المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
( الشَّرْحُ ) : أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ، وَهِيَ إذَا كَاثَرَهُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَيَصِيرُ طَاهِرًا مُطَهِّرًا بِلَا خِلَافٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا ، قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ; 188 لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا } فَلَوْ فَرَّقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ التَّفْرِيقُ ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ قُلَّتَانِ مُتَفَرِّقَتَانِ نَجِسَتَانِ فَجَمَعَهُمَا ، وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِمَا ، صَارَتَا طَاهِرَتَيْنِ ، فَإِنْ فُرِّقَتَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُمَا عَلَى طَهُورِيَّتِهِمَا ، كَمَا لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ فِي قُلَّتَيْنِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُمَا ، ثُمَّ فُرِّقَتَا فَإِنَّهُمَا عَلَى الطَّهُورِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ ، هَذَا مَذْهَبُنَا .
وَقَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ : إذَا جَمَعَ الْقُلَّتَيْنِ النَّجِسَتَيْنِ لَمْ تَطْهُرَا ; لِأَنَّ النَّجِسَتَيْنِ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا طَاهِرٌ ، كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ ، وَدَلِيلُنَا : حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ ، وَيُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً وَغَايَةً إذَا وَصَلَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ نَجَاسَةٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا كُوثِرَ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهَلْ يَطْهُرُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ دَلِيلَهُمَا ، وَهِمَا مَشْهُورَانِ ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ يَطْهُرُ ، وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ شَيْخُهُمْ أَبُو حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ : لَا يَطْهُرُ ، وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إنْ صَحَّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ قَوْلُهُ الطَّهَارَةُ ، فَهُوَ مِنْ هَفَوَاتِهِ ، إذْ لَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ ، قَالَ : فَلَا يَتَمَارَى فِي فَسَادِهِ وَكَذَا صَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ ، وَسَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ : هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ عَصْرِ الثَّوْبِ النَّجِسِ إذَا غُسِلَ ، قَالُوا : وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْمَاءَ الْوَارِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ مُزِيلٌ لَهَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ مَاءٍ نَجَسٌ ، وَالْوَجْهَانِ فِي الْعَصْرِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْغُسَالَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغَسْلِ طَاهِرَةٌ أَمْ لَا ؟ . وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا بِالتَّغَيُّرِ فَكَاثَرَهُ فَزَالَ التَّغَيُّرُ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، ثُمَّ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ وَارِدًا عَلَى الْمَاءِ النَّجِسِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا وَأَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ النَّجِسِ ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ لَمْ 189 يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ ، صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ : ( وَيَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ ) وَنُبِّهَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ ; ( لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لِلْمَاءِ الَّذِي غَمَرَهُ ) وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ ثُمَّ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ ، وَبِهِ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ : أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوَارِدِ سَبْعَةَ أَضْعَافِ النَّجِسِ ، وَهَذَا شَاذٌّ وَغَلَطٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ ، وَيُظَنَّ غَفْلَتُنَا عَنْهُ . وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ وَجْهٍ لَنَا شَاذٍّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ النَّجَاسَةُ سَبْعَةَ أَمْثَالِهَا ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَنُوَضِّحُ ضَعْفَهُ وَبُطْلَانَهُ .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ : فَإِنْ قِيلَ : حَيْثُ حَكَمْتُمْ بِطَهَارَةِ هَذَا الْمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولُوا إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَاثَرَهُ بِهِ أَنْ يَطْهُرَ الْمَاءُ وَالْإِنَاءُ ، يَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ : قُلْنَا : مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : يَطْهُرُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا : أَنَّهُ إذَا كُوثِرَ الْمَاءُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ . وَذَكَرْنَا أَنَّهُ سَوَاءٌ كُوثِرَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ ، وَلَوْ كُوثِرَ الْمَاءُ النَّجِسُ بِبَوْلٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ أَوْ عَرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَاءٍ فَبَلَغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ ، وَطَرِيقُهُ فِي طَهَارَتِهِ بَعْدَ هَذَا : أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ ، حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ طَاهِرًا كَانَ الْمُضَافُ أَوْ نَجِسًا ، وَلَوْ كُوثِرَ النَّجِسُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ . أَحَدُهُمَا : يَكُونُ الْجَمِيعُ نَجِسًا ; لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ كَالْمَائِعِ فَصَارَ كَالْعَرَقِ ، وَأَصَحُّهُمَا : يَصِيرُ الْجَمِيعُ مُطَهِّرًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا } ، وَهَذَا كُلُّهُ مَاءٌ وَقَدْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ ، وَبَنَى الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي الْوَجْهَيْنِ : عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ هَلْ يَعُودُ طَهُورًا ؟ إنْ قُلْنَا : نَعَمْ ، فَهَذَا طَهُورٌ ، وَإِلَّا فَنَجِسٌ ، وَلَوْ كُوثِرَ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ الَّذِي كَانَ بِالزَّعْفَرَانِ فَهُوَ طَهُورٌ ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ نَجَاسَةٌ لَمْ تُنَجِّسْهُ ، قَالَ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ : وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ قُلَّتَانِ إلَّا كُوزًا فَصَبَّ عَلَيْهِ كُوزَ مَاءٍ مُتَغَيِّرٍ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَنْجَسْ ، فَهَذَا تَحْقِيقُ مَذْهَبِنَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
190 وَأَمَّا مَا يَخْتَرِعُهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةَ وَيَقُولُ : إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ إلَّا كُوزًا فَكَمَّلَهُ بِبَوْلٍ طَهُرَ ، فَبُهْتَانٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَيْخُ الْأَصْحَابِ : إذَا كَمَّلَهُ بِبَوْلٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أُخْرَى ، فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الشَّافِعِيِّينَ .
وَقَالَ : وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْكُونَ عَنَّا مَا لَيْسَ مَذْهَبًا لَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ ، وَهُنَا وَرَدَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَنْجَسْ ، فَفِيهِ بَيَانُ قَاعِدَةٍ لَنَا مَعْرُوفَةٍ ، وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَخَذَهَا أَصْحَابُنَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ الْقَاعِدَةِ ، وَسَنُعِيدُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَنَا وَجْهٌ : أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ إذَا أُورِدَ عَلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ غَسْلِهِ لَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ بَلْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ ، وَهَذَا الْقَائِلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ ، وَسَنُوَضِّحُهُ مَعَ الْقَاعِدَةِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَقَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ : إذَا جَمَعَ الْقُلَّتَيْنِ النَّجِسَتَيْنِ لَمْ تَطْهُرَا ; لِأَنَّ النَّجِسَتَيْنِ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا طَاهِرٌ ، كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ ، وَدَلِيلُنَا : حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ ، وَيُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً وَغَايَةً إذَا وَصَلَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ نَجَاسَةٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا كُوثِرَ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهَلْ يَطْهُرُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ دَلِيلَهُمَا ، وَهِمَا مَشْهُورَانِ ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ يَطْهُرُ ، وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ شَيْخُهُمْ أَبُو حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ : لَا يَطْهُرُ ، وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إنْ صَحَّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ قَوْلُهُ الطَّهَارَةُ ، فَهُوَ مِنْ هَفَوَاتِهِ ، إذْ لَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ ، قَالَ : فَلَا يَتَمَارَى فِي فَسَادِهِ وَكَذَا صَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ ، وَسَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ : هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ عَصْرِ الثَّوْبِ النَّجِسِ إذَا غُسِلَ ، قَالُوا : وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْمَاءَ الْوَارِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ مُزِيلٌ لَهَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ مَاءٍ نَجَسٌ ، وَالْوَجْهَانِ فِي الْعَصْرِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْغُسَالَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغَسْلِ طَاهِرَةٌ أَمْ لَا ؟ . وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا بِالتَّغَيُّرِ فَكَاثَرَهُ فَزَالَ التَّغَيُّرُ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، ثُمَّ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ وَارِدًا عَلَى الْمَاءِ النَّجِسِ ، وَأَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا وَأَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ النَّجِسِ ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ لَمْ 189 يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ ، صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ : ( وَيَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ ) وَنُبِّهَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ ; ( لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لِلْمَاءِ الَّذِي غَمَرَهُ ) وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ ثُمَّ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ ، وَبِهِ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ : أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوَارِدِ سَبْعَةَ أَضْعَافِ النَّجِسِ ، وَهَذَا شَاذٌّ وَغَلَطٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ ، وَيُظَنَّ غَفْلَتُنَا عَنْهُ . وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ وَجْهٍ لَنَا شَاذٍّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ النَّجَاسَةُ سَبْعَةَ أَمْثَالِهَا ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَنُوَضِّحُ ضَعْفَهُ وَبُطْلَانَهُ .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ : فَإِنْ قِيلَ : حَيْثُ حَكَمْتُمْ بِطَهَارَةِ هَذَا الْمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولُوا إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَاثَرَهُ بِهِ أَنْ يَطْهُرَ الْمَاءُ وَالْإِنَاءُ ، يَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ : قُلْنَا : مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : يَطْهُرُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا : أَنَّهُ إذَا كُوثِرَ الْمَاءُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ . وَذَكَرْنَا أَنَّهُ سَوَاءٌ كُوثِرَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ ، وَلَوْ كُوثِرَ الْمَاءُ النَّجِسُ بِبَوْلٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ أَوْ عَرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَاءٍ فَبَلَغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ ، وَطَرِيقُهُ فِي طَهَارَتِهِ بَعْدَ هَذَا : أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ ، حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ طَاهِرًا كَانَ الْمُضَافُ أَوْ نَجِسًا ، وَلَوْ كُوثِرَ النَّجِسُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ . أَحَدُهُمَا : يَكُونُ الْجَمِيعُ نَجِسًا ; لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ كَالْمَائِعِ فَصَارَ كَالْعَرَقِ ، وَأَصَحُّهُمَا : يَصِيرُ الْجَمِيعُ مُطَهِّرًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا } ، وَهَذَا كُلُّهُ مَاءٌ وَقَدْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ ، وَبَنَى الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي الْوَجْهَيْنِ : عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ هَلْ يَعُودُ طَهُورًا ؟ إنْ قُلْنَا : نَعَمْ ، فَهَذَا طَهُورٌ ، وَإِلَّا فَنَجِسٌ ، وَلَوْ كُوثِرَ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ الَّذِي كَانَ بِالزَّعْفَرَانِ فَهُوَ طَهُورٌ ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ نَجَاسَةٌ لَمْ تُنَجِّسْهُ ، قَالَ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ : وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ قُلَّتَانِ إلَّا كُوزًا فَصَبَّ عَلَيْهِ كُوزَ مَاءٍ مُتَغَيِّرٍ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَنْجَسْ ، فَهَذَا تَحْقِيقُ مَذْهَبِنَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
190 وَأَمَّا مَا يَخْتَرِعُهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةَ وَيَقُولُ : إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ إلَّا كُوزًا فَكَمَّلَهُ بِبَوْلٍ طَهُرَ ، فَبُهْتَانٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَيْخُ الْأَصْحَابِ : إذَا كَمَّلَهُ بِبَوْلٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أُخْرَى ، فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الشَّافِعِيِّينَ .
وَقَالَ : وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْكُونَ عَنَّا مَا لَيْسَ مَذْهَبًا لَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ ، وَهُنَا وَرَدَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَنْجَسْ ، فَفِيهِ بَيَانُ قَاعِدَةٍ لَنَا مَعْرُوفَةٍ ، وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَخَذَهَا أَصْحَابُنَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ الْقَاعِدَةِ ، وَسَنُعِيدُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَنَا وَجْهٌ : أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ إذَا أُورِدَ عَلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ غَسْلِهِ لَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ بَلْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ ، وَهَذَا الْقَائِلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ ، وَسَنُوَضِّحُهُ مَعَ الْقَاعِدَةِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith