تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 434 · printed p. 264
( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ( 55 ) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 56 ) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ( 57 ) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ( 58 ) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَا بِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ( 59 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : وَكَمَا بَيَّنَا مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنَ الْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى طَرِيقِ الْهِدَايَةِ وَالرَّشَادِ ، وَذَمِّ الْمُجَادَلَةِ وَالْعِنَادِ ( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ) أَيِ : الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُخَاطَبُونَ إِلَى بَيَانِهَا ( وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) أَيْ : وَلِتَظْهَرَ طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلرُّسُلِ ، وَقُرِئَ : " وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ " 264 أَيْ : وَلِيَسْتَبِينَ يَا مُحَمَّدُ - أَوْ يَا مُخَاطَبُ - سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) أَيْ : عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ الَّتِي أَوْحَاهَا إِلَيَّ ) وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ) أَيْ : بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَنِي مِنْ [ عِنْدِ ] اللَّهِ ( مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ) أَيْ : مِنَ الْعَذَابِ ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) أَيْ : إِنَّمَا يَرْجِعُ أَمْرُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَجَّلَ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمُوهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْظَرَكُمْ وَأَجَّلَكُمْ ; لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَظِيمَةِ . وَلِهَذَا قَالَ ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) أَيْ : وَهُوَ خَيْرُ مَنْ فَصَلَ الْقَضَايَا ، وَخَيْرُ الْفَاتِحِينَ الْحَاكِمِينَ بَيْنَ عِبَادِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) أَيْ : لَوْ كَانَ مَرْجِعُ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِلَيَّ ، لَأَوْقَعْتُ بِكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ ذَلِكَ ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ )
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ۝ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ : " لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ; إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ ابْنِ عَبْدِ كِلَالٍ ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَنَادَانِي ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ " . قَالَ : " فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ ، لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ " ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا " ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ
فَقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ عَذَابَهُمْ وَاسْتِئْصَالَهُمْ ، فَاسْتَأْنَى بِهِمْ ، وَسَأَلَ لَهُمُ التَّأْخِيرَ ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا . فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ) ؟
فَالْجَوَابُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَيْهِ وُقُوعُ الْعَذَابِ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ حَالَ طَلَبِهِمْ لَهُ ، لَأَوْقَعَهُ بِهِمْ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ ، بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْجِبَالِ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَطْبَقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ - وَهُمَا جَبَلَا مَكَّةَ اللَّذَانِ يَكْتَنِفَانِهَا جَنُوبًا وَشَمَالًا - فَلِهَذَا اسْتَأْنَى بِهِمْ وَسَأَلَ الرِّفْقَ لَهُمْ
وَقَوْلُهُ : ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [ لُقْمَانَ : 34 ] .
265
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] أَنَّ جِبْرِيلَ حِينَ تَبَدَّى لَهُ فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ فَسَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا قَالَ لَهُ : " ۝ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ " ، ثُمَّ قَرَأَ : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) الْآيَةَ [ لُقْمَانَ : 34 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) أَيْ : يُحِيطُ عِلْمُهُ الْكَرِيمُ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ ، بَرِّيِّهَا وَبَحْرِيِّهَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَلَا مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ . وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ الصَّرْصَرِيُّ :
﴿﴾ فَلا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّرُّ إمَّا ﴿﴾ ﴿﴾ تَرَاءَى لِلنَّوَاظِرِ أَوْ تَوَارَى ﴿﴾
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ) أَيْ : وَيَعْلَمُ الْحَرَكَاتِ حَتَّى مِنَ الْجَمَادَاتِ ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْحَيَوَانَاتِ ، وَلَا سِيَّمَا الْمُكَلَّفُونَ مِنْهُمْ مِنْ جِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) [ غَافِرٍ : 19 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ حَسَّانَ النَّمَرِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ) قَالَ : مَا مِنْ شَجَرَةٍ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهَا ، يَكْتُبُ مَا يُسْقُطُ مِنْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَا بِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ النَّضْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ۝ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : إِنَّ تَحْتَ الْأَرْضِ الثَّالِثَةِ وَفَوْقَ الرَّابِعَةِ مِنَ الْجِنِّ مَا لَوْ أَنَّهُمْ ظَهَرُوا - يَعْنِي لَكُمْ - لَمْ تَرَوْا مَعَهُمْ نُورًا ، عَلَى كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْأَرْضِ خَاتَمٌ مِنْ خَوَاتِيمِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَى كُلِّ خَاتَمِ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَبْعَثُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَلَكًا مِنْ عِنْدِهِ : أَنِ احْتَفِظْ بِمَا عِنْدَكَ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ وَلَا مَغْرَزِ إِبْرَةٍ إِلَّا عَلَيْهَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ يَأْتِي اللَّهَ بِعِلْمِهَا : رُطُوبَتِهَا إِذَا رَطِبَتْ ، وَيَبَسِهَا إِذَا يَبِسَتْ .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَّانِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ سُعَيْرٍ ، بِهِ
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ رَجُلٍ عَنْ 266 سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ النُّونَ - وَهِيَ الدَّوَاةُ - وَخَلَقَ الْأَلْوَاحَ ، فَكَتَبَ فِيهَا أَمْرَ الدُّنْيَا حَتَّى يَنْقَضِيَ مَا كَانَ مِنْ خَلْقٍ مَخْلُوقٍ ، أَوْ رِزْقِ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ ، أَوْ عَمَلِ بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .
. ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ( 61 ) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ( 62 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَتَوَفَّى عِبَادَهُ فِي مَنَامِهِمْ بِاللَّيْلِ ، وَهَذَا هُوَ التَّوَفِّي الْأَصْغَرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ] ) [ آلِ عِمْرَانَ : 55 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) [ الزُّمَرِ : 42 ] ، فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْوَفَاتَيْنِ : الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ حُكْمَ الْوَفَاتَيْنِ الصُّغْرَى ثُمَّ الْكُبْرَى ، فَقَالَ : ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ) أَيْ : وَيَعْلَمُ مَا كَسَبْتُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِالنَّهَارِ . وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دَلَّتْ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِخَلْقِهِ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ ، فِي حَالِ سُكُونِهِمْ وَفِي حَالِ حَرَكَتِهِمْ ، كَمَا قَالَ : ( سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ) [ الرَّعْدِ : 10 ] ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) أَيْ : فِي اللَّيْلِ ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) [ الْقَصَصِ : 73 ] أَيْ : فِي النَّهَارِ ، كَمَا قَالَ : ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ) [ النَّبَأِ : 10 ، 11 ] ; ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ) أَيْ : مَا كَسَبْتُمْ بِالنَّهَارِ ) ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ) أَيْ : فِي النَّهَارِ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ والسُّدِّيُّ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ : أَيْ فِي الْمَنَامِ .
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدِهِ عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكٌ إِذَا نَامَ أَخَذَ نَفْسَهُ ، وَيُرَدُّ إِلَيْهِ . فَإِنْ أَذِنَ اللَّهُ فِي قَبْضِ رُوحِهِ قَبَضَهُ ، وَإِلَّا رُدَّ إِلَيْهِ " ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ )
وَقَوْلُهُ ( لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ) يَعْنِي بِهِ : أَجَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ ( ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ ) أَيْ : فَيُخْبِرُكُمْ ( بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أَيْ : وَيَجْزِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شرًّا فَشَرٌّ .
267
وَقَوْلُهُ : ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ) أَيْ : هُوَ الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَخَضَعَ لِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ كُلُّ شَيْءٍ .
( وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ) أَيْ : مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفَظُونَ بَدَنَ الْإِنْسَانِ ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) [ الرَّعْدِ : 11 ] ، وَحَفَظَةً يَحْفَظُونَ عَمَلَهُ وَيُحْصُونَهُ [ عَلَيْهِ ] كَمَا قَالَ : ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ] ) [ الِانْفِطَارِ : 10 - 12 ] ، وَقَالَ : ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) [ ق : 17 ، 18 ] .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) أَيْ : [ إِذَا ] احْتَضَرَ وَحَانَ أَجَلُهُ ( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ) أَيْ : مَلَائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِذَلِكَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، يُخْرِجُونَ الرُّوحَ مِنَ الْجَسَدِ ، فَيَقْبِضُهَا مَلَكُ الْمَوْتِ إِذَا انْتَهَتْ إِلَى الْحُلْقُومِ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ] ) [ إِبْرَاهِيمَ : 27 ] ، الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِذَلِكَ ، الشَّاهِدَةُ لِهَذَا الْمَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ بِالصِّحَّةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ) أَيْ : فِي حِفْظِ رُوحِ الْمُتَوَفَّى ، بَلْ يَحْفَظُونَهَا وَيُنْزِلُونَهَا حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَبْرَارِ فَفِي عِلِّيِّينَ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْفُجَّارِ فَفِي سِجِّينٍ ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : ( ثُمَّ رُدُّوا ) يَعْنِي : الْمَلَائِكَةَ ( إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ )
وَنَذْكُرُ هَاهُنَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ [ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذِكْرِ صُعُودِ الْمَلَائِكَةِ بِالرُّوحِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ] حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " ۝ إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَالُوا : اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ، اخْرُجِي حَمِيدَةً ، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا ، فَيُقَالُ : مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ : فَلَانٌ ، فَيُقَالُ : مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ، ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ . فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ ، قَالُوا : اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ ، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ ، وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٍ ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ ، فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا ، فَيُقَالُ : مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ : فَلَانٌ ، فَيُقَالُ : لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ 268 الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ ، ارْجِعِي ذَمِيمَةً ، فَإِنَّهُ لَا يُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ . فَتُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ ، فَيَجْلِسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَيُقَالُ لَهُ مِثْلَ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَيَجْلِسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فَيُقَالُ لَهُ مِثْلَ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ ) يَعْنِي : الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَحْكُمُ فِيهِمْ بِعَدْلِهِ ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) [ الْوَاقِعَةِ : 49 ، 50 ] ، وَقَالَ ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) [ الْكَهْفِ : 47 - 49 ] ; وَلِهَذَا قَالَ : ( مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ )
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith