُنْكِرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ هَذَا الْقِيَاسَ ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ جَائِزٌ ، فَإِنْ مَنَعَ الْخَصْمُ الْأَصْلَ أَثْبَتَهُ الْقَايِسُ بِدَلِيلِهِ الْخَاصِّ ، ثُمَّ أَلْحَق بِهِ الْفَرْعَ ، وَقَدْ أَكْثَر الْمُصَنِّفُ فِي الْمُهَذَّبِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَكُلُّهُ خَارِجٌ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَبَا طَلْحَةَ الصَّحَابِيَّ وَأَبَا جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيَّ ، أَمَّا أَبُو طَلْحَةَ فَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ بْنُ الْأَسْوَدِ الْأَنْصَارِيُّ ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمُشَاهَدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَرَدُوا الصَّوْمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَنَذْكُرُهُمْ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصِّيَامِ ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ الْحَافِظُ : عَاشَ أَبُو طَلْحَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَسْرُدُ الصَّوْمَ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ ، فَقَالَ : تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ فَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ نَصْرٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تَنْشَرِحُ بِذِكْرِهِمْ الصُّدُورُ ، وَتَرْتَاحُ لِذِكْرِ مَآثِرِهِمْ الْقُلُوبُ ، كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَنَفِيًّا ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا لِرُؤْيَا رَآهَا مَشْهُورَةٍ ، قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ آخُذُ بِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ ؟ فَأَعْرَضَ عَنِّي ، فَقُلْت : بِرَأْيِ مَالِكٍ ؟ فَقَالَ : خُذْ مَا وَافَقَ سُنَّتِي ، فَقُلْت : بِرَأْيِ الشَّافِعِيِّ ؟ فَقَالَ أَوَ ذَاكَ رَأْيُ الشَّافِعِيِّ ، ذَلِكَ رَدَّ مَنْ خَالَفَ سُنَّتِي . حَكَى هَذِهِ الرُّؤْيَا الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى تِرْمِذَ الْبَلْدَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي نُسِبَ إلَيْهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ، وَفِي ضَبْطِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا 291 الْحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَنْسَابُ ، أَحَدُهَا تِرْمِذُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَالْمِيمِ . وَالثَّانِي : بِضَمِّهِمَا ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ . وَالثَّالِثُ : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ الْمُتَدَاوَلُ بَيْنَ أَهْلِ تِرْمِذَ ، وَهِيَ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ عَلَى طَرَفِ نَهْرِ بَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ : ( جَيْحُونَ ) ، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ تُقَالُ فِي كُلِّ مَنْ يُقَالُ لَهُ التِّرْمِذِيُّ . قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ : سَكَنَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ بَغْدَادَ وَلَمْ يَكُنْ لِلشَّافِعِيِّينَ فِي وَقْتِهِ بِالْعِرَاقِ أَرْأَسُ وَلَا أَوْرَعُ وَلَا أَكْثَرُ نَقْلًا مِنْهُ . وَكَانَ قُوتُهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ . وُلِدَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ مِائَتَيْنِ ، وَتُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
- رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وَمَوْضِعُ بَسْطِ أَحْوَالِهِ الطَّبَقَاتُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
( فَرْعٌ ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : " لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَنَجِسَ بِالْمَوْتِ كَالْأَعْضَاءِ " احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ : " مُتَّصِلٌ " عَنْ الْحَمْلِ وَالْبَيْضِ الْمُتَصَلِّبِ فِي جَوْفِ مَيْتَتِهِ ، وَبِقَوْلِهِ : " بِالْحَيَوَانِ " عَنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ ، وَبِقَوْلِهِ : " اتِّصَالَ خِلْقَةٍ " عَنْ الْأُذُنِ الْمُلْصَقَةِ . وَقَوْلُهُ : " فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ : يَنْجُسُ الشَّعْرُ بِالْمَوْتِ قَوْلًا وَاحِدًا " لَيْسَ مَعْنَاهُ الْقَدْحَ فِي النَّاقِلِ بِتَكْذِيبٍ وَنَحْوِهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ تَأْوِيلُ الرِّوَايَةِ عَلَى حِكَايَةِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ نَقْلِ صَاحِبِ الْحَاوِي . وَقَوْلُهُ : يَنْجُسُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا ، وَقَوْلُهُ : " لَا يُحِسُّ وَلَا يَأْلَمُ " يُحِسُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ ، هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : " { هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ } " ، وَفِيهِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ يَحُسُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ . وَقَوْلُهُ : يَأْلَمُ بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ تَرْكُهُ .
( فَرْعٌ ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : " لِأَنَّ مَا كَانَ نَجِسًا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ نَجِسًا مِنْهُ كَالدَّمِ " قَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ صَاحِبُ الشَّامِلِ ، وَهَذَا الْقِيَاسُ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ وَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ ، بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : إنَّ أَبَا جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيَّ الْقَائِلَ بِطَهَارَةِ شَعْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 290 قِيلَ لَهُ : قَدْ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ وَشَرِبَ دَمَهُ ، أَفَتَقُولُ بِطَهَارَةِ دَمِهِ ؟ فَرَكِبَ الْبَابَ وَقَالَ : أَقُولُ بِهِ ، قِيلَ لَهُ : قَدْ شَرِبَتْ امْرَأَةٌ بَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَتَقُولُ بِطَهَارَتِهِ ؟ فَقَالَ : لَا ; لِأَنَّ الْبَوْلَ اسْتَحَالَ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّمُ وَالشَّعْرُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ وَالدَّمِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ عَلَى الدَّمِ ; لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ ، وَحِينَئِذٍ يُنْكِرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ هَذَا الْقِيَاسَ ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ جَائِزٌ ، فَإِنْ مَنَعَ الْخَصْمُ الْأَصْلَ أَثْبَتَهُ الْقَايِسُ بِدَلِيلِهِ الْخَاصِّ ، ثُمَّ أَلْحَق بِهِ الْفَرْعَ ، وَقَدْ أَكْثَر الْمُصَنِّفُ فِي الْمُهَذَّبِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَكُلُّهُ خَارِجٌ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَبَا طَلْحَةَ الصَّحَابِيَّ وَأَبَا جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيَّ ، أَمَّا أَبُو طَلْحَةَ فَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ بْنُ الْأَسْوَدِ الْأَنْصَارِيُّ ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمُشَاهَدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَرَدُوا الصَّوْمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَنَذْكُرُهُمْ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصِّيَامِ ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ الْحَافِظُ : عَاشَ أَبُو طَلْحَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَسْرُدُ الصَّوْمَ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ ، فَقَالَ : تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ فَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ نَصْرٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تَنْشَرِحُ بِذِكْرِهِمْ الصُّدُورُ ، وَتَرْتَاحُ لِذِكْرِ مَآثِرِهِمْ الْقُلُوبُ ، كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَنَفِيًّا ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا لِرُؤْيَا رَآهَا مَشْهُورَةٍ ، قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ آخُذُ بِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ ؟ فَأَعْرَضَ عَنِّي ، فَقُلْت : بِرَأْيِ مَالِكٍ ؟ فَقَالَ : خُذْ مَا وَافَقَ سُنَّتِي ، فَقُلْت : بِرَأْيِ الشَّافِعِيِّ ؟ فَقَالَ أَوَ ذَاكَ رَأْيُ الشَّافِعِيِّ ، ذَلِكَ رَدَّ مَنْ خَالَفَ سُنَّتِي . حَكَى هَذِهِ الرُّؤْيَا الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى تِرْمِذَ الْبَلْدَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي نُسِبَ إلَيْهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ، وَفِي ضَبْطِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا 291 الْحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَنْسَابُ ، أَحَدُهَا تِرْمِذُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَالْمِيمِ . وَالثَّانِي : بِضَمِّهِمَا ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ . وَالثَّالِثُ : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ الْمُتَدَاوَلُ بَيْنَ أَهْلِ تِرْمِذَ ، وَهِيَ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ عَلَى طَرَفِ نَهْرِ بَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ : ( جَيْحُونَ ) ، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ تُقَالُ فِي كُلِّ مَنْ يُقَالُ لَهُ التِّرْمِذِيُّ . قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ : سَكَنَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ بَغْدَادَ وَلَمْ يَكُنْ لِلشَّافِعِيِّينَ فِي وَقْتِهِ بِالْعِرَاقِ أَرْأَسُ وَلَا أَوْرَعُ وَلَا أَكْثَرُ نَقْلًا مِنْهُ . وَكَانَ قُوتُهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ . وُلِدَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ مِائَتَيْنِ ، وَتُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
- رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وَمَوْضِعُ بَسْطِ أَحْوَالِهِ الطَّبَقَاتُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith