بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 211 · printed p. 187
[ الْفَصْلُ الثَّانِي ]
[ عَدَدُ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ ]
وَأَمَّا عَدَدُ عَزَائِمِ سُجُودِ الْقُرْآنِ : فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً ، لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ . وَقَالَ أَصْحَابُهُ :
أَوَّلُهَا : خَاتِمَةُ الْأَعْرَافِ .
وَثَانِيهَا : فِي الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ) .
وَثَالِثُهَا : فِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) .
وَرَابِعُهَا : فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) .
وَخَامِسُهَا : فِي مَرْيَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ) .
وَسَادِسُهَا : الْأُولَى مِنَ الْحَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ) .
وَسَابِعُهَا : فِي الْفُرْقَانِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَزَادَهُمْ نُفُورًا ) .
وَثَامِنُهَا : فِي النَّمْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) .
وَتَاسِعُهَا : فِي ( الم تَنْزِيلُ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ) .
وَعَاشِرُهَا : فِي ( ص ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ) .
وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فِي ( حم تَنْزِيلٌ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) وَقِيلَ : عِنْدَ قَوْلِهِ : ( وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ) .
187 وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً : ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي الْمُفَصَّلِ : فِي الِانْشِقَاقِ ، وَفِي النَّجْمِ ، وَفِي ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) . وَلَمْ يَرَ فِي ( ص ) سَجْدَةً لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : هِيَ خَمْسَةَ عَشْرَةَ سَجْدَةً ، أَثْبَتَ فِيهَا الثَّانِيَةَ مِنَ الْحَجِّ ، وَسَجْدَةَ ( ص ) .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَجْدَةً ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَهِيَ كُلُّ سَجْدَةٍ جَاءَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ : اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَذَاهِبِ الَّتِي اعْتَمَدُوهَا فِي تَصْحِيحِ عَدَدِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ الْقِيَاسَ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ السَّمَاعَ .
أَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا الْعَمَلَ فَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ .
وَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا الْقِيَاسَ فَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : وَجَدْنَا السَّجَدَاتِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا جَاءَتْ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ ، وَهِيَ : سَجْدَةُ الْأَعْرَافِ وَالنَّحْلِ وَالرَّعْدِ وَالْإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ وَأَوَّلِ الْحَجِّ وَالْفَرْقَانِ وَالنَّمْلِ وَالم تَنْزِيلُ ، فَوَجَبَ أَنْ تَلْحَقَ بِهَا سَائِرُ السَّجَدَاتِ الَّتِي جَاءَتْ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ ، وَهِيَ الَّتِي فِي ( ص ) وَفِي ( الِانْشِقَاقِ ) ، وَيَسْقُطُ ثَلَاثَةٌ جَاءَتْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَهِيَ : الَّتِي فِي ( وَالنَّجْمِ ) وَفِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْحَجِّ وَفِي ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) .
وَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا السَّمَاعَ فَإِنَّهُمْ صَارُوا إِلَى مَا ثَبَتَ ۝ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ سُجُودِهِ فِي الِانْشِقَاقِ وَفِي ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) وَفِي ( وَالنَّجْمِ ) خَرَّجَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَحْمَدُ كَمْ فِي الْحَجِّ مِنْ سَجْدَةٍ ؟ قَالَ سَجْدَتَانِ . وَصَحَّحَ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ أَنَّهُ قَالَ : " فِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ " . وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ . قَالَ الْقَاضِي : خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ : فَإِنَّهُ إِنَّمَا صَارَ إِلَى إِسْقَاطِ سَجْدَةِ ( ص ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : " ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَرَأَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ آيَةَ السُّجُودِ مِنْ سُورَةِ ( ص ) فَنَزَلَ وَسَجَدَ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ ، وَلَكِنْ رَأَيْتُكُمْ تُشِيرُونَ لِلسُّجُودِ فَنَزَلْتُ فَسَجَدْتُ " . وَفِي هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْحُجَّةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ بِوُجُوبِ السُّجُودِ ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ تَرْكَ السُّجُودِ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ بِعِلَّةٍ انْتَفَتْ فِي غَيْرِهَا مِنَ السَّجَدَاتِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الَّتِي انْتَفَتْ عَنْهَا الْعِلَّةُ بِخِلَافِ الَّتِي ثَبَتَتْ لَهَا الْعِلَّةُ ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَجْوِيزِ دَلِيلِ الْخِطَابِ .
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ بِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ : " ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ " . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُوَ مُنْكَرٌ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَى سُجُودَهُ فِي الْمُفَصَّلِ لَمْ يَصْحَبْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِلَّا بِالْمَدِينَةِ . وَقَدْ رَوَى الثِّقَاتُ عَنْهُ : ۝ " أَنَّهُ سَجَدَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي ( وَالنَّجْمِ ) " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith