← المكتبة ▭▭ صفحتان
روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
359 · ص332 · جالكتاب
قال: حججْتُ سنةً من السنين، فإني لبالرَّبَذة؛ إذ وقفت علينا جاريةٌ على وجهها بُرْقُعٌ، فقالت: يا معشر الحجيج! نفَرٌ من هُذيل، ذهب بنعمهم السَّيلُ، وقعدت بهم الأيام، ما لهم نُجعَة، فمن يراقبُ فيهم الدَّار الآخرة ويعرفُ لهم حقَّ الأخوة؟ جزاه الله خيرًا! قال: فرضخنا لها، فقلت لها: هل قلتِ في ذلك شيئًا؟ فأنشأت تقول: كفُّ الزمان توَسَّدَتنا عنوةً ... شَلَّت أناملُها عن الأعراب قوم إذا حلَّ العُفاة ببابهم ... ألْفَوْا نوافلهم بغيرِ حساب فقلتُ لها: لو أمتعتينا بالنظر إلى وجهك، فكشفت البُرْقُع عن وجهٍ لا تهتدي العقولُ لوصفه، فلما رأتنا قد بُهِتْنا لحسنها؛ أنشأت تقول: الدَّهرُ أبدى صفحةً قد صانها ... أبوايَ قبلَ تمرُّس الأيَّامِ فتمتَّعوا بعيونِكم في حُسْنِها ... وانْهَوْا جوارِحَكُمْ عن الآثام ثم انصرفت. وكان محمدُ بن حميد الطوسي ١ يهوى جاريةً، فأرسل إليها مرَّةً أُتْرُجَّةً، فبكتْ بكاءً شديدًا، فقيل لها: يُوجِّه إليك من تُحبِّينه بهدية، فتبكين هذا البكاء؟ فغنَّت ٢: أهدى له أحبابُه أُتْرُجَّةً ... فبكى وأشفق من عِيَافَةِ زاجرِ
١ أخرجه الخرائطي (ص ١٩٥ - ١٩٧). ٢ البيتان للعباس بن الأحنف في ديوانه (ص ١٥٠)، وزهر الآداب (٢/ ٩٤٧).