رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الأول
مَبْحَثٌ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ( قَوْلُهُ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ ) أَيْ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ ، وَلَيْسَ مِنْهَا الْحِجْرُ بِالْكَسْرِ وَالشَّاذَرْوَانُ ، لِأَنَّ ثُبُوتَهُمَا مِنْهَا ظَنِّيٌّ وَهُوَ لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْقِبْلَةِ احْتِيَاطًا وَإِنْ صَحَّ الطَّوَافُ فِيهِ مَعَ الْحُرْمَةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَجِّ ( قَوْلُهُ كَعَاجِزٍ ) أَيْ كَاسْتِقْبَالِ عَاجِزٍ عَنْهَا لِمَرَضٍ أَوْ خَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ اشْتِبَاهٍ ، فَجِهَةُ قُدْرَتِهِ أَوْ تَحَرِّيهِ قِبْلَةٌ لَهُ حُكْمًا ( قَوْلُهُ وَالشَّرْطُ حُصُولُهُ لَا تَحْصِيلُهُ ) أَشَارَ إلَى أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ فِيهِ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ ، لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْمُقَابَلَةُ لَا طَلَبُهَا إلَّا إذَا تَوَقَّفَ حُصُولُهَا عَلَيْهِ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ ( قَوْلُهُ وَهُوَ شَرْطٌ زَائِدٌ ) أَيْ لَيْسَ مَقْصُودًا لِأَنَّ الْمَسْجُودَ لَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ط أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ بِلَا ضَرُورَةٍ كَمَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ خَارِجَ الْمِصْرِ ، وَنَظِيرُهُ مَا مَرَّ فِي تَفْسِيرِ الرُّكْنِ الزَّائِدِ كَالْقِرَاءَةِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ قَدْ يَسْقُطُ بِلَا عَجْزٍ بَدَلَ قَوْلِهِ يَسْقُطُ لِلْعَجْزِ ، وَإِلَّا فَكُلُّ الشُّرُوطِ كَذَلِكَ ( قَوْلُهُ لِلِابْتِلَاءِ ) عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ شَرَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِاخْتِبَارِ الْمُكَلَّفِينَ لِأَنَّ فِطْرَةَ الْمُكَلَّفِ الْمُعْتَقِدِ اسْتِحَالَةَ الْجِهَةِ عَلَيْهِ تَعَالَى تَقْتَضِي عَدَمَ التَّوَجُّهِ فِي الصَّلَاةِ إلَى جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَأَمَرَهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ فِطْرَتُهُمْ اخْتِبَارًا لَهُمْ هَلْ يُطِيعُونَ أَوْ لَا كَمَا فِي الْبَحْرِ ح . قُلْت : وَهَذَا كَمَا ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ حَيْثُ جَعَلَهُ قِبْلَةً لِسُجُودِهِمْ ( قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ سَجَدَ إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِقْبَالِ شَرْطًا زَائِدًا ، يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْمَسْجُودُ لَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْكَعْبَةِ مَأْمُورًا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ السُّجُودُ لِنَفْسِ الْكَعْبَةِ كُفْرًا ح ( قَوْلُهُ فَلِلْمَكِّيِّ ) أَيْ فَالشَّرْطُ لَهُ أَيْ لِصَلَاتِهِ ، 428 وَكَذَا قَوْلُهُ وَلِغَيْرِهِ أَوْ اللَّامُ فِيهِمَا بِمَعْنَى " عَلَى أَنَّ " فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ لِثُبُوتِ قِبْلَتِهَا ) أَيْ قِبْلَةِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَكَذَا الْمَدَنِيُّ . وَأَوْرَدَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهَا بِالْوَحْيِ أَنْ تَكُونَ عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا عَلَى الْجِهَةِ ( قَوْلُهُ يَعُمُّ الْمُعَايِنَ وَغَيْرَهُ ) أَيْ الْمَكِّيَّ الْمَشَاهِدَ لِلْكَعْبَةِ وَاَلَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ كَجِدَارٍ وَنَحْوِهِ ، فَيُشْتَرَطُ إصَابَةُ الْعَيْنِ ، بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ الْحَائِلُ وَقَعَ اسْتِقْبَالُهُ عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ ( قَوْلُهُ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ ) أَيْ فِي الْمِنَحِ ، لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى زَادِ الْفَقِيرِ إطْلَاقُ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الرَّاجِحَ عَدَمُ الْفَرْقِ بِينَ مَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ أَوْ لَا . ا هـ . وَفِي الْفَتْحِ : وَعِنْدِي فِي جَوَازِ التَّحَرِّي مَعَ إمْكَانِ صُعُودِهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَتَرْكُ الْقَاطِعِ مَعَ إمْكَانِهِ لَا يَجُوزُ ، وَقَدْ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ : وَالِاسْتِخْبَارُ فَوْقَ التَّحَرِّي فَإِذَا امْتَنَعَ الْمَصِيرُ إلَى ظَنِّيٍّ لِإِمْكَانِ ظَنِّيٍّ أَقْوَى مِنْهُ فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْيَقِينُ مَعَ الظَّنِّ ا هـ ( قَوْلُهُ بِأَنْ يَبْقَى إلَخْ ) فِي كَلَامِهِ إيجَازٌ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمُرَادُ ، فَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ السَّطْحَ فِي اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الْهَنْدَسَةِ مَا لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ لَا عُمْقٌ ، وَالزَّاوِيَةُ الْقَائِمَةُ هِيَ إحْدَى الزَّاوِيَتَيْنِ الْمُتَسَاوِيَتَيْنِ الْحَادِثَتَيْنِ عَنْ جَنْبَيْ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ قَامَ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ هَكَذَا قَائِمَةٌ قَائِمَةٌ ، وَكِلْتَاهُمَا قَائِمَتَانِ ، وَيُسَمَّى الْخَطُّ الْقَائِمُ عَلَى الْآخَرِ عَمُودًا ، فَإِنْ لَمْ تَتَسَاوَيَا فَمَا كَانَتْ أَصْغَرَ مِنْ الْقَائِمَةِ تُسَمَّى زَاوِيَةً حَادَّةً ، وَمَا كَانَتْ أَكْبَرَ تُسَمَّى زَاوِيَةً مُنْفَرِجَةً هَكَذَا حَادَّةٌ مُنْفَرِجَةٌ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمِعْرَاجِ عَنْ شَيْخِهِ أَنَّ جِهَةَ الْكَعْبَةِ هِيَ الْجَانِبُ الَّذِي إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ الْإِنْسَانُ يَكُونُ مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْرِيبًا ، وَمَعْنَى التَّحْقِيقِ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ خَطٌّ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ عَلَى زَاوِيَةٍ قَائِمَةٍ إلَى الْأُفُقِ يَكُونُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا ; وَمَعْنَى التَّقْرِيبِ أَنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا عَنْهَا أَوْ عَنْ هَوَائِهَا بِمَا لَا تَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ، بِأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتًا لَهَا أَوْ لِهَوَائِهَا . وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ تَزُولُ بِانْتِقَالٍ قَلِيلٍ مِنْ الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ مُنَاسِبٍ لَهَا ، وَفِي الْبَعِيدَةِ لَا تَزُولُ إلَّا بِانْتِقَالٍ كَثِيرٍ مُنَاسِبٍ لَهَا فَإِنَّهُ لَوْ قَابَلَ إنْسَانٌ آخَرُ فِي مَسَافَةِ ذِرَاعٍ مَثَلًا تَزُولُ تِلْكَ الْمُقَابَلَةُ بِانْتِقَالِ أَحَدِهِمَا يَمِينًا بِذِرَاعٍ وَإِذَا وَقَعَتْ بِقَدْرِ مِيلٍ أَوْ فَرْسَخٍ لَا تَزُولُ إلَّا بِمِائَةِ ذِرَاعٍ أَوْ نَحْوِهَا ، وَلَمَّا بَعُدَتْ مَكَّةُ عَنْ دِيَارِنَا بُعْدًا مُفْرِطًا تَتَحَقَّقُ الْمُقَابَلَةُ إلَيْهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فِي مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ ، فَلَوْ فَرَضْنَا خَطًّا مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِ مُسْتَقْبِلِ الْكَعْبَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ ثُمَّ فَرَضْنَا خَطًّا آخَرَ يَقْطَعُهُ عَلَى زَاوِيَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ مِنْ جَانِبِ يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ وَشِمَالِهِ لَا تَزُولُ تِلْكَ الْمُقَابَلَةُ وَالتَّوَجُّهُ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ عَلَى ذَلِكَ الْخَطِّ بِفَرَاسِخَ كَثِيرَةٍ ، فَلِذَا وَضَعَ الْعُلَمَاءُ الْقِبْلَةَ فِي بِلَادٍ قَرِيبَةٍ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ ا هـ وَنَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا وَشُرُوحِ الْمُنْيَةِ وَغَيْرِهَا ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي زَادِ الْفَقِيرِ . وَعِبَارَةُ الدُّرَرِ هَكَذَا : وَجِهَتُهَا أَنْ يَصِلَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي إلَى الْخَطِّ الْمَارِّ بِالْكَعْبَةِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ قَائِمَتَانِ . أَوْ نَقُولُ : هُوَ أَنْ تَقَعَ الْكَعْبَةُ فِيمَا بَيْنَ خَطَّيْنِ يَلْتَقِيَانِ فِي الدِّمَاغِ فَيَخْرُجَانِ إلَى الْعَيْنَيْنِ كَسَاقَيْ مُثَلَّثٍ ، كَذَا قَالَ النِّحْرِيرُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْكَشَّافِ ، فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْعَيْنِ انْحِرَافًا لَا تَزُولُ مِنْهُ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ جَازَ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ : إذَا تَيَامَنَ أَوَتَيَاسَرَ تَجُوزُ لِأَنَّ وَجْهَ الْإِنْسَانِ مُقَوَّسٌ لِأَنَّ عِنْدَ التَّيَامُنِ أَوْ التَّيَاسُرِ يَكُونُ أَحَدُ جَوَانِبِهِ إلَى الْقِبْلَةِ ا هـ كَلَامُ الدُّرَرِ ، وَقَوْلُهُ فِي الدُّرَرِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَصِلُ لِأَنَّهُ لَوْ وُصِّلَ إلَيْهِ مُعْوَجًّا لَمْ تَحْصُلْ قَائِمَتَانِ بَلْ تَكُونُ إحْدَاهُمَا حَادَّةً وَالْأُخْرَى مُنْفَرِجَةً كَمَا بَيَّنَّا . ثُمَّ إنَّ الطَّرِيقَةَ 429 الَّتِي فِي الْمِعْرَاجِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى الَّتِي فِي الدُّرَرِ ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْمِعْرَاجِ جَعَلَ الْخَطَّ الثَّانِيَ مَارًّا عَلَى الْمُصَلِّي عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ عِبَارَتِهِ ، وَفِي الدُّرَرِ جَعَلَهُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ ، وَتَصْوِيرُ الْكَيْفِيَّاتِ الثَّلَاثِ عَلَى التَّرْتِيبِ هَكَذَا : ( قَوْلُهُ مِنَحٌ ) فِيهِ أَنَّ عِبَارَةَ الْمِنَحِ هِيَ حَاصِلُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ ، وَلَيْسَ فِيهَا قَوْلُهُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ ، بَلْ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي صُورَةِ الدُّرَرِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ مَارٌّ عَلَيْهَا طُولًا لَا عَرْضًا فَيَكُونُ هُوَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي وَالْخَطُّ الْآخَرُ الَّذِي يَقْطَعُهُ هُوَ الْمَارُّ عَرْضًا عَلَى الْمُصَلِّي أَوْ عَلَى الْكَعْبَةِ فَيَصْدُقُ بِمَا صَوَّرْنَاهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا ثُمَّ إنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى بَعْضِ عِبَارَةِ الْمِنَحِ أَدَّى إلَى قَصْرِ بَيَانِهِ عَلَى الْمُسَامَتَةِ تَحْقِيقًا وَهِيَ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ دُونَ الْمُسَامَتَةِ تَقْدِيرًا ، وَهِيَ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّانِيَةُ ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِ مُسْتَقْبِلِهَا حَقِيقَةً فِي بَعْضِ الْبِلَادِ ( قَوْلُهُ قُلْت إلَخْ ) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ شَخْصٌ مُسْتَقْبِلًا مِنْ بَلَدِهِ لِعَيْنِ الْكَعْبَةِ حَقِيقَةً ، بِأَنْ يُفْرَضَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِهِ وَاقِعًا عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَهَذَا مُسَامِتٌ لَهَا تَحْقِيقًا ، وَلَوْ أَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ بِفَرَاسِخَ كَثِيرَةٍ وَفَرَضْنَا خَطًّا مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ وَكَانَ الْخَطُّ الْخَارِجُ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي يَصِلُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ إلَى هَذَا الْخَطِّ الْمَارِّ عَلَى الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ بِهَذَا الِانْتِقَالِ لَا تَزُولُ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ وَجْهَ الْإِنْسَانِ مُقَوَّسٌ ، فَمَهْمَا تَأَخَّرَ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا عَنْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ جَوَانِبِ وَجْهِهِ مُقَابِلًا لَهَا ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا عِنْدَ زِيَادَةِ الْبُعْدِ ; أَمَّا عِنْدَ الْقُرْبِ فَلَا يُعْتَبَرُ كَمَا مَرَّ ; فَقَوْلُ الشَّارِحِ هَذَا مَعْنَى التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ : أَيْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ بِأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ إلَخْ مَعَ فَرْضِ الْخَطِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ هُوَ الْمُرَادُ بِمَا فِي الدُّرَرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ : أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُجْعَلَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ ، إذْ لَا شَكَّ حِينَئِذٍ فِي خُرُوجِهِ عَنْ الْجِهَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ، بَلْ الْمَفْهُومُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِعْرَاجِ وَالدُّرَرِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِحُصُولِ زَاوِيَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْمُسْتَقْبِلِ لِعَيْنِ الْكَعْبَةِ يَمِينًا أَوْ يَسَارًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا حَادَّةً وَالْأُخْرَى مُنْفَرِجَةً بِهَذِهِ الصُّورَةِ : وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ الِانْتِقَالُ عَنْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ لَا الِانْحِرَافُ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْحِرَافَ لَا يَضُرُّ ; فَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ : وَلَا بَأْسَ بِالِانْحِرَافِ انْحِرَافًا لَا تَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ، بِأَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ . ا هـ . 430 وَقَالَ فِي شَرْحِ زَادِ الْفَقِيرِ : وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إلَى الْجِهَةِ أَقَاوِيلُ كَثِيرَةٌ وَأَقْرَبُهَا إلَى الصَّوَابِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ أَنْ يُنْظَرَ فِي مَغْرِبِ الصَّيْفِ فِي أَطْوَلِ أَيَّامِهِ وَمَغْرِبِ الشِّتَاءِ فِي أَقْصَرِ أَيَّامِهِ فَلْيَدَعْ الثُّلُثَيْنِ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالثُّلُثَ فِي الْأَيْسَرِ وَالْقِبْلَةَ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ هَكَذَا وَصَلَّى فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبَيْنِ يَجُوزُ ، وَإِذَا وَقَعَ خَارِجًا مِنْهَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ ا هـ مُلَخَّصًا . وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَنْ أَمَالِي الْفَتَاوَى : حَدُّ الْقِبْلَةِ فِي بِلَادِنَا يَعْنِي سَمَرْقَنْدَ : مَا بَيْنَ الْمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبِ الشِّتَاءِ وَمَغْرِبِ الصَّيْفِ ، فَإِنْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ خَرَجَتْ مِنْ الْمَغْرِبَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ا هـ وَسَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ فِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِتَحْوِيلِ صَدْرِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَعُلِمَ أَنَّ الِانْحِرَافَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ ، وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى مَعَهُ الْوَجْهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ جَوَانِبِهِ مُسَامِتًا لِعَيْنِ الْكَعْبَةِ أَوْ لِهَوَائِهَا ، بِأَنْ يَخْرُجَ الْخَطُّ مِنْ الْوَجْهِ أَوْ مِنْ بَعْضِ جَوَانِبِهِ وَيَمُرَّ عَلَى الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا مُسْتَقِيمًا ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْخَطُّ الْخَارِجُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ خَارِجًا مِنْ جَبْهَةِ الْمُصَلِّي بَلْ مِنْهَا أَوْ مِنْ جَوَانِبِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الدُّرَرِ مِنْ جَبِينِ الْمُصَلِّي ، فَإِنَّ الْجَبِينَ طَرَفُ الْجَبْهَةِ وَهُمَا جَبِينَانِ ، وَعَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ يُحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ عَنْ الْفَتَاوَى مِنْ أَنَّ الِانْحِرَافَ الْمُفْسِدَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمَشَارِقَ إلَى الْمَغَارِبَ ا هـ فَهَذَا غَايَةُ مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَحِلِّ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ فَتَبَصَّرْ ) أَشَارَ إلَى دِقَّةِ مَلْحَظِهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ وَإِلَى عَدَمِ الِاسْتِعْجَالِ بِالِاعْتِرَاضِ وَمَعَ هَذَا نَسَبُوهُ إلَى عَدَمِ الْفَهْمِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ مَحَارِيبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ) فَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي مَعَهَا زَيْلَعِيٌّ ، بَلْ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُمْ خَانِيَةٌ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِ الْفَلَكِيِّ الْعَالِمِ الْبَصِيرِ الثِّقَةِ إنَّ فِيهَا انْحِرَافًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَنْظُرَ إلَى مَا يُقَالُ إنَّ قِبْلَةَ أُمَوِيِّ دِمَشْقَ وَأَكْثَرِ مَسَاجِدِهَا الْمَبْنِيَّةِ عَلَى سَمْتِ قِبْلَتِهِ فِيهَا بَعْضُ انْحِرَافٍ وَإِنَّ أَصَحَّ قِبْلَةً فِيهَا قِبْلَةُ جَامِعِ الْحَنَابِلَةِ الَّذِي فِي سَفْحِ الْجَبَلِ . إذْ لَا شَكَّ أَنَّ قِبْلَةَ الْأُمَوِيِّ مِنْ حِينِ فَتْحِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ صَلَّى مِنْهُمْ إلَيْهَا وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُمْ أَعْلَمُ وَأَوْثَقُ وَأَدْرَى مِنْ فَلَكِيٍّ لَا نَدْرِي هَلْ أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ ، بَلْ ذَلِكَ يُرَجِّحُ خَطَأَهُ وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ ( قَوْلُهُ كَالْقُطْبِ ) هُوَ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ ، وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ فِي بَنَاتِ نَعْشٍ الصُّغْرَى بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ ، إذَا جَعَلَهُ الْوَاقِفُ خَلَفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ إنْ كَانَ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَهَمْدَانَ ، وَيَجْعَلُهُ مَنْ بِمِصْرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ، وَمَنْ بِالْعِرَاقِ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ ; وَمَنْ بِالْيَمَنِ قُبَالَتَهُ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ ، وَمَنْ بِالشَّامِ وَرَاءَهُ بَحْرٌ . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَقِيلَ يَنْحَرِفُ بِدِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الشَّرْقِ قَلِيلًا . ا هـ . وَذَكَرَ الشُّرَّاحُ لِلْقِبْلَةِ عَلَامَاتٍ أُخَرَ غَالِبُهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى سَمْتِ بِلَادِهِمْ ، مِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ زَادِ الْفَقِيرِ وَالْمُنْيَةِ فَإِنَّهَا عَلَامَةٌ لِقِبْلَةِ سَمَرْقَنْدَ وَمَا كَانَ عَلَى سَمْتِهَا . وَفِي حَاشِيَةِ الْفَتَّالِ قَالَ الْبُرْجَنْدِيُّ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقِبْلَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِقَاعِ ; وَمَا ذَكَرُوهُ يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، وَأَمْرُ الْقِبْلَةِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِقَوَاعِدِ الْهَنْدَسَةِ وَالْحِسَابِ ، بِأَنْ يُعْرَفَ بُعْدُ مَكَّةَ عَنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ وَعَنْ طَرَفِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ بُعْدُ الْبَلَدِ الْمَفْرُوضِ كَذَلِكَ ثُمَّ يُقَاسُ بِتِلْكَ الْقَوَاعِدِ لِيَتَحَقَّقَ سَمْتُ الْقِبْلَةِ ا هـ لَكِنْ قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ : وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْعُلُومِ الْحُكْمِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْعَلَّامَةَ الْبُخَارِيَّ قَالَ فِي الْكَشْفِ إنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يَعْتَبِرُوهُ . ا هـ . وَأَفَادَ فِي النَّهْرِ أَنَّ دَلَائِلَ النُّجُومِ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ وَعِنْدَ آخَرِينَ لَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ قَالَ : وَعَلَيْهِ إطْلَاقُ عَامَّةِ الْمُتُونِ . ا هـ . أَقُول : لَمْ أَرَ فِي الْمُتُونِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا ، وَلَنَا تَعَلُّمُ مَا نَهْتَدِي بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ مِنْ النُّجُومِ . وَقَالَ تَعَالَى 431 { لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا } - عَلَى أَنَّ مَحَارِيبَ الدُّنْيَا كُلّهَا نُصِبَتْ بِالتَّحَرِّي حَتَّى مِنًى كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ النُّجُومُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِهَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَحَارِيبِ الْقَدِيمَةِ ، إذْ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي مَعَهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، لِئَلَّا يَلْزَمَ تَخْطِئَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَجَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْمَفَازَةِ فَيَنْبَغِي وُجُوبُ اعْتِبَارِ النُّجُومِ وَنَحْوِهَا فِي الْمَفَازَةِ لِتَصْرِيحِ عُلَمَائِنَا وَغَيْرِهِمْ بِكَوْنِهَا عَلَامَةً مُعْتَبَرَةً ، فَيَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَفِي الْقِبْلَةِ ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ الثِّقَاتُ فِي كُتُبِ الْمَوَاقِيتِ ، وَعَلَى مَا وَضَعُوهُ لَهَا مِنْ الْآلَاتِ كَالرَّبَعِ والأسطرلاب فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تَفْدِ الْيَقِينَ تَفْدِ غَلَبَةَ الظَّنِّ لِلْعَالِمِ بِهَا ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ . وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا مِنْ عَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ النُّجُومِ فِي دُخُولِ رَمَضَانَ لِأَنَّ ذَاكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ مُعَلَّقٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، لِحَدِيثِ " { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ } " وَتَوْلِيدُ الْهِلَالِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الرُّؤْيَةِ بَلْ عَلَى قَوَاعِدَ فَلَكِيَّةٍ ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي نَفْسِهَا ، لَكِنْ إذَا كَانَتْ وِلَادَتُهُ فِي لَيْلَةِ كَذَا فَقَدْ يُرَى فِيهَا الْهِلَالُ وَقَدْ لَا يُرَى ; وَالشَّارِعُ عَلَّقَ الْوُجُوبَ عَلَى الرُّؤْيَةِ بِالْقِبْلَةِ لَا عَلَى الْوِلَادَةِ ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قَوْلُهُ وَإِلَّا فَمِنْ الْأَهْلِ ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَحَارِيبُ قَدِيمَةٌ فَيَسْأَلُ مَنْ يَعْلَمُ بِالْقِبْلَةِ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِمَّنْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ ، أَمَّا غَيْرُ الْعَالِمِ بِهَا فَلَا فَائِدَةَ فِي سُؤَالِهِ ، وَأَمَّا غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ فَلِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِإِخْبَارِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ ، وَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ ; وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلَا يَتْرُكُ اجْتِهَادَهُ بِاجْتِهَادٍ وَغَيْرِهِ ; وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَرْعُ الْأَبْوَابِ كَمَا سَيَأْتِي ; وَظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِالْأَهْلِ أَنَّ وُجُوبَ السُّؤَالِ خَاصٌّ بِالْحَضَرِ ، فَلَوْ فِي مَفَازَةٍ لَا يَجِبُ : وَفِي الْبَدَائِعِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ : فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا بِالِاشْتِبَاهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَفَازَةِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقِبْلَةِ ، فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَ لِمَا قُلْنَا أَيْ مِنْ أَنَّ السُّؤَالَ أَقْوَى مِنْ التَّحَرِّي ا هـ وَشَرَطَ فِي الذَّخِيرَةِ كَوْنَ الْمُخْبِرِ فِي الْمَفَازَةِ عَالِمًا حَيْثُ نَقَلَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ فِي الْمَفَازَةِ فَأَخْبَرَهُ رَجُلَانِ أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي جَانِبٍ وَوَقَعَ تَحَرِّيه إلَى جَانِبٍ آخَرَ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ فِي رَأْيِهِ أَنَّهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِمَا لَا مَحَالَةَ وَإِلَّا فَلَا ا هـ وَشَرَطَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالتَّجْنِيسِ كَوْنَهُمَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَيْثُ قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَهُمَا مُسَافِرَانِ مِثْلُهُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِالِاجْتِهَادِ ، فَلَا يَتْرُكُ اجْتِهَادَهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ . ا هـ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَوْنُهُمَا عَالِمَيْنِ بِالْقِبْلَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَفَازَةِ وَلَا أَهْلَ لَهَا ، إلَّا أَنْ يُرَادَ كَوْنُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْأَخْبِيَةِ فَهُمَا مِنْ أَهْلِهِ وَالْأَهْلُ لَهُ عِلْمٌ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ الذَّخِيرَةِ ، حَتَّى لَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِهِ وَلَا عِلْمَ لَهُمَا لَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِهِمَا ، فَالْمَنَاطُ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ ، فَقَدْ يَكُونَانِ مُسَافِرَيْنِ مِثْلَهُ وَلَكِنْ لَهُمَا مَعْرِفَةٌ بِالْقِبْلَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ بِكَثْرَةِ التَّكْرَارِ أَوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ مِنْ طُرُقِ الْعِلْمِ مِمَّا يَفُوقُ عَلَى تَحَرِّي الْمُتَحَرِّي . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ قَوْلِهِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالنُّجُومِ فِي الْمَفَازَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّؤَالِ الْمُقَدَّمِ عَلَى التَّحَرِّي ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى الْقِبْلَةِ فِي الْحَضَرِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمَحَارِيبِ الْقَدِيمَةِ ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَبِالسُّؤَالِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَفِي الْمَفَازَةِ بِالنُّجُومِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوُجُودِ غَيْمٍ أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِهَا فَبِالسُّؤَالِ مِنْ الْعَالِمِ بِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيَتَحَرَّى ، وَكَذَا يَتَحَرَّى لَوْ سَأَلَهُ عَنْهَا فَلَمْ يُخْبِرْهُ ، حَتَّى لَوْ أَخْبَرَهُ بَعْدَمَا صَلَّى 432 لَا يُعِيدُ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ . وَفِيهَا : لَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَتَحَرَّى ، إنْ أَصَابَ جَازَ وَإِلَّا لَا ، وَكَذَا الْأَعْمَى . ا هـ . وَمَسَائِلُ التَّحَرِّي سَتَأْتِي وَرَجَّحَ فِي الْبَحْرِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِي الْمَفَازَةِ بِالتَّحَرِّي وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ النُّجُومَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي الْجَهْلِ بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا . أَمَّا دَقَائِقُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَصُوَرُ النُّجُومِ الثَّوَابِتِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي الْجَهْلِ بِهَا . ا هـ . ( قَوْلُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِبْلَةِ إلَخْ ) أَيْ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ أَوْ اسْتِقْبَالُ جِهَتِهِ هُوَ الْعَرْصَةُ ، وَهِيَ لُغَةً : كُلُّ بُقْعَةٍ بَيْنَ الدُّورِ وَاسِعَةٌ لَا بِنَاءَ فِيهَا كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا تِلْكَ الْبُقْعَةُ الشَّرِيفَةُ ( قَوْلُهُ لَا الْبِنَاءُ ) أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ الْكَعْبَةُ الَّتِي هِيَ الْبِنَاءُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَلِذَا لَوْ نُقِلَ الْبِنَاءُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَصَلَّى إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ، بَلْ تَجِبُ الصَّلَاةُ إلَى أَرْضِهَا كَمَا فِي الْفَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ . مَطْلَبُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ثَابِتَةٌ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ عِدَّةِ الْفَتَاوَى : الْكَعْبَةُ إذَا رُفِعَتْ عَنْ مَكَانِهَا لِزِيَارَةِ أَصْحَابِ الْكَرَامَةِ فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ جَازَتْ الصَّلَاةُ إلَى أَرْضِهَا . ا هـ . وَفِي الْمُجْتَبَى : وَقَدْ رُفِعَ الْبِنَاءُ فِي عَهْدِ ابْن الزُّبَيْرِ عَلَى قَوَاعِدِ الْخَلِيلِ وَفِي عَهْدِ الْحَجَّاجِ لِيُعِيدَهَا عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ . ا هـ . فَتَّالٌ ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ نَقَلَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ : وَهَذَا صَرِيحٌ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ، فَيُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ نَسَبَ إمَامَنَا إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهَا وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ ( قَوْلُهُ فَهِيَ مِنْ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إلَى الْعَرْشِ ) صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْفَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ مَعْزِيًّا لِلْحُجُنَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : فَلَوْ صَلَّى فِي الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ وَالْآبَارِ الْعَمِيقَةِ السَّافِلَةِ جَازَ كَمَا جَازَ عَلَى سَطْحِهَا وَفِي جَوْفِهَا فَتَّالٌ ، فَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ الْبِنَاءَ لَا الْعَرْصَةَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، فَالتَّفْرِيعُ صَحِيحٌ فَافْهَمْ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith