تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 856 · printed p. 423
( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( 109 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرْسَلَ رُسُلَهُ مِنَ الرِّجَالِ لَا مِنَ النِّسَاءِ . وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوحِ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنَاتِ بَنِي آدَمَ وَحْيَ تَشْرِيعٍ .
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ : أَنَّ سَارَّةَ امْرَأَةَ الْخَلِيلِ ، وَأُمَّ مُوسَى ، وَمَرْيَمَ أَمَّ عِيسَى نَبِيَّاتٌ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ 423 بَشَّرَتْ سَارَّةَ بِإِسْحَاقَ ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ، وَبِقَوْلِهِ : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ) الْآيَةَ . [ الْقَصَصِ : 7 ] وَبِأَنَّ الْمَلَكَ جَاءَ إِلَى مَرْيَمَ فَبَشَّرَهَا بِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبُقُولِهِ تَعَالَى : ( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 42 ، 43 ] .
وَهَذَا الْقَدْرُ حَاصِلٌ لَهُنَّ ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُنَّ نَبِيَّاتٍ بِذَلِكَ ، فَإِنْ أَرَادَ الْقَائِلُ بِنُبُوَّتِهِنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ التَّشْرِيفِ ، فَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي أَنَّ هَذَا : هَلْ يَكْفِي فِي الِانْتِظَامِ فِي سَلْكِ النُّبُوَّةِ بِمُجَرَّدِهِ أَمْ لَا ؟ الَّذِي عَلَيْهِ [ أَئِمَّةُ ] أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ عَنْهُمْ : أَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ ، وَإِنَّمَا فِيهِنَّ صِدِّيقَاتٌ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَشْرَفِهِنَّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ حَيْثُ قَالَ : ( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) [ الْمَائِدَةِ : 75 ] فَوَصَفَهَا فِي أَشْرَفِ مَقَامَاتِهَا بِالصِّدِّيقَيةِ ، فَلَوْ كَانَتْ نَبِيَّةً لَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَقَامِ التَّشْرِيفِ وَالْإِعْظَامِ ، فَهِيَ صِدِّيقَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ) أَيْ : لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا قُلْتُمْ . وَهَذَا الْقَوْلُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْتَضِدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ) الْآيَةَ [ الْفُرْقَانِ : 20 ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 8 ، 9 ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ) الْآيَةَ [ الْأَحْقَافِ : 9 ] .
وَقَوْلُهُ : ( مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ) الْمُرَادُ بِالْقُرَى : الْمُدُنُ ، لَا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي ، الَّذِينَ هُمْ أَجْفَى النَّاسِ طِبَاعًا وَأَخْلَاقًا . وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ الْمَعْرُوفُ أَنَّ أَهْلَ الْمُدُنِ أَرَقُّ طِبَاعًا ، وَأَلْطَفُ مِنْ أَهْلِ سَوَادِهِمْ ، وَأَهْلُ الرِّيفِ وَالسَّوَادِ أَقْرَبُ حَالًا مِنَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ فِي الْبَوَادِي; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ) [ التَّوْبَةِ : 97 ] .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ) لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ وَأَحْلَمُ مَنْ أَهْلَ الْعَمُودِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ۝ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَةً ، فَلَمْ يَزَلْ يُعْطِيهِ وَيَزِيدُهُ حَتَّى رَضِيَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ هَمَمْتُ أَلَّا أَتَّهِبَ هِبَةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ ، أَوْ أَنْصَارِيٍّ ، أَوْ ثَقَفِيٍّ ، أَوْ دَوْسِيٍّ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، عَنْ شَيْخٍ 424 مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْأَعْمَشُ : هُوَ [ اِبْنُ ] عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ۝ " الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ، خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ " .
وَقَوْلُهُ : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) [ يَعْنِي : هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ فِي الْأَرْضِ ] ( فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أَيْ : مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ ، كَيْفَ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ، كَقَوْلِهِ : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) [ الْحَجِّ : 46 ] ، فَإِذَا اسْتَمَعُوا خَبَرَ ذَلِكَ ، رَأَوْا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ الْكَافِرِينَ وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ ، وَهَذِهِ كَانَتْ سُنَّتَهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) أَيْ : وَكَمَا أَنْجَيْنَا الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا ، كَذَلِكَ كَتَبْنَا لَهُمُ النَّجَاةَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَيْضًا ، وَهِيَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بِكَثِيرٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) [ غَافِرٍ : 50 ، 51 ] .
وَأَضَافَ الدَّارَ إِلَى الْآخِرَةِ فَقَالَ : ( وَلَدَارُ الْآخِرَةِ ) كَمَا يُقَالُ : " صَلَاةُ الْأُولَى " وَ " مَسْجِدُ الْجَامِعِ " وَ " عَامُ الْأَوَّلِ " وَ " بَارِحَةُ الْأُولَى " وَ " يَوْمُ الْخَمِيسِ " . قَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ أَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وَتَذُمُّ عَبْسًا ﴿﴾ ﴿﴾ أَلَا لِلَّهِ أَمَّكَ مِنْ هَجِينٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلُوْ أَقْوَتْ عَلَيْكَ دِيَارُ عَبْسٍ ﴿﴾ ﴿﴾ عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرْفَانَ اليَقِينِ ﴿﴾
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith