← المكتبة ▭ صفحة واحدة
ابن حزم وموقفه من الإلهيات عرض ونقد
أحمد بن ناصر الحمد العقيدة
A− A+
359 · ص365
فمجىء الله تعالى وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ونزوله كل ليلة كما في الحديث كل ذلك حقيقة من غير أن يلزم فعله ما يلزم المخلوق، إذا فعل مثل ذلك، فالله تعالى يفعل ما ذكر ولا يخلو منه العرش، ولا يكون شيئا من مخلوقاته عاليا عليه فهو بائن من جميع خلقه عال عليهم ومحيط بهم وهو مستو على عرشه تعالى وتقدس. وفي ثبوت اختلاف الليل في البلاد ودوام استواء الله على عرشه إبطال لحمل النزول على نحو نزول الخلق. ومن أول النزول أو غيره من صفات الله تعالى وأفعاله خوفا مما يلزم ذلك بالنسبة للخلق إذا فعلوا مثل ذلك أو اتصفوا به، فقد أخطأ حيث ظن أن أفعال الله تعالى وصفاته كأفعال خلقه وصفاتهم، فشبه الله بخلقه فوقع فيما فر منه وجمع بين التعطيل والتشبيه. وسلف الأمة وأئمتها يعلمون أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة أو وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك أنه ثابت له على ما يليق به فلا يشبه شيئا من صفات خلقه كما لا تشبه ذاته تعالى ذواتهم. ثم إن في صفات الخلق ما يختلف بعضها عن بعض، فيكون من بعضها ما لا يكون من الآخر، كما في حركة أرواح الآدميين والملائكة فالروح توصف بما يستحيل اتصاف البدن به. فإذا كان هذا في المخلوقات فكيف يستحيل اتصاف الله تعالى بما هو مستحيل بالنسبة للخلق. يقول ابن تيمية: "وإذا قيل الصعود والنزول والمجىء والإِتيان أنواع جنس الحركة قيل: والحركة أيضا أصناف مختلفة فليست حركة
360 · ص366
الروح كحركة البدن ولا حركة الملائكة كحركة البدن. والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز ويراد بها أمور أخرى. كما يقول كثير من الطبائعية والفلاسفة منها الحركة في الكم كحركة النمو، والحركة في الكيف كحركة الإِنسان من جهل إلى علم، وحركة اللون والثياب من سواد إلى بياض. والحركة في الأين كالحركة تكون بالأجسام النامية من النبات والحيوان في النمو والزيادة، أو في الذبول والنقصان وليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز" ١. وحيث تبين أن الاختلاف يقع فيما هو داخل تحت مسمى واحد في المخلوقات لكل منها بحسبه. وعلى هذا فإن ما يوصف به الرب تبارك وتعالى يناسب عظمته وكماله فصفاته أكمل وأعلى وأتم من كل ما يتصف به خلقه، إذ هو واهب الكمال ومبدعه فلا يكون سواه أتم فيه منه. وقد ذكر سبحانه وتعالى في كتابه وجاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ما يدل على قربه من عباده مع أنه مستو على عرشه لكمال قدرته وإحاطة علمه سبحانه فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء يقول سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} ٢. ويقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ٣. وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي
١ شرح حديث النزول ص (٩٨)، وانظر ص (٨٢)، من نفس المرجع. ٢ سورة آل عمران: آية (٥). ٣ سورة البقرة: آية (١٨٦).