151 · ص153
ولابد إذ عدم الاشتباه، والاختلاف بين الموجودين محال.
وعلى حال الاشتباه فقد ثبت لهما معان اشتبها فيها كالوجود والفعل وكونهما لم يزالا، ولا يجوز كون هذه الصفات ليست غيرهما لأنها صفات عمتهما فإن كان الاشتباه هو هما فهما شيء واحد.
وعلى حال الاختلاف بينهما وأن كلا منهما غير الآخر فإن كان هذا الاختلاف فيهما هو غيرهما فههنا ثالث وهكذا أيضًا أبدًا، وإن كان الاشتباه هو هما والاختلاف هو هما فالاشتباه هو الاختلاف وهذا محال، إذ لابد من معنى في المختلف ليس اشتباهًا لأنه لا يجوز أن يكون الشيئان مشتبهين بالاختلاف. فإذا ثبت هذا فلابد من اشتباه أو اختلاف هو معنى غيرهما فهو ثالث. وإذا لزم فيهم ثلاثتهم مثل ما لزم في الاثنين من التشابه والاختلاف وهكذا، وهذا يوجب التركيب في كل واحد منهما من ذاته ومن المعنى الذي به أشبه الآخر أوخالفه والمركب محدث فهما محدثان لغيرهما ولابد، وإن ثبت التركيب لواحد منهما فقط وكان الآخر هو الفاعل له فقد عاد الأمر إلى واحد غير مركب ولابد ضرورة.
ثم إن ما كان أكثر من واحد فهو واقع تحت جنس العدد فهو نوع من أنواعه، والنوع مركب من الجنس والفصل فهو ذو موضوع ومحمول والمركب مع المركب من باب المضاف، وأما الواحد فليس عددًا، لأن العدد مركب من واحد يراد به الفرد وواحد كذلك، وواحد كذلك إلى نهاية العدد المنطوق به، فخاصته أن يوجد عدد آخر مساو له وعدد آخر ليس مساويًا له هذا شيء لا يخلو منه عدد أصلًا فالعدد ليس هو الواحد وهو ليس العدد وإنما العدد مركب من الآحاد التي هي الأفراد.
152 · ص154
فالله واحد لم يزل إذ لو لم يكن كذلك لكان من جملة العالم تعالى الله عن ذلك، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ١، وقال تعالى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ٢ ٣.
ذكرنا في نقد استدلال ابن حزم على وجود الله تعالى أنه تأثر بيعقوب بن إسحق الكندي وبينا هناك ما رأيناه دالًا على ما قلنا.
وهنا عند استدلاله على الوحدانية نرى أيضًا أنه لم يذهب بعيدًا عما ذهب إليه الكندي في الاستدلال على الوحدانية فنجد أن استدلال ابن حزم على الوحدانية مبنى على القواعد التي بنى عليها الكندي دليله إلا أن الأول أعطى استدلاله شيئًا من البسط والتوضيح. ولتوضيح هذا نقدم ملخصًا لدليل الكندي هو:
أن محدث العالم سبحانه واحد لا شريك له ولا تركب في ذاته، ولو فرض أن العالم مخلوق لأكثر من إله لكانوا مركبين من صفة تعمهم ومن صفة أوصفات تميز كلًا منهم، والتسليم بوجود الصفات تسليم بوجود الكثرة في كل إله فيجب أن نقف على العلة في وجود التركيب في كل إله، ولو فرض وجود علة وجب البحث عن علة لهذه العلة وهكذا دواليك ولا يمكن الانتقال في سلسلة العلل فيجب الوقوف عند حد. فيلزمنا القول بوجود إله برىء من كل كثرة أو
١ سورة الشورى آية (١١).
٢ سورة الإِخلاص آية (٤).
٣ انظر الفصل لابن حزم جـ ١ ص ٤٤ - ٤٦، ٥٣، ٦٤. والمحلى له جـ ١ ص ٥.