المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
( قَاعِدَةٌ ) الْأَصْلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ بِجِنْسِهَا أَوْ مَا يُشَارِكُهَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا التَّحْرِيمُ ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهِ ، وَهَذَا الْأَصْلُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَلَا الْوَرِقَ 21 بِالْوَرِقِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ } " لَفْظُ مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ . وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ " { سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، عَيْنًا بِعَيْنٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى } " لَفْظُ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَمِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " { الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَا وَهَا } " الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ " الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ ، وَمَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ ، إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ } " لَفْظُ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ . وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ صَدَّرَهُ بِالنَّهْيِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَدَّرَهُ بِالْحُكْمِ عَلَى ذَلِكَ بِالرِّبَا ثُمَّ اسْتَثْنَى وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَهُوَ بَقِيَّةُ حَدِيثِ عُبَادَةَ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، وَالْمَشْرُوطُ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ نَافِعَةٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الرِّبَا ، كَمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ ، وَالْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ وَتَعَارُضِ الْمَأْخَذِ إذَا تَسَاوَتْ يَجِبُ الْحُكْمُ بِالتَّحْرِيمِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأُمِّ بِأَنَّ الْأَصْلَ ذَلِكَ وَيُخَالِفُنَا فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْجَوَازُ لِانْدِرَاجِهِ فِي جُمْلَةِ الْبَيْعِ ، وَيَجْعَلُونَ عُقُودَ الرِّبَا وَسَائِرَ مَا نَهَى عَنْهُ مُخْرَجًا مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ ، وَيُؤَوَّلُ تَحْقِيقُ بِحَثِّهِمْ إلَى أَنَّ عَقْدَ الرِّبَا اشْتَمَلَ عَلَى وَصْفٍ مُفْسِدٍ فَهُوَ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ الَّتِي اقْتَرَنَ بِهَا مَا يُفْسِدُهَا ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِنَقْلِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ عِنْدَ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخِلَافِيِّينَ الشَّرِيفُ الْمَرَاغِيّ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَغَيْرُهُمْ ، قَالُوا : وَاللَّفْظُ الْمُرَاعَى : الْأَصْلُ عِنْدَنَا فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ التَّحْرِيمُ ، وَالْجَوَازُ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِهِ رُخْصَةً مُقَيَّدَةً بِشُرُوطٍ ، وَعِنْدَهُمْ الْأَصْلُ الْجَوَازُ ، وَالتَّحْرِيمُ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِهِ عِنْدَ الْمُفَاضَلَةِ . وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ عَنْ أَبِي الْمُطَهَّرِ خَطِيبِ أَصْفَهَانَ قَالَ : قَالَ لَنَا 22 الْمُنْذِرِيُّ : الْأَصْلُ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ حَظْرُ الْبَيْعِ حَتَّى يَتَّجِهَ تَحْقِيقُ التَّمَاثُلِ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأَصْلُ إبَاحَةُ الْبَيْعِ حَتَّى يَمْنَعَهُ حَقِيقَةُ التَّفَاضُلِ ، وَمَا قُلْنَاهُ أَصَحُّ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْأَصْلِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ الطُّرْطُوشِيُّ وَابْنُهُ فِي كَلَامِهِ ، وَقَدْ رَأَيْتُ مَا هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي كُتُبِهِمْ ، وَتَحْقِيقُهُ عِنْدَهُمْ مَا قَدَّمْتُهُ ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ يَظْهَرُ نَفْعُهَا فِي مَوَاضِعَ سَأُنَبِّهُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى بَعْضِهَا . ( فَإِنْ قُلْتَ ) كَيْفَ تَسْتَقِيمُ دَعْوَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ؟ وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كَلَامِهِ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } وَأَنَّ أَظْهَرَ مَعَانِيهَا عِنْدَهُ أَنَّهَا عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ بَيْعٍ وَتَقْتَضِي إبَاحَةَ جَمِيعِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ ذِكْرُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَصَحُّهَا عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ ، وَعَقْدُ الرِّبَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْبُيُوعِ ، فَيَكُونُ الْأَصْلُ فِيهِ الْجَوَازَ كَمَا تَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ ، وَمَا خَرَجَ مِنْهَا بِالتَّخْصِيصِ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ .
( قُلْتُ ) مُسَلَّمٌ أَنَّ الْآيَةَ شَمِلَتْ دَلَالَتُهَا كُلَّ بَيْعٍ ، وَأُخْرِجَ مِنْهَا عُقُودُ الرِّبَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ " الْحَدِيثُ وَنَظَائِرُهُ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ( { وَحَرَّمَ الرِّبَا } ) إنْ صَحَّ الِاسْتِدْلَال مِنْهُ لِمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَصَارَ هَذَا أَصْلًا ثَابِتًا أَخَصَّ مِنْ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالرِّبَوِيَّاتِ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ أَحْوَالٌ وَهُوَ مَا إذَا حَصَلَ الْمُسَاوَاةُ وَالْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ . وَالْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ خَاصَّةً فِي الْجِنْسَيْنِ . فَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَظَرَ إلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ . وَهُوَ إبَاحَةُ الْبُيُوعِ وَجَعَلَ صُورَةَ الْمُفَاضَلَةِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ مُخْرَجَةً مِنْهُ . وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَظَرَ إلَى الْأَصْلِ الثَّانِي الْقَرِيبِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ كُلِّهَا ثُمَّ جَعَلَ حَالَةَ التَّمَاثُلِ مُخْرَجَةً مِنْهُ . وَالْحَنَفِيَّةُ يُنَازِعُونَ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ الثَّانِي وَيَقُولُونَ : إنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ } " وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ هَذِهِ الصِّيَغِ فِي مَعْنًى . وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأُمِّ بِأَنَّ أَصْلَ الْبُيُوعِ كُلِّهَا مُبَاحٌ إلَّا مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، كُلُّ ذَلِكَ وَاحِدٌ ، ثُمَّ تَارَةً يَجْعَلُونَ الْمَقْصُودَ فَسَادَ الْبَيْعِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ ، قَالَ 23 هَؤُلَاءِ : لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُفِيدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَصِيرُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى وَكُلُّهُمْ يَحُومُونَ عَلَى جَعْلِ الْمَعْنَى كَلَامًا وَاحِدًا ، وَلِذَلِكَ يَبْنُونَ كَلَامَهُمْ فِي بَابِ الرِّبَا عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى } " رَوَاهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَمْ يَأْتِ فِي هَذَا اللَّفْظِ صِيغَةُ نَهْيٍ وَاسْتِثْنَاءٍ ، فَكَانَ الْمَعْنَى الْحُكْمَ بِإِيجَابِ الْمُمَاثَلَةِ ، قَالُوا : وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ بِدُونِ مَحِلِّهِ ، وَمَحِلُّهُ الْمُمَاثَلَةُ ، وَهُوَ الْقَابِلُ لَهَا ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْكَيْلِ إجْمَاعًا . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ كُلًّا مِنْ خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ وَخَبَرِ عُبَادَةَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْإِثْبَاتِ فَقَطْ ، وَوَرَدَ بِلَفْظِ النَّهْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ ، وَأَلْفَاظُهُمَا بِذَلِكَ كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا ، وَاللَّفْظُ الَّذِي فِيهِ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ فِيهِ زِيَادَةٌ ، عَلَى مَا فِيهِ إثْبَاتٌ فَقَطْ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ النَّهْيَ وَالِاسْتِثْنَاءَ فِي مَعْنَى كَلَامٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ النَّهْيُ عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى فَقَطْ ، وَإِيجَابُ الْمُسْتَثْنَى فَقَطْ مَمْنُوعٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِمَا ، وَفِيهِمَا تَعْطِيلٌ لِبَعْضِ مَدْلُولِ الْكَلَامِ ، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا فَمَنْ أَتْقَنَهَا وَأَتْقَنَ تَحْقِيقَ الْعِلَّةِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ ، وَهَلْ الْجِنْسُ وَصْفٌ فِي الْعِلَّةِ أَوْ شَرْطٌ فِيهَا أَوْ مَحَلٌّ لَهَا ؟ وَحَقَّقَ النَّظَرَ فِي الْأَجْنَاسِ ، فَقَدْ أَحَاطَ عِلْمًا بِجَمِيعِ أُصُولِ هَذَا الْبَابِ ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَأَمْعَنْت الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، وَلَكِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيمَا ذَكَرْتُهُ كِفَايَةٌ ، وَسَوْفَ أَعُودُ إلَيْهَا عِنْدَ الْكَلَامِ فِي اعْتِبَارِ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَسَأُنَبِّهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشَرْتُ إلَيْهِمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحِلِّهِمَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَائِدَةٌ ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ . وَلِلشَّافِعِيِّ أَقْوَالٌ أُخَرُ تَقَدَّمَ نَقْلُهَا فِي الْمَجْمُوعِ . وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ آخَرُ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَمْ تَتَقَدَّمْ حِكَايَتُهُ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُنَبِّهَ عَلَيْهِ . وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْآيَةِ مِنْ قَبِيلِ الْعُمُومِ الَّذِي لَا خُصُوصَ فِيهِ وَلَا يَدْخُلُهُ الْخُصُوصُ لِأَنَّهُ لَا بَيْعَ إلَّا وَهُوَ حَلَالٌ . 24 وَهَؤُلَاءِ يَمْنَعُونَ تَسْمِيَةَ شَيْءٍ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ بَيْعًا ، وَيَقُولُونَ : إنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ الِاسْمِ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ إلَّا مَجَازًا . حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ . فَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى لِلْحَنَفِيَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا يَدَّعُونَهُ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
( قُلْتُ ) مُسَلَّمٌ أَنَّ الْآيَةَ شَمِلَتْ دَلَالَتُهَا كُلَّ بَيْعٍ ، وَأُخْرِجَ مِنْهَا عُقُودُ الرِّبَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ " الْحَدِيثُ وَنَظَائِرُهُ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ( { وَحَرَّمَ الرِّبَا } ) إنْ صَحَّ الِاسْتِدْلَال مِنْهُ لِمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَصَارَ هَذَا أَصْلًا ثَابِتًا أَخَصَّ مِنْ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالرِّبَوِيَّاتِ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ أَحْوَالٌ وَهُوَ مَا إذَا حَصَلَ الْمُسَاوَاةُ وَالْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ . وَالْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ خَاصَّةً فِي الْجِنْسَيْنِ . فَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَظَرَ إلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ . وَهُوَ إبَاحَةُ الْبُيُوعِ وَجَعَلَ صُورَةَ الْمُفَاضَلَةِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ مُخْرَجَةً مِنْهُ . وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَظَرَ إلَى الْأَصْلِ الثَّانِي الْقَرِيبِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ فِي الرِّبَوِيَّاتِ كُلِّهَا ثُمَّ جَعَلَ حَالَةَ التَّمَاثُلِ مُخْرَجَةً مِنْهُ . وَالْحَنَفِيَّةُ يُنَازِعُونَ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ الثَّانِي وَيَقُولُونَ : إنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ } " وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ هَذِهِ الصِّيَغِ فِي مَعْنًى . وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأُمِّ بِأَنَّ أَصْلَ الْبُيُوعِ كُلِّهَا مُبَاحٌ إلَّا مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، كُلُّ ذَلِكَ وَاحِدٌ ، ثُمَّ تَارَةً يَجْعَلُونَ الْمَقْصُودَ فَسَادَ الْبَيْعِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ ، قَالَ 23 هَؤُلَاءِ : لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُفِيدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَصِيرُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى وَكُلُّهُمْ يَحُومُونَ عَلَى جَعْلِ الْمَعْنَى كَلَامًا وَاحِدًا ، وَلِذَلِكَ يَبْنُونَ كَلَامَهُمْ فِي بَابِ الرِّبَا عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى } " رَوَاهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَمْ يَأْتِ فِي هَذَا اللَّفْظِ صِيغَةُ نَهْيٍ وَاسْتِثْنَاءٍ ، فَكَانَ الْمَعْنَى الْحُكْمَ بِإِيجَابِ الْمُمَاثَلَةِ ، قَالُوا : وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ بِدُونِ مَحِلِّهِ ، وَمَحِلُّهُ الْمُمَاثَلَةُ ، وَهُوَ الْقَابِلُ لَهَا ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْكَيْلِ إجْمَاعًا . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ كُلًّا مِنْ خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ وَخَبَرِ عُبَادَةَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْإِثْبَاتِ فَقَطْ ، وَوَرَدَ بِلَفْظِ النَّهْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ ، وَأَلْفَاظُهُمَا بِذَلِكَ كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا ، وَاللَّفْظُ الَّذِي فِيهِ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ فِيهِ زِيَادَةٌ ، عَلَى مَا فِيهِ إثْبَاتٌ فَقَطْ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ النَّهْيَ وَالِاسْتِثْنَاءَ فِي مَعْنَى كَلَامٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ النَّهْيُ عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى فَقَطْ ، وَإِيجَابُ الْمُسْتَثْنَى فَقَطْ مَمْنُوعٌ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِمَا ، وَفِيهِمَا تَعْطِيلٌ لِبَعْضِ مَدْلُولِ الْكَلَامِ ، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا فَمَنْ أَتْقَنَهَا وَأَتْقَنَ تَحْقِيقَ الْعِلَّةِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ ، وَهَلْ الْجِنْسُ وَصْفٌ فِي الْعِلَّةِ أَوْ شَرْطٌ فِيهَا أَوْ مَحَلٌّ لَهَا ؟ وَحَقَّقَ النَّظَرَ فِي الْأَجْنَاسِ ، فَقَدْ أَحَاطَ عِلْمًا بِجَمِيعِ أُصُولِ هَذَا الْبَابِ ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ لَأَمْعَنْت الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، وَلَكِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيمَا ذَكَرْتُهُ كِفَايَةٌ ، وَسَوْفَ أَعُودُ إلَيْهَا عِنْدَ الْكَلَامِ فِي اعْتِبَارِ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَسَأُنَبِّهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشَرْتُ إلَيْهِمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحِلِّهِمَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَائِدَةٌ ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ . وَلِلشَّافِعِيِّ أَقْوَالٌ أُخَرُ تَقَدَّمَ نَقْلُهَا فِي الْمَجْمُوعِ . وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ آخَرُ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَمْ تَتَقَدَّمْ حِكَايَتُهُ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُنَبِّهَ عَلَيْهِ . وَهُوَ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْآيَةِ مِنْ قَبِيلِ الْعُمُومِ الَّذِي لَا خُصُوصَ فِيهِ وَلَا يَدْخُلُهُ الْخُصُوصُ لِأَنَّهُ لَا بَيْعَ إلَّا وَهُوَ حَلَالٌ . 24 وَهَؤُلَاءِ يَمْنَعُونَ تَسْمِيَةَ شَيْءٍ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ بَيْعًا ، وَيَقُولُونَ : إنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ الِاسْمِ يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ إلَّا مَجَازًا . حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ . فَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى لِلْحَنَفِيَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا يَدَّعُونَهُ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith