المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
( الشَّرْحُ ) الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ عَلَى قِسْمَيْنِ ( مِنْهُ ) مَا لَهُ جَفَافٌ وَكَمَالٌ فِي حَالَةِ جَفَافِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ رَطْبِهِ بِرَطْبِهِ ، وَلَا بِيَابِسِهِ جَزْمًا ، وَيَجُوزُ بَيْعُ يَابِسِهِ بِيَابِسِهِ اتِّفَاقًا ( وَمِنْهُ ) مَا لَا يُجَفَّفُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَوْ جُفِّفَ لَاسْتَحْشَفَ وَفَسَدَ لِكَثْرَةِ رُطُوبَتِهِ ، وَرِقَّةِ قِشْرِهِ ، كَالدَّقَلِ ، وَهُوَ أَرْدَأُ التَّمْرِ ، وَالْعُمَرِيُّ وَهُوَ وَالْإِبْرَاهِيمِيّ وَالْهِلْيَاثُ ، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ كَالْعِنَبِ الْبَحْرِيِّ بِأَرْضِ مِصْرَ ، فَهَذَا الْقِسْمُ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْفَوَاكِهِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا جَفَافٌ لِأَنَّ غَالِبَ مَنَافِعِهِ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهَا قَوْلَانِ ، وَيُفَارِقُهَا فِي أَنَّ الْغَالِبَ فِي جِنْسِهِ التَّجْفِيفُ ، وَالِادِّخَارُ بِخِلَافِهَا وَنَادِرُ كُلِّ نَوْعٍ مُلْحَقٌ بِغَالِبِهِ ، فَلِذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُغَايِرًا لَهَا وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي إلْحَاقِهِ بِهَا عَلَى طَرِيقَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ صَرِيحًا لِأَنَّ الرُّطَبَ الَّذِي لَا يَعُودُ تَمْرًا بِحَالٍ لَا يُبَاعُ مِنْهُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ ذَلِكَ ، وَنَسَبَ الْعِمْرَانِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إلَى أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَنَسَبَهَا صَاحِبُ الْمُجَرَّدِ مِنْ تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ إلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَقُول : إنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمُجَرَّدِ قَالَ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَزْنًا وَلَا كَيْلًا لَا يَخْتَلِفُ الْقَوْلُ فِيهِ ، فَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَرْوَزِيِّ .
( وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ ) أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي سَائِرِ الْفَوَاكِهِ ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ ; وَقَالَ : هُوَ أَسْوَأُ حَالًا فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، صَرَّحُوا بِحِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ 322 إنَّ الْمَنْعَ هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ فِي الْأُمِّ وَأَعَادُوا الْمَسْأَلَةَ هُنَا ، فَنَسَبَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ إلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ . وَنَسَبَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إلَى حِكَايَةِ الْأَصْحَابِ وَنَسَبَ الْجُورِيُّ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ وَفِي الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْفَاكِهَةِ الَّتِي لَا تَصِيرُ إلَى حَالَةِ الْجَفَافِ وَالْبُقُولِ إلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصٍ فَأَفَادَ زِيَادَةَ ابْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ وَأَبْعَدَ فِي جَعْلِ الْقَوْلَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ . فَإِنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَنْصُوصَانِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمَنْعِ هُنَا وَالْمَاوَرْدِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْجَوَازَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ . وَقَالَ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ وَيُخَرِّجُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ مَسْأَلَةَ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَصِيرُ تَمْرًا بِخُصُوصِهَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ . وَجَعَلَ الْجَوَازَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبْطَلَهُ . وَبِمُقْتَضَى هَذِهِ النُّقُولُ يَصِحُّ نِسْبَةُ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ إلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ سَلَمَةَ وَابْنِ الْوَكِيلِ وَلَعَلَّ ابْنَ سُرَيْجٍ خَرَّجَ ذَلِكَ وَاخْتَارَهُ ، فَيَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِ وَإِلَى تَخْرِيجِهِ .
وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ مَا لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ . وَمَسْأَلَةَ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ بَلْ أَطْلَقُوا الْكَلَامَ إطْلَاقًا يَشْمَلُهَا وَأَغْرَبَ ابْنُ دَاوُد فَحَكَى أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ . وَحَكَى وَجْهَ الْجَوَازِ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إلَى أَحَدٍ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ إيرَادُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ فِي ذَلِكَ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ هَذَا مَا فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِ ، وَأَمَّا الْخُرَاسَانِيُّونَ فَجُمْهُورُهُمْ أَيْضًا مُطَبِّقُونَ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الطَّرِيقَةِ الْقَاطِعَةِ ، وَعَبَّرُوا عَنْ الْخِلَافِ بِالْوَجْهَيْنِ ، مِمَّنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ وَالْغَزَالِيُّ . وَوَافَقَهُمْ ابْنُ دَاوُد شَارِحُ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ . وَالرَّافِعِيُّ سَلَكَ طَرِيقَةَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي حِكَايَتِهِمَا قَوْلَيْنِ ، وَلَمْ يَحْكِ الطَّرِيقَةَ الْقَاطِعَةَ وَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى ذَلِكَ اسْتَبْعَدْت نِسْبَةَ الْعِمْرَانِيِّ الطَّرِيقَةَ الْقَاطِعَةَ إلَى أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ، وَظَهَرَ لَك أَنَّ طَرِيقَةَ الْخِلَافِ أَشْهَرُ ، وَهِيَ أَيْضًا أَظْهَرُ ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْمُقْتَضِي 323 لِإِلْحَاقِ ذَلِكَ بِالْفَوَاكِهِ أَقْوَى مِنْ الْفَارِقِ الَّذِي ذَكَرَ لِلَّتِي قَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي الْفَوَاكِهِ عَلَى الْجَوَازِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ ذَلِكَ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ ، بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ لَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَالَةِ الْجَفَافِ ، وَنُصُوصُهُ عَلَى الْمَنْعِ هُنَاكَ وَهُنَا صَرِيحَةٌ لَا تَحْتَمِلُ ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الصَّحِيحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَنْعَ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ ، وَهُوَ مُقْتَضَى إيرَادِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الْجَوَازَ ، مِنْهُمْ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ وَالْمُرْشِدِ . وَقَالَ الْإِمَامُ : إنَّهُ الْقِيَاسُ .
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ : وَهَذَا أَظْهَرُ عِنْدِي وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ صَحَّحَ قَوْلَ الْمَنْعِ هُنَاكَ فَهُوَ مُصَحِّحٌ لَهُ هُنَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَذِكْرُ مَنْ جَزَمَ بِذَلِكَ أَيْضًا . وَهَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هَؤُلَاءِ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ الصَّرِيحِ كَمَا عَلِمْتَ وَهُوَ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ أَيْضًا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ بِالثَّمَرَةِ } وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ مَضْبُوطٌ هَكَذَا بِالْهَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَالثَّمَرَةُ اسْمٌ عَامٌّ يَشْمَلُ مَا لَهُ جَفَافٌ وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ ، يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ ، كَبَيْعِ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ . قَوْلُهُ " { إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ } " وَيَبْقَى فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ، وَأَيْضًا الْوَصْفُ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً وَهُوَ قَوْلُهُ " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ ؟ " وَلَا شَكَّ أَنَّ النُّقْصَانَ مَوْجُودٌ فِيمَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ وَفِيمَا لَا يَجِيءُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّسَاوِي فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ . وَأَمَّا كَوْنُنَا نَتَحَيَّزُ إلَى التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ إلَى أَشْرَفِ حَالَاتِهِ وَأَكْمَلِهَا وَهُوَ حَالَةُ الْجَفَافِ ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِيمَا لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ ، فَهُوَ - وَإِنْ كَانَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ - لَكِنَّهُ - عَلَى مُعَارَضَةِ الظَّاهِرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْعُمُومِ وَمِنْ الْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( التَّفْرِيعُ ) لَوْ جُفِّفَ هَذَا النَّوْعُ عَلَى نُدُورٍ ( إنْ قُلْنَا ) بِالْجَوَازِ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ فَهَلْ يَجُوزُ أَيْضًا فِي حَالِ الْجَفَافِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( وَجْهُ ) الْمَنْعِ أَنَّ الرُّطُوبَةَ فِي هَذَا النَّوْعِ هِيَ الْكَمَالُ وَالْجَفَافُ غَيْرُ مُعْتَادٍ أَصْلًا ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالْمَنْعِ وَهُوَ 324 الصَّحِيحُ فَفِي حَالِ الْجَفَافِ أَيْضًا وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) الْمَنْعُ . فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهُ حَالَةُ كَمَالٍ . وَالْبَيْعُ الَّذِي نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِيهِ نَعْتَمِدُ حَالَةَ الْكَمَالِ ، فَبِإِمْكَانِ الْجَافِّ وَجَرَيَانِهِ أَخْرَجَ حَالَةَ الرُّطُوبَةِ عَنْ الْكَمَالِ وَعَدَمُ عُمُومِ ذَلِكَ أَخْرَجَ حَالَةَ الْيُبُوسَةِ عَنْ الْكَمَالِ وَكُلٌّ مِنْ الْخِلَافَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ، يَعْنِي ( الْمَنْعَ ) رَطْبًا وَيَابِسًا ( وَالْجَوَازَ ) رَطْبًا وَيَابِسًا . قَالَ فِي الْغَايَةِ مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ : وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالْمَنْعُ رَطْبًا فَقَطْ ، وَعَكْسُهُ ، لَكِنَّهُ فَرَضَهَا فِي الرَّطْبِ الَّذِي لَوْ جُفِّفَ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ انْتِفَاعٌ يُحْتَفَلُ بِهِ ، فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي كُلِّ بَيْعٍ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصُورَةِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَقِلَّ مَنْفَعَتُهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : لَا يُحْتَفَلُ بِهَا ( أَمَّا ) لَوْ وَصَلَ إلَى حَالَةٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَصْلًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ إلَّا الْقَوْلَانِ الْأَصْلِيَّانِ أَنْ يُبَاعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَوْ لَا يُبَاعُ أَصْلًا وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفَوَاكِهِ ، وَحَكَى الْإِمَامُ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ( الْأَوَّلُ ) وَقَالَ : إنَّهُ لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ إلَى الرَّابِعِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا ، وَالْفَارِقُ مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّ الرُّطَبَ لَمْ يُعْتَدْ فِيهِ الْجَفَافُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مُعْتَادٌ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، وَكَتَبَ هُنَاكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ جَزَمُوا بِالْجَوَازِ فِي حَالَةِ الْجَفَافِ ( وَأَمَّا ) هُنَا فِي الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ فَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا الْفَرْعِ غَيْرَ الْإِمَامِ وَعُذْرُهُمْ فِي السُّكُوتِ عَنْهُ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي رُطَبٍ لَا يَصِيرُ تَمْرًا ، فَإِنْ فُرِضَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَأَنَّ الرُّطَبَ يَيْبَسُ ، وَصَارَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ تُقَابَلُ بِالْأَعْوَاضِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَإِنْ مَنَعْنَا بَيْعَ رَطْبِهِ بِرَطْبِهِ لِانْتِفَاءِ النُّقْصَانِ الَّذِي أَشَارَ الْحَدِيثُ إلَى أَنَّهُ عِلَّةُ الْمَنْعِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ ) أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي سَائِرِ الْفَوَاكِهِ ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ ; وَقَالَ : هُوَ أَسْوَأُ حَالًا فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، صَرَّحُوا بِحِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ 322 إنَّ الْمَنْعَ هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ فِي الْأُمِّ وَأَعَادُوا الْمَسْأَلَةَ هُنَا ، فَنَسَبَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ إلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ . وَنَسَبَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إلَى حِكَايَةِ الْأَصْحَابِ وَنَسَبَ الْجُورِيُّ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ وَفِي الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْفَاكِهَةِ الَّتِي لَا تَصِيرُ إلَى حَالَةِ الْجَفَافِ وَالْبُقُولِ إلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصٍ فَأَفَادَ زِيَادَةَ ابْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ وَأَبْعَدَ فِي جَعْلِ الْقَوْلَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ . فَإِنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَنْصُوصَانِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمَنْعِ هُنَا وَالْمَاوَرْدِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْجَوَازَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ . وَقَالَ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ وَيُخَرِّجُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ مَسْأَلَةَ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَصِيرُ تَمْرًا بِخُصُوصِهَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ . وَجَعَلَ الْجَوَازَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبْطَلَهُ . وَبِمُقْتَضَى هَذِهِ النُّقُولُ يَصِحُّ نِسْبَةُ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ إلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ سَلَمَةَ وَابْنِ الْوَكِيلِ وَلَعَلَّ ابْنَ سُرَيْجٍ خَرَّجَ ذَلِكَ وَاخْتَارَهُ ، فَيَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِ وَإِلَى تَخْرِيجِهِ .
وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ مَا لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ . وَمَسْأَلَةَ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ بَلْ أَطْلَقُوا الْكَلَامَ إطْلَاقًا يَشْمَلُهَا وَأَغْرَبَ ابْنُ دَاوُد فَحَكَى أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ . وَحَكَى وَجْهَ الْجَوَازِ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إلَى أَحَدٍ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ إيرَادُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ فِي ذَلِكَ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ هَذَا مَا فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِ ، وَأَمَّا الْخُرَاسَانِيُّونَ فَجُمْهُورُهُمْ أَيْضًا مُطَبِّقُونَ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الطَّرِيقَةِ الْقَاطِعَةِ ، وَعَبَّرُوا عَنْ الْخِلَافِ بِالْوَجْهَيْنِ ، مِمَّنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ وَالْغَزَالِيُّ . وَوَافَقَهُمْ ابْنُ دَاوُد شَارِحُ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ . وَالرَّافِعِيُّ سَلَكَ طَرِيقَةَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي حِكَايَتِهِمَا قَوْلَيْنِ ، وَلَمْ يَحْكِ الطَّرِيقَةَ الْقَاطِعَةَ وَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى ذَلِكَ اسْتَبْعَدْت نِسْبَةَ الْعِمْرَانِيِّ الطَّرِيقَةَ الْقَاطِعَةَ إلَى أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ، وَظَهَرَ لَك أَنَّ طَرِيقَةَ الْخِلَافِ أَشْهَرُ ، وَهِيَ أَيْضًا أَظْهَرُ ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْمُقْتَضِي 323 لِإِلْحَاقِ ذَلِكَ بِالْفَوَاكِهِ أَقْوَى مِنْ الْفَارِقِ الَّذِي ذَكَرَ لِلَّتِي قَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي الْفَوَاكِهِ عَلَى الْجَوَازِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ ذَلِكَ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ ، بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ لَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَالَةِ الْجَفَافِ ، وَنُصُوصُهُ عَلَى الْمَنْعِ هُنَاكَ وَهُنَا صَرِيحَةٌ لَا تَحْتَمِلُ ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الصَّحِيحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَنْعَ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ ، وَهُوَ مُقْتَضَى إيرَادِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الْجَوَازَ ، مِنْهُمْ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ وَالْمُرْشِدِ . وَقَالَ الْإِمَامُ : إنَّهُ الْقِيَاسُ .
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ : وَهَذَا أَظْهَرُ عِنْدِي وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ صَحَّحَ قَوْلَ الْمَنْعِ هُنَاكَ فَهُوَ مُصَحِّحٌ لَهُ هُنَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَذِكْرُ مَنْ جَزَمَ بِذَلِكَ أَيْضًا . وَهَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هَؤُلَاءِ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ الصَّرِيحِ كَمَا عَلِمْتَ وَهُوَ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ أَيْضًا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ بِالثَّمَرَةِ } وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ مَضْبُوطٌ هَكَذَا بِالْهَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَالثَّمَرَةُ اسْمٌ عَامٌّ يَشْمَلُ مَا لَهُ جَفَافٌ وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ ، يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ ، كَبَيْعِ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ . قَوْلُهُ " { إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ } " وَيَبْقَى فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ، وَأَيْضًا الْوَصْفُ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً وَهُوَ قَوْلُهُ " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ ؟ " وَلَا شَكَّ أَنَّ النُّقْصَانَ مَوْجُودٌ فِيمَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ وَفِيمَا لَا يَجِيءُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّسَاوِي فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ . وَأَمَّا كَوْنُنَا نَتَحَيَّزُ إلَى التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ إلَى أَشْرَفِ حَالَاتِهِ وَأَكْمَلِهَا وَهُوَ حَالَةُ الْجَفَافِ ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِيمَا لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ ، فَهُوَ - وَإِنْ كَانَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ - لَكِنَّهُ - عَلَى مُعَارَضَةِ الظَّاهِرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْعُمُومِ وَمِنْ الْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( التَّفْرِيعُ ) لَوْ جُفِّفَ هَذَا النَّوْعُ عَلَى نُدُورٍ ( إنْ قُلْنَا ) بِالْجَوَازِ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ فَهَلْ يَجُوزُ أَيْضًا فِي حَالِ الْجَفَافِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( وَجْهُ ) الْمَنْعِ أَنَّ الرُّطُوبَةَ فِي هَذَا النَّوْعِ هِيَ الْكَمَالُ وَالْجَفَافُ غَيْرُ مُعْتَادٍ أَصْلًا ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالْمَنْعِ وَهُوَ 324 الصَّحِيحُ فَفِي حَالِ الْجَفَافِ أَيْضًا وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) الْمَنْعُ . فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهُ حَالَةُ كَمَالٍ . وَالْبَيْعُ الَّذِي نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِيهِ نَعْتَمِدُ حَالَةَ الْكَمَالِ ، فَبِإِمْكَانِ الْجَافِّ وَجَرَيَانِهِ أَخْرَجَ حَالَةَ الرُّطُوبَةِ عَنْ الْكَمَالِ وَعَدَمُ عُمُومِ ذَلِكَ أَخْرَجَ حَالَةَ الْيُبُوسَةِ عَنْ الْكَمَالِ وَكُلٌّ مِنْ الْخِلَافَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ، يَعْنِي ( الْمَنْعَ ) رَطْبًا وَيَابِسًا ( وَالْجَوَازَ ) رَطْبًا وَيَابِسًا . قَالَ فِي الْغَايَةِ مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ : وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالْمَنْعُ رَطْبًا فَقَطْ ، وَعَكْسُهُ ، لَكِنَّهُ فَرَضَهَا فِي الرَّطْبِ الَّذِي لَوْ جُفِّفَ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ انْتِفَاعٌ يُحْتَفَلُ بِهِ ، فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي كُلِّ بَيْعٍ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصُورَةِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَقِلَّ مَنْفَعَتُهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : لَا يُحْتَفَلُ بِهَا ( أَمَّا ) لَوْ وَصَلَ إلَى حَالَةٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَصْلًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ إلَّا الْقَوْلَانِ الْأَصْلِيَّانِ أَنْ يُبَاعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَوْ لَا يُبَاعُ أَصْلًا وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفَوَاكِهِ ، وَحَكَى الْإِمَامُ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ( الْأَوَّلُ ) وَقَالَ : إنَّهُ لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ إلَى الرَّابِعِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا ، وَالْفَارِقُ مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّ الرُّطَبَ لَمْ يُعْتَدْ فِيهِ الْجَفَافُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مُعْتَادٌ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، وَكَتَبَ هُنَاكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ جَزَمُوا بِالْجَوَازِ فِي حَالَةِ الْجَفَافِ ( وَأَمَّا ) هُنَا فِي الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ فَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا الْفَرْعِ غَيْرَ الْإِمَامِ وَعُذْرُهُمْ فِي السُّكُوتِ عَنْهُ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي رُطَبٍ لَا يَصِيرُ تَمْرًا ، فَإِنْ فُرِضَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَأَنَّ الرُّطَبَ يَيْبَسُ ، وَصَارَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ تُقَابَلُ بِالْأَعْوَاضِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَإِنْ مَنَعْنَا بَيْعَ رَطْبِهِ بِرَطْبِهِ لِانْتِفَاءِ النُّقْصَانِ الَّذِي أَشَارَ الْحَدِيثُ إلَى أَنَّهُ عِلَّةُ الْمَنْعِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث