← المكتبة ▭ صفحة واحدة
روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
443 · ص416 · جالكتاب
يومًا عليها، فوجد عندها قريبها، فوجد في نفسه من ذلك شيئًا، كما يقع في أنفس الناس، فخرج متغير اللون، فلقيه عمر بن الخطاب فعرف ذلك في وجهه، فقال: يا رسول الله! أراك متغيِّر اللون، فأخبره ما وقع في نفسه من قريب مارية، فمضى بسيفه، فأقبل يسعى حتى دخل على مارية، فوجد عندها قريبها ذلك، فأهوى بالسيف ليقتله، فلما رأى ذلك منه كشف عن نفسه، فلمَّا رآه عمر رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني: أن الله عز وجل قد برأها، وقريبها مما وقع في نفسي، وبشرني أن في بطنها غلامًا، وأنه أشبه الخلق بي، وأمرني أن أُسمِّيه إبراهيم» [١١٢ ب]. وقال الواقدي ١: عن محمد بن صالح، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: كانت سارةُ عند إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمكثت معه دهرًا لا تُرْزق منه ولدًا، فلمَّا رأت ذلك؛ وهبت له هاجر أمتها، فولدت لإبراهيم، فغارت من ذلك سارة، ووجدتْ في نفسها، وعتبت على هاجر، فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أعضاء، فقال لها إبراهيم: هل لك أن تبرَّ يمينك؟ قالت: كيف أصنع؟ قال: اثقبي أُذنيها، واخفضيها، والخفضُ هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجرُ في أُذنيها قُرطين، فازدادت بهما حسنًا، فقالت سارة: إنما زدتها جمالًا، فلم
١ أخرجه الخرائطي (ص ٣١١) عنه. ونقل عنه ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٤٢).
444 · ص417 · جالكتاب
تُقارَّه على كونها معه، ووجد بها إبراهيم وجدًا شديدًا، فنقلها إلى مكة، فكان يزورها كلَّ يومٍ من الشام على البُراق من شغفه بها، وقلَّة صبره عنها. وفي الصحيح ١ من حديث حميد، عن أنس قال: أهدى بعضُ نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - له قصعة فيها ثَرِيدٌ، وهو في بيت بعض نسائه، فضربت يد الخادم، فانكسرت القصعة، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ الثَّريد ويردُّه في القصعة، ويقول: «كلوا، غارت أُمُّكم»، ثم انتظر حتى جاءت قصعةٌ صحيحة، فأعطاها التي كُسرتْ قصعتُها. وقالت عائشة: ما غِرتُ على امرأةٍ قطُّ ما غرتُ على خديجة من كثرة ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - إيَّاها، ولقد ذكرها يومًا، فقلت: ما تصنع بعجوز حمراء الشِّدْقَيْن، وقد أبدلك الله خيرًا منها؟ فقال: «والله ما أبدَلني الله خيرًا منها!» ٢. فانظر هذه الغيرة الشَّديدة على امرأةٍ بعدما ماتت، وذلك لفرط محبَّتها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت تغار عليه أن يذكر غيرها، وكذلك غيرتُها من صفيَّة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قدم بها المدينة، وقد اتَّخذها لنفسه زوجةً، وعرَّس بها في الطريق، قالت عائشة: تنكرتُ، وخرجتُ أنظرُ،
١ أخرجه البخاري (٢٤٨١، ٥٢٢٥). ٢ أخرجه البخاري (٣٨٢١، ٣٨٢٤)، ومسلم (٢٤٣٧).