993 · ص942 · ج2
خصوص طريق بعينه. وهنا أمور تدل عليه: منها أن مثله لا مجال للرأي فيه فوجب كونه سماعاً، وكذا إن قلنا العبرة في تعارض الوصل والوقف والإرسال للواصل بعد كونه ثقة لا للأحفظ ولا غيره، مع أنه قد صح تصحيح نفس ابن عيينة له في ضمن حكاية حكاها أبو بكر الدينوري. فبجميع ما ذكرنا لا يشك بعد في صحة هذا الحديث سواء كان على اعتباره موصولاً من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-، أو حكماً بصحة المرسل لمجيئه من وجه آخر، أو حكماً بأنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بسبب أنه مما لا يدرك بالرأي. وأعني بالمرسل ذلك الموقوف على مجاهد بناء على أنه إذا كان لا مجال للرأي فيه بمنزلة قول مجاهد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وأيضاً فإن الحديث معروف عن عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر. فقد ثبت حسنه من هذا الطريق، فإذا انضم إليه ما قدمناه حكم بصحته. ١ وقال ابن حجر: ومرتبة هذا الحديث عند الحفاظ باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به علي ما عرف من قواعد أئمة الحديث. ٢ وقال السخاوي: حديث مجاهد، عن ابن عباس: رواه الحميدي، وابن أبي عمر وغيرهما من الحفاظ كسعيد بن منصور عن ابن عيينة بدون ابن عباس فهو مرسل، وإن لم يصرح فيه أكثرهم بالرفع لكن مثله لا يقال بالرأي، وأحسن من هذا كله عند شيخنا ـــــ أي ابن حجر ــــ ما أخرجه الفاكهي من رواية ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه قال: لما حج معاوية فحججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا فقال: انزع لي منها دلو يا غلام، قال: فنزع له منه دلوا فأتى به فشرب وصب على وجهه ورأسه وهو يقول: زمزم شفاء، وهي لما شرب له، بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفاً، وأفرد فيه جزءاً، واستشهد له في موضع آخر بحديث أبي ذر رفعه: إنها طعام طعم وشفاء سقم، وأصله في مسلم وهذا اللفظ عند الطيالسي قال ــــ أي ابن حجر ــــ ومرتبة هذا الحديث أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به، وقد جربه جماعة من الكبار فذكروا أنه صح، بل صححه من المتقدمين ابن عيينة، ومن المتأخرين الدمياطي في جزء جمعه فيه، والمنذري، وضعفه النووي. ٣ ٤ قلت: لكن ضعفه النووي من طريق ابن المبارك، عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر، عن جابر. وقال السيوطي: أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بسند جيد والخطيب في التاريخ بسند صححه الدمياطي، وصححه أيضاً المنقري، وضعفه النووي، وحسنه ابن حجر لوروده من طرق عن جابر. ٥ وقال السيوطي أيضاً: أخْرُج هَذَا الحَدِيث الْحَاكِم، وَصَححهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب، وَابْن حبَان وَمن الْمُتَقَدِّمين ابن عُيَيْنَة وَمن الْمُتَأَخِّرين الْحَافِظ ابن حجر واشتهر عَن الشَّافِعِي أنه شربه للرمي فَكَانَ يُصِيب من كل عشرَة تِسْعَة، وأفردت فضائلها بالتأليف كَذَا ذكره شَيخنَا عَابِد السندي فِي حَاشِيَة الدّرّ إنْجَاح مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ هَذَا الحَدِيث مَشْهُور على الْأَلْسِنَة كثيراً وَاخْتلف الْحفاظ فِيهِ فَمنهمْ
١ يُنظر "فتح القدير" لابن الهمام ٢/ ٥١٩، "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري" للقسطلاني ٣/ ١٨٠.
٢ يُنظر "جزء فيه الجواب عن حال الحديث المشهور في ماء زمزم لما شُرب له" صفحة ٢١.
٣ يُنظر المقاصد الحسنة" للسخاوي ٢/ ٣٥٧.
٤ يُنظر "المجموع" للنووي ٨/ ٢٦٧.
٥ يُنظر "الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" للسيوطي ١/ ١٧٣.
994 · ص943 · ج2
من صَححهُ وَمِنْهُم من حسنه وَمِنْهُم من ضعفه وَالْمُعْتَمد الأول. ١ وقال أبو عبد الله القادري الحسيني الفاسي: صحيح وقال ذلك القسطلاني أيضاً. ٢ وقال المناوي: هذا الحديث فيه خلاف طويل وتأليفات مفردة قال ابن القيم: والحق أنه حسن وجَزْم البعض بصحته والبعض بوضعه مجازفة. وقال ابن حجر: غريب حسن بشواهده. ٣ قلت: ولابن حجر جزء قد أفرده في تخريج حديث "ماء زمزم لما شُرب له" فمن رام المزيد فليراجعه مشكوراً.
وأما الحديث بالوجه الثاني ــــ المرجوح ــــ فإسناده منكر وذلك لمخالفة الضعيف وتفرده.
خامساً: النظر في كلام المُصَنِف:
قال الطبراني رحمه الله: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ.
قلت: وقال البيهقي أيضاً: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ. ٤
قلت: وليس كما قالا عليهما من الله الرحمة والرضوان فلم يتفرد به عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ عَن أَبِي الزُّبَيْرِ. بل تابعه حَمْزَة الزَّيَّات، وإِبْرَاهِيم بْن طَهْمَان كما بينت قبل ذلك.
قلت: قال ابن التركماني، وابن الملقن: لم ينفرد به عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ بل تابعه إبراهيم بن طهمان عن أبى الزبير كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد في باب الرخصة في الخروج بماء زمزم. ٥
سادساً: التعليق علي الحديث:
قال الحكيم الترمذي رحمه الله: زمزم سقيا الله وغياثه لولد خَلِيله إِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام فَبَقيَ غياثاً لمن بعده فِي كل نائبة إِن شربت لمَرض شفيت، وَإِن شربت لغم فرج عَنْك، وَإِن شربت لحَاجَة استعنت، وَإِن شربت لنائبة صلحت لِأَن أَصله من الرَّحْمَة بدا غياثاً فلأي شَيْء شربه الْمُؤمن وجد غوث ذَلِك الْأَمر. ٦
وقال النووي رحمه الله: روينا عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَاءُ زمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ" وهذا مما عَمِلَ العلماءُ والأخيارُ به، فشربُوه لمطالبَ لهم جليلةٍ فنالوها. قال العلماء: فيُستحبّ لمن شربَه للمغفرة، أو للشفاء من مرضٍ ونحو ذلك أن يقول عند شربه: اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ" اللَّهُمَّ وإني أشْرَبُهُ لِتَغْفِرَ لي وَلِتَفْعَلَ بي كَذَا وكَذَا، فاغْفِرْ لي أوِ افْعَلْ، أو: اللَّهُمَّ إني أشْرَبُهُ مُسْتَشْفِياً بِهِ فَاشْفِني، ونحو هذا، والله أعلم. ٧
١ يُنظر "شرح سنن ابن ماجه" للسيوطي ١/ ٢٢٠.
٢ يُنظر "إزالة الدهش والوله عن المتحير في صحة حديث ماء زمزم لما شرب له" ١/ ١٤١.
٣ يُنظر فيض القدير" للمناوي ٥/ ٤٠٤.
٤ يُنظر "السنن الكبري" للبيهقي ٥/ ٢٤١.
٥ يُنظر "الجوهر النقي على سنن البيهقي" ٥/ ١٤٨، "البدر المنير" لابن الملقن ٦/ ٣٠٠.
٦ يُنظر "نوادر الأصول في أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- " ٢/ ٢٢٢.
٧ يُنظر "الأذكار" للنووي ١/ ٣٨٤.