← المكتبة ▭ صفحة واحدة
النوازل في الرضاع
عبد الله بن يوسف بن عبد الله الأحمد مسائل فقهية
A− A+
263 · ص263
٣ - إنه لا يسمى إرضاعًا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع؛ يقال: أرضعته ترضعه إرضاعًا، ولا يسمى رضاعة، ولا إرضاعًا إلا أخذُ المرضع أو الرضيع بفيه الثديَ وامتصاصُه إياه؛ تقول: رضع يرضع رضاعًا ورضاعة، وأما كل ما عدا ذلك؛ فلا يسمى شيء منه إرضاعًا، ولا رضاعة ولا رضاعًا؛ إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم يحرم الله عز وجل بهذا شيئًا. ١ ونوقش بما يأتي: أ- إنكم قستم ذلك على الرضاع والإرضاع. ٢ وأجيب عنه: بأن القياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان هذا منه عين الباطل، وبالضرورة يدري كل ذي فهم أن الرضاع من شاة يشبه الرضاع من امرأة؛ لأنهما جميعًا رضاع، والرضاع من الشاة يشبه الرضاع من المرأة أكثر من الرضاع بالحقنة، ومن الرضاع بالسعوط، وأنتم لا تحرمون بغير النساء؛ فلاح تناقضهم في قياسهم الفاسد، وشرعهم بذلك ما لم يأذن به الله عز وجل. ٣ ويمكن أن يناقش الجواب: بقول الله تعالى {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخْوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [سورة النساء: ٢٣]، وغير بني آدم لا يصير لبني آدم أمًّا، ولا أخًا في الجنس، فضلًا عن الرضاعة. ب - إن قولكم هذا مخالف لما دلت عليه نصوص الشريعة التي تعتبر ما فتق الأمعاء من الألبان محرِّمًا؛ في مثل المرويات الآتية: "إنما الرضاع ما فتق الأمعاء" رواه أصحاب السنن ٤، "إنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه ٥، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف؛ صبًّا في الحلق أو الأنف، أو التقامًا للثدي، أو غير ذلك، ولعل رضاع سالم - كما في صحيح مسلم ٦ - كان هكذا. ٧
١ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩). ٢ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩). ٣ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩). ٤ تقدم تخريجه عند الضابط السابع من المبحث الثالث في التمهيد. ٥ تقدم تخريجه عند الضابط الثامن من المبحث الثالث في التمهيد. ٦ سيأتي تخريجه في المسألة السادسة من هذا المطلب. ٧ ينظر: المازري: الصدر السابق، (٢/ ١١٠). القاضي عياض: المصدر السابق، (٤/ ٦٤٠).
264 · ص264
كما يمكن أن يناقش دليلهم بما يأتي: ج- إن هذا تخصيص للحكم الشرعي بالعرف اللغوي، والعرف الشرعي يقدم عليه إذا تعارض معه. - الترجيح: الراجح ثبوت التحريم من الحليب الذي يوجر به الرضيع أو يسعط، وذلك؛ لعموم النصوص المثبتة للتحريم من لبن الآدمية، ولأن حليب الآدمية إذا وصل إلى الجوف بأي طريق فقد تحقق معنى الغذاء الذي يقع به نشوز العظم ونبات اللحم، وهذا المعنى هو الذي نصبه الشارع سببًا للتحريم، وكما يصل الحليب بطريق الفم فهو يصل بطريق الأنف؛ لأن الأنف منفذ من منافذ الجهاز الهضمي، وأما الاعتقاد باتصال الأنف بالدماغ؛ فقد ثبت في الطب الحديث أنه لا علاقة بين الأنف والدماغ، وأن جدارًا يحول دون ذلك ١. - ثمرة الخلاف: ترتب على الخلاف في هذه المسألة أثر في الفروع الآتية: ١ - لو أرضعت امرأة صبيًّا أربع رضعات، ثم حلب منها لبن، ثم ماتت، فأوجره الصبي بعد موتها؛ كان ابنها، وهو ماصرح به الشافعي ٢، ومقتضى قول الجمهور، خلافًا لابن حزم. ٢ - إذا تغذى الرضيع من حليب الآدمية بطريق الأنابيب التي تدخل من طريق الأنف أو الفم؛ ثبت بها التحريم في قول الجمهور، ولم يثبت بها التحريم مطلقًا؛ في قول ابن حزم، ولم يثبت التحريم بما كان من طريق الأنف فيما نسب إلى عطاء ومالك، وبعض المالكية والشافعية. - سبب الخلاف: يعود سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يأتي: ١ - الاحتجاج بالقياس الخفي. فمن احتج به - وهم الجمهور -؛ عدَّى الحرمة إلى كل لبن آدمية يتوافق مع التقام الثدي في تقوية العظم وإنبات اللحم، ومنه التوجير والتسعيط. ومن خالف في هذا من الظاهرية؛ لم يعتبر في الحرمة بغير التقام الثدي والمص المباشر. ٣
١ د. عبد المجيد الشاعر: المصدر السابق، (ص ١٠٧). ٢ ينظر: الشافعي: المصدر السابق، (٦/ ٨٩). ٣ ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (١٠/ ٩).