243 · ص216 · جالكتاب
حركته، وعظم سلطانه من القلب، ثم يتغشَّى على سائر الأعضاء، فيُبْدي الرِّعدةَ في الأطراف، والصُّفْرةَ في الوجه ١، والضَّعفَ في الرأْي، واللَّجْلَجَةَ في الكلام، والزَّللَ والعِثار، حتى يُنْسَب صاحبُه إلى الجنون.
وقيل لأبي زهير المديني ٢: ما العشق؟ قال: الجنون والذلُّ، وهو داء أهل الظَّرْف.
ونظر عاشقٌ إلى معشوقه ٣، فارتعدتْ فرائصُهُ، وغُشيَ عليه، فقيل لحكيم: ما الَّذي أصابَه؟ فقال: نظرَ إلى من يُحِبُّه، فانفرج له قلبُه، فتحرَّكَ الجسم بانفراج القلب.
فقيل له: نحن نحبُّ أولادنا، وأهلَنا، ولا يُصيبُنا ذلك، فقال: تلك محبَّةُ العقل، وهذه محبَّةُ الرُّوح، قال ٤:
وما هو إلا أن يَراها فُجَاءَةً ... فتَصْطَكَّ رِجْلاهُ وَيسْقُطَ للجَنْب
وقال: العشقُ ملكٌ مُسلَّطٌ على قهر النفوس، وأسْرِ القُلوب، قال الشاعر:
ملك القلوبَ فأصبحتْ في أسرِه ... وبِودِّها ألَّا يُفَكَّ إِسارُها
١ ش: «الألوان».
٢ انظر: «مصارع العشاق» (١/ ١٢) و «ذم الهوى» (ص ٢٩٢).
٣ الخبر في «ذم الهوى»، (ص ٢٩٥).
٤ البيت بلا نسبة في «ديوان الصبابة» (ص ٥٣).
244 · ص217 · جالكتاب
وقال أعرابي في وصفه: بالقلب وَثْبَتُه، وبالفؤاد وَجْبَتُه، وبالأحشاء نارُه، وسائرُ الأعضاء خُدَّامُه، فالقلبُ من العاشق ذاهلٌ، والدمعُ منه هاملٌ، والجسمُ منه ناحلٌ. مرورُ الليالي تُجدِّده، وإساءة المحبوب لا تُفسده.
وقيل: ليس هو موقوفًا على الحُسْن والجمال، وإنما هو تشاكُلُ النُّفوس، وتمازُجها في الطِّباع المخلوقة فيها، كما قيل ١:
وما الحبُّ مِنْ حُسْنٍ ولا من مَلاحةٍ ... ولكنَّه شيءٌ به الرُّوحُ تَكْلَفُ
وقيل: أوَّلُ العشق عَناء، وأوسطُه سُقْم، وآخرُه قتل. كما قال القائل ٢:
هو الحبُّ فاسْلَمْ بالحشا ما الهوى سَهْلُ ... فما اختارَه مُضْنًى به وله عَقْلُ
وعِشْ خاليًا فالحُبُّ أوَّلُه عَنَا ... وأوْسَطُه سُقْمٌ وآخرُه قتْلُ
١ البيت لمحمد بن داود الأصفهاني في «مصارع العشاق» (٢/ ٥٨)، و «ديوان الصبابة» (ص ٥٣). وبلا نسبة في «تزيين الأسواق» (١/ ٥٥). وسبق ذكره فيما مضى.
٢ في هامش ت: ابن الفارض. والبيتان في «ديوانه» (ص ١٣٤).