111 · ص112
عهده وكان من حظ الأندلس أن دامت خلافته خمسين سنة. ١
ثم جاء بعده ابنه الحكم وهو أعلم الأمويين وأحكمهم على الإطلاق وقد سار على نهج أبيه وأخاف خصومه فعقدوا معه المعاهدات فتفرغ لتنشيط الحركة العلمية - وكان قد بدأ ازدهارها في عهد أبيه - فكان يكلف بعض أتباعه استنساخ كل الكتب القيمة - قديمة كانت أو حديثة - في سائر مدن الشرق يقول عنه ابن حزم: "كان رفيقًا بالرعية محبًا في العلم. ملأ الأندلس بجميع كتب العلم وأخبرني تليد الفتى وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربعة وأربعون فهرسة في كل فهرسة خمسون ٢ ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط". ٣
ويقول ابن خلدون: "وكان يبعث في شراء الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار ويرسل إليهم الأموال لشرائها حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه وبعث في كتاب "الأغاني" إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني وكان نسبه في بني أمية وأرسل إليه فيه بألف دينار من الذهب العين فبعث إليه بنسخة منه قبل أن يخرج إلى العراق وكذلك
١ انظر ابن حزم الأندلسى للدكتور زكريا إبراهيم ص ١٤. وابن حزم الأندلسي ورسالة المفاضلة بين الصحابة لسعيد الأفغاني ص ١٠.
٢ روى ابن خلدون عن ابن حزم أن في كل فهرسة "عشرون ورقة" وكذلك المقرى. وأرى أن ما ورد في جمهرة أنساب العرب وهو "خمسون" أصح لكونها نص كلام ابن حزم في كتابه.
انظر: العبر لابن خلدون ج ٤ ص ١٤٦ ونفح الطيب ج ١ ص ٣٧١.
٣ جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ١٠٠.
112 · ص113
فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري. ١ المالكي في شرحه لمختصر بن عبد الحكم ٢ وأمثال ذلك وجمع في داره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والاجادة في التجليد فأوعى ٣ من ذلك كله واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده". ٤
ويذكر بعض المؤرخين مبلغ اهتمامه بجمع الكتب الكثيرة والنفيسة حتى قيل إنها تبلغ أربعمائة ألف مجلد وأنهم لا نقلوها أقاموا ستة أشهر في نقلها. فبالطبع لا يأتي هذا الحرص إلا من عالم ذي غرام بالعلم فهو بحق كان في المعرفة بالرجال والأخبار والأنساب أحوذيًا نسيج وحده يؤكد هذا أنه قلما يوجد كتاب من خزائنه الكثيرة إلا وله فيه قراءة أو نظر في أي فن كان ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته ويأتي من بعد ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده لعنايته بهذا الشأن. ٥
١ هو محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح أبو بكر التميمى الأبهرى شيخ المالكية في العراق له تصانيف في لضرح مذهب الإمام مالك والرد على مخالفيه منها الأصول، وإجماع أهل المدينة وشرح المختصر الكبير والصغير لابن الحكم. انظر ترتيب المدارك جـ ٣ ص ٣٦٦. وشذرات الذهب ج ٣ ص ٨٥، ٨٦ والأعلام ج ٦ ص ٢٢٥.
٢ هو عبد الله بن عبد الحكم. وبلغ بنوا الحكم بمصر من الجاه والتقدم ما لم يبلغه أحد. وكان لعبد الله مؤلفات منها المختصر الكبير والأوسط والصغير انظر ترتيب المدارك ج ٣ ص ٣٦٤ - ٣٦٦.
٣ يقال وعاه يعيه أي حفظه وجمعه. انظر القاموس ج ٤ ص ٤٠٥.
٤ العبر لابن خلدون جـ ٤ ص ١٤٦. وانظر نفح الطيب ج ١ ص ٣٦٢.
٥ انظر نفح الطيب للمقرى ج ١ ص ٣٧١، ٣٧٢.