663 · ص700 · ج2
وأخرج مسلم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنه، أنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنَّ أُمِّي ماتَت، وعليها صومُ شهرٍ، أفَأقضِيه عنها؟ فقال: «لو كانَ على أَمِّك دَيْنٌ، أكُنتَ قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدَيْنُ الله أحَقُّ أن يُقضَى» ١.
فهذان -كالحديثِ السَّابق- تَوَهَّم (الكرديُّ) ٢ و (جمال البنَّا) ٣ مِن كلامٍ للشَّاطبي ٤ أنَّ مالكًا يُعِلُّهما، لمنافاتِهما للأصلِ القرآنيِّ الكُليِّ: {أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: ٣٨].
وبالرُّجوعِ إلى كلامِ مالكٍ نفسِه، نجده يذكر في هذا الباب بَلاغًا عن ابنِ عمر رضي الله عنه سُئِل فيه: هل يَصوم أحَدٌ عن أحَدٍ، أو يُصَلِّي أحَدٌ عن أحَدٍ؟ فقال: «لا يَصومُ أحَدٌ عن أحَدٍ، ولا يُصلِّي أحَدٌ عن أحدٍ» ٥؛ فقال مَالك: «وَهذا أمرٌ مُجتَمع عليه عندنا» ٦.
فأين ذِكرُ حديثِ عائشة أو ابن عبَّاسٍ في كلامِ مالكٍ؟! غايةُ ما في النَّص
١ رواه مسلم في (ك: الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم: ١١٤٨).
٢ «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/٥٨).
٣ «تجريد البخاري وسلم» (ص/١٨)، وزاد البنَّا أنَّ أحمد بن حنبل استنكره أيضًا، ونقل ذلك عن الذَّهبي في «أعلام النبلاء» (٦/ ١٠) قال: « .. وقد قال أحمد بن حنبل مرَّة -يعني في عبيد الله بن أبي جعفر راوي حديث عائشة هذا-: ليس بالقوي، واستنكر له حديثًا ثابتًا في (الصَّحيحين) في مَن مات وعليه صوم، صام عنه وليه» اهـ.
قلت: عبيد الله بن أبي جعفر جمهور النُّقاد على توثيقه، وأحمد نفسُه ورد عنه توثيقه كما في «العلل ومعرفة الرجال» برواية المروذي (١/ ٦٤).
أما عن نسبة استنكار الحديث إلى أحمد فهي غريبة! والمعروف عن أحمد تصحيحه إيَّاه كما في «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ١٤٦٣)، على أنه قد صرفه عن إطلاقه إلى صوم النذر كما نقله عنه أبو داود في «السنن» (٢/ ٣١٥) وغيره.
٤ «الموافقات» للشاطبي (٣/ ١٩٨).
٥ «الموطأ» برواية يحيى الليثي (ص/٣٠٣).
٦ التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٩/ ٢٧).