المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
page 434 · printed p. 398 · commentary
فَرْعٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ اتَّفَقَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنْ سُنَّتَهُمَا تَحْصُلُ بِالْجَمْعِ وَالْفَصْلِ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى الْعُضْوَيْنِ ، وَاخْتَلَفَ نَصُّهُ وَاخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ الْكَيْفِيَّتَيْنِ فَنَصَّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ أَنَّ الْجَمْعَ أَفْضَلُ ، وَنَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّ الْفَصْلَ أَفْضَلُ ، وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : الْقَوْلُ بِالْجَمْعِ أَكْثَرُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَيْضًا أَكْثَرُ فِي الْأَحَادِيثِ ، بَلْ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ 398 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَأَنَّهُ صَحِيحٌ وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { ۝ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { ۝ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ } وَفِي رِوَايَةٍ { ۝ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ فَأَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ تَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ } " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ فِي الْجَمْعِ . وَأَمَّا الْفَصْلُ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ .
هَذَا بَيَانُ الْأَحَادِيثِ وَنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَمَّا الْأَصْحَابُ فَجُمْهُورُهُمْ حَكَوْا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ : ( أَحَدُهُمَا ) الْجَمْعُ أَفْضَلُ .
( وَالثَّانِي ) الْفَصْلُ أَفْضَلُ ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُ طَرِيقًا آخَرَ وَهُوَ الْقَطْعُ بِتَفْضِيلِ الْفَصْلِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَنُصُوصَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بَيَانُ الْجَوَازِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ كَمَا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الَّذِينَ حَكَوْا قَوْلَيْنِ فَاخْتَلَفُوا فِي أَصَحِّهِمَا ، فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَكَثِيرُونَ الْفَصْلَ ، وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْجَمْعَ ، هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَالصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ وَلَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْفَصْلِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ ، فَكَيْفَ إذَا عَارَضَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ ؟ ، . 399 الثَّانِي ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَصْلِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّ ثُمَّ اسْتَنْشَقَ وَلَمْ يَخْلِطْهُمَا . قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ .
( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ ، وَهَذَا جَوَابٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ هَذَا كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّ لَفْظَهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد قَالَ : " { ۝ دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَرَأَيْته يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ } " وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، فَحَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ . وَأَمَّا مَا تَأَوَّلَهُ الْآخَرُونَ مِنْ حَمْلِ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ وَنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ فَفَاسِدٌ ; لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْجَمْعِ كَثِيرَةٌ مِنْ جِهَاتٍ عَدِيدَةٍ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَرِوَايَةُ الْفَصْلِ وَاحِدَةٌ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ ، وَهَذَا لَا يُنَاسَبُ بَيَانَ الْجَوَازِ فِي الْجَمْعِ ، فَإِنَّ بَيَانَ الْجَوَازِ يَكُونُ فِي مَرَّةٍ وَنَحْوِهَا وَيُدَاوِمُ عَلَى الْأَفْضَلِ ، وَالْأَمْرُ هُنَا بِالْعَكْسِ ، فَحُصِّلَ أَنَّ الصَّحِيحَ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، يَأْخُذُ غُرْفَةً يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثُمَّ يَأْخُذُ غُرْفَةً ثَانِيَةً يَفْعَلُ بِهَا كَذَلِكَ ، ثُمَّ ثَالِثَةً كَذَلِكَ ، وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ وَاخْتِيَارُ أَبِي يَعْقُوبَ الْأَبِيوَرْدِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ ، وَاتَّفَقَ الْمُصَنِّفُونَ عَلَى تَصْحِيحِهِ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ نَصْرٌ وَغَيْرُهُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَجْمَعُ بِغُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَعَلَى هَذَا فِي كَيْفِيَّتِهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَخْلِطُ الْمَضْمَضَةَ بِالِاسْتِنْشَاقِ فَيُمَضْمِضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثُمَّ يُمَضْمِضُ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِنَا بِغُرْفَةٍ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَخْلِطُ بَلْ يَتَمَضْمَضُ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ نَقَلَهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ : قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يَخْلِطُ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْغُرْفَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا فِي حُكْمِ عُضْوٍ وَاحِدٍ ، وَقَطَعَ أَصْحَابُ الْقَفَّالِ بِتَرْكِ الْخَلْطِ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَكَذَا صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ ، وَتَصْحِيحُهُ هُوَ الظَّاهِرُ ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّهَارَةِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى عُضْوٍ حَتَّى يَفْرُغَ مَا قَبْلَهُ .
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْفَصْلِ فَفِيهَا وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) بِسِتِّ غَرَفَاتٍ يَتَمَضْمَضُ 400 بِثَلَاثٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِثَلَاثٍ .
( وَالثَّانِي ) بِغُرْفَتَيْنِ يَتَمَضْمَضُ بِإِحْدَاهُمَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِالثَّانِيَةِ ثَلَاثًا ، وَهَذَا الثَّانِي أَصَحُّ ، صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ : ( الصَّحِيحُ ) تَفْضِيلُ الْجَمْعِ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ .
( وَالثَّانِي ) بِغُرْفَةٍ بِلَا خَلْطٍ .
( وَالثَّالِثُ ) بِغُرْفَةٍ مِنْ الْخَلْطِ .
( وَالرَّابِعُ ) الْفَصْلُ بِغُرْفَتَيْنِ .
( وَالْخَامِسُ ) بِسِتِّ غَرَفَاتٍ ، وَهُوَ أَضْعَفُهَا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith