تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) )
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو نُوحٍ قُرَادٌ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَصْحَابِهِ ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَنَيِّفٍ ، وَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُمْ أَلْفٌ وَزِيَادَةٌ ، فَاسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ ، وَعَلَيْهِ رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَيْنَ مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا ، قَالَ : فَمَا زَالَ يَسْتَغِيثُ رَبَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] وَيَدْعُوهُ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَرَدَّاهُ ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) فَلَمَّا كَانَ يَوْمَئِذٍ وَالْتَقَوْا ، فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا وَأُسِرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا وَعُمَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَؤُلَاءِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةُ وَالْإِخْوَانُ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمُ الْفِدْيَةَ ، فَيَكُونَ مَا أَخَذْنَاهُ مِنْهُمْ قُوَّةً لَنَا عَلَى الْكُفَّارِ ، وَعَسَى أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ فَيَكُونُوا لَنَا عَضُدًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : وَاللَّهِ مَا أَرَى مَا رَأَى أَبُو بَكْرٍ ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ - قَرِيبٍ لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمَكِّنَ حَمْزَةَ مِنْ فُلَانٍ - أَخِيهِ - فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنْ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ ، هَؤُلَاءِ صَنَادِيدُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ ، فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ - قَالَ عُمَرُ - غَدَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَهُمَا يَبْكِيَانِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، [ أَخْبِرْنِي ] مَا يُبْكِيكَ أَنْتَ وَصَاحِبَكَ ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا ! قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ ، قَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) 19 إِلَى قَوْلِهِ : ( لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ ) [ الْأَنْفَالِ : 67 ، 68 ] مِنَ الْفِدَاءِ ، ثُمَّ أَحَلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمَ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، عُوقِبُوا مِمَّا صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ ، وَفَرَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ ، وَسَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 165 ] بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ . .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، بِهِ . وَصَحَّحَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَا لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ الْيَمَانِيِّ .
وَهَكَذَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ والْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ قَوْلَهُ : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ] ) أَنَّهَا فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ يُثَيْعٍ ، والسُّدِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ، جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاشِدُ رَبَّهُ أَشَدَّ النِّشْدَةِ يَدْعُو ، فَأَتَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَعْضَ نِشْدَتِكَ ، فَوَاللَّهِ لَيَفِيَنَّ اللَّهُ لَكَ بِمَا وَعَدَكَ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " كِتَابِ الْمَغَازِي " ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مُخَارقٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبُهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ : أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى : ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ) [ الْمَائِدَةِ : 24 ] وَلَكِنْ نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ - يَعْنِي قَوْلَهُ .
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ : اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ ، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ ، فَقَالَ : حَسْبُكَ ! فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) [ الْقَمَرِ : 45 ] .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيِّ .
20 وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) أَيْ : يُرْدِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، كَمَا قَالَ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مُرْدِفِينَ ) مُتَتَابِعِينَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ [ يَكُونَ ] الْمُرَادُ ) مُرْدِفِينَ ) لَكُمْ ، أَيْ : نَجْدَةً لَكُمْ ، كَمَا قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مُرْدِفيِنَ ) يَقُولُ : الْمَدَدَ ، كَمَا تَقُولُ : ائْتِ الرَّجُلَ فَزِدْهُ كَذَا وَكَذَا .
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَابْنُ كَثِيرٍ الْقَارِئُ ، وَابْنُ زَيْدٍ : ( مُرْدِفِينَ ) مُمَدِّينَ .
وَقَالَ أَبُو كُدَيْنةَ ، عَنْ قَابُوسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) قَالَ : وَرَاءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ .
وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : ( مُرْدِفِينَ ) قَالَ : بَعْضُهُمْ عَلَى أَثَرِ بَعْضٍ . وَكَذَا قَالَ أَبُو ظِبْيَانَ ، وَالضَّحَّاكُ ، وقَتَادَةُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ ، عَنِ الزَّمْعِيِّ ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَنْ مَيْمَنَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَنَزَلَ مِيكَائِيلُ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا فِي الْمَيْسَرَةِ .
وَهَذَا يَقْتَضِي - لَوْ صَحَّ إِسْنَادُهُ - أَنَّ الْأَلْفَ مُرْدَفَةٌ بِمِثْلِهَا ؛ وَلِهَذَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ : مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدَّالِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْمَشْهُورُ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَأَمَدَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، فَكَانَ جِبْرِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُجَنَّبَةً ، وَمِيكَائِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنَّبَةً .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، وَمُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ سِمَاكِ بْنِ وَلِيدٍ الْحَنَفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ ، الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ . ثُمَّ قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ ، وَصَوْتُ الْفَارِسِ يَقُولُ : " أَقْدِمْ حَيْزُومُ " إِذْ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ ، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا قَالَ : فَنَظَرَ إِلَيْهِ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقْتَ ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : " بَابُ شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ بَدْرًا " : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ - قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ 21 إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ ؟ قَالَ : مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - قَالَ : وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ ، وَاللَّهُ [ تَعَالَى ] أَعْلَمُ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ لَمَّا شَاوَرَهُ فِي قَتْلِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ : إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ .
قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى [ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ] ) الْآيَةَ ، أَيْ : وَمَا جَعَلَ اللَّهُ بَعْثَ الْمَلَائِكَةِ وَإِعْلَامَهُ إِيَّاكُمْ بِهِمْ إِلَّا بُشْرَى ، ( وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) ؛ وَإِلَّا فَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى نَصْرِكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ بِدُونِ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) [ مُحَمَّدٍ : 4 - 6 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 140 ، 141 ] فَهَذِهِ حِكَمٌ شَرَعَ اللَّهُ جِهَادَ الْكُفَّارِ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ لِأَجْلِهَا ، وَقَدْ كَانَ تَعَالَى إِنَّمَا يُعَاقِبُ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ الْمُكَذِّبَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالْقَوَارِعِ الَّتِي تَعُمُّ تِلْكَ الْأُمَّةَ الْمُكَذِّبَةَ ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ بِالطُّوفَانِ ، وَعَادًا الْأُولَى بِالدَّبُورِ ، وَثَمُودَ بِالصَّيْحَةِ ، وَقَوْمَ لُوطٍ بِالْخَسْفِ وَالْقَلْبِ وَحِجَارَةِ السِّجِّيلِ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ بِيَوْمِ الظُّلَّةِ ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ بِالْغَرَقِ فِي الْيَمِّ ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَى مُوسَى التَّوْرَاةَ ، شَرَعَ فِيهَا قِتَالَ الْكُفَّارِ ، وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي بَقِيَّةِ الشَّرَائِعِ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ [ لِلنَّاسِ ] ) [ الْقَصَصِ : 43 ] وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِينَ الْكَافِرِينَ أَشَدُّ إِهَانَةً لِلْكَافِرِينَ ، وَأَشْفَى لِصُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ : ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ] ) [ التَّوْبَةِ : 14 ، 15 ] ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَتْلُ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ بِأَيْدِي أَعْدَائِهِمُ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ بِأَعْيُنِ ازْدِرَائِهِمْ - أَنَكَى لَهُمْ وَأَشْفَى لِصُدُورِ حِزْبِ الْإِيمَانِ . فَقَتْلُ أَبِي جَهْلٍ فِي مَعْرَكَةِ الْقِتَالِ وَحَوْمَةِ الْوَغَى ، أَشَدُّ إِهَانَةً لَهُ مِنْ أَنْ 22 يَمُوتُ عَلَى فِرَاشِهِ بِقَارِعَةٍ أَوْ صَاعِقَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، كَمَا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِالْعَدَسَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَقْرَبْهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَإِنَّمَا غَسَّلُوهُ بِالْمَاءِ قَذْفًا مِنْ بَعِيدٍ ، وَرَجَمُوهُ حَتَّى دَفَنُوهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) أَيْ : لَهُ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ] ) [ غَافِرِ : 51 ، 52 ] ) حَكِيمٌ ) فِيمَا شَرَعَهُ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى دَمَارِهِمْ وَإِهْلَاكِهِمْ ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو نُوحٍ قُرَادٌ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَصْحَابِهِ ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَنَيِّفٍ ، وَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُمْ أَلْفٌ وَزِيَادَةٌ ، فَاسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ ، وَعَلَيْهِ رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَيْنَ مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا ، قَالَ : فَمَا زَالَ يَسْتَغِيثُ رَبَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] وَيَدْعُوهُ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَرَدَّاهُ ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) فَلَمَّا كَانَ يَوْمَئِذٍ وَالْتَقَوْا ، فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا وَأُسِرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا وَعُمَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَؤُلَاءِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةُ وَالْإِخْوَانُ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمُ الْفِدْيَةَ ، فَيَكُونَ مَا أَخَذْنَاهُ مِنْهُمْ قُوَّةً لَنَا عَلَى الْكُفَّارِ ، وَعَسَى أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ فَيَكُونُوا لَنَا عَضُدًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : وَاللَّهِ مَا أَرَى مَا رَأَى أَبُو بَكْرٍ ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ - قَرِيبٍ لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمَكِّنَ حَمْزَةَ مِنْ فُلَانٍ - أَخِيهِ - فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنْ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ ، هَؤُلَاءِ صَنَادِيدُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ ، فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ - قَالَ عُمَرُ - غَدَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَهُمَا يَبْكِيَانِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، [ أَخْبِرْنِي ] مَا يُبْكِيكَ أَنْتَ وَصَاحِبَكَ ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا ! قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ ، قَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) 19 إِلَى قَوْلِهِ : ( لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ ) [ الْأَنْفَالِ : 67 ، 68 ] مِنَ الْفِدَاءِ ، ثُمَّ أَحَلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمَ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، عُوقِبُوا مِمَّا صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ ، وَفَرَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ ، وَسَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 165 ] بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ . .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، بِهِ . وَصَحَّحَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَا لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ الْيَمَانِيِّ .
وَهَكَذَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ والْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ قَوْلَهُ : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ] ) أَنَّهَا فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ يُثَيْعٍ ، والسُّدِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ، جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاشِدُ رَبَّهُ أَشَدَّ النِّشْدَةِ يَدْعُو ، فَأَتَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَعْضَ نِشْدَتِكَ ، فَوَاللَّهِ لَيَفِيَنَّ اللَّهُ لَكَ بِمَا وَعَدَكَ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " كِتَابِ الْمَغَازِي " ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ مُخَارقٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبُهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ : أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى : ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ) [ الْمَائِدَةِ : 24 ] وَلَكِنْ نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ - يَعْنِي قَوْلَهُ .
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ : اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ ، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ ، فَقَالَ : حَسْبُكَ ! فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) [ الْقَمَرِ : 45 ] .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيِّ .
20 وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) أَيْ : يُرْدِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، كَمَا قَالَ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مُرْدِفِينَ ) مُتَتَابِعِينَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ [ يَكُونَ ] الْمُرَادُ ) مُرْدِفِينَ ) لَكُمْ ، أَيْ : نَجْدَةً لَكُمْ ، كَمَا قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مُرْدِفيِنَ ) يَقُولُ : الْمَدَدَ ، كَمَا تَقُولُ : ائْتِ الرَّجُلَ فَزِدْهُ كَذَا وَكَذَا .
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَابْنُ كَثِيرٍ الْقَارِئُ ، وَابْنُ زَيْدٍ : ( مُرْدِفِينَ ) مُمَدِّينَ .
وَقَالَ أَبُو كُدَيْنةَ ، عَنْ قَابُوسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) قَالَ : وَرَاءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ .
وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : ( مُرْدِفِينَ ) قَالَ : بَعْضُهُمْ عَلَى أَثَرِ بَعْضٍ . وَكَذَا قَالَ أَبُو ظِبْيَانَ ، وَالضَّحَّاكُ ، وقَتَادَةُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ ، عَنِ الزَّمْعِيِّ ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَنْ مَيْمَنَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَنَزَلَ مِيكَائِيلُ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا فِي الْمَيْسَرَةِ .
وَهَذَا يَقْتَضِي - لَوْ صَحَّ إِسْنَادُهُ - أَنَّ الْأَلْفَ مُرْدَفَةٌ بِمِثْلِهَا ؛ وَلِهَذَا قَرَأَ بَعْضُهُمْ : مُرْدَفِينَ بِفَتْحِ الدَّالِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْمَشْهُورُ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَأَمَدَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، فَكَانَ جِبْرِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُجَنَّبَةً ، وَمِيكَائِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنَّبَةً .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، وَمُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ سِمَاكِ بْنِ وَلِيدٍ الْحَنَفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ ، الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ . ثُمَّ قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ ، وَصَوْتُ الْفَارِسِ يَقُولُ : " أَقْدِمْ حَيْزُومُ " إِذْ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ ، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا قَالَ : فَنَظَرَ إِلَيْهِ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : صَدَقْتَ ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : " بَابُ شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ بَدْرًا " : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ - قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ 21 إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ ؟ قَالَ : مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - قَالَ : وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ ، وَاللَّهُ [ تَعَالَى ] أَعْلَمُ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعُمَرَ لَمَّا شَاوَرَهُ فِي قَتْلِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ : إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ .
قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى [ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ] ) الْآيَةَ ، أَيْ : وَمَا جَعَلَ اللَّهُ بَعْثَ الْمَلَائِكَةِ وَإِعْلَامَهُ إِيَّاكُمْ بِهِمْ إِلَّا بُشْرَى ، ( وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) ؛ وَإِلَّا فَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى نَصْرِكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ بِدُونِ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) [ مُحَمَّدٍ : 4 - 6 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 140 ، 141 ] فَهَذِهِ حِكَمٌ شَرَعَ اللَّهُ جِهَادَ الْكُفَّارِ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ لِأَجْلِهَا ، وَقَدْ كَانَ تَعَالَى إِنَّمَا يُعَاقِبُ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ الْمُكَذِّبَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالْقَوَارِعِ الَّتِي تَعُمُّ تِلْكَ الْأُمَّةَ الْمُكَذِّبَةَ ، كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ بِالطُّوفَانِ ، وَعَادًا الْأُولَى بِالدَّبُورِ ، وَثَمُودَ بِالصَّيْحَةِ ، وَقَوْمَ لُوطٍ بِالْخَسْفِ وَالْقَلْبِ وَحِجَارَةِ السِّجِّيلِ وَقَوْمَ شُعَيْبٍ بِيَوْمِ الظُّلَّةِ ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ بِالْغَرَقِ فِي الْيَمِّ ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَى مُوسَى التَّوْرَاةَ ، شَرَعَ فِيهَا قِتَالَ الْكُفَّارِ ، وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي بَقِيَّةِ الشَّرَائِعِ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ [ لِلنَّاسِ ] ) [ الْقَصَصِ : 43 ] وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِينَ الْكَافِرِينَ أَشَدُّ إِهَانَةً لِلْكَافِرِينَ ، وَأَشْفَى لِصُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ : ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ] ) [ التَّوْبَةِ : 14 ، 15 ] ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَتْلُ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ بِأَيْدِي أَعْدَائِهِمُ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ بِأَعْيُنِ ازْدِرَائِهِمْ - أَنَكَى لَهُمْ وَأَشْفَى لِصُدُورِ حِزْبِ الْإِيمَانِ . فَقَتْلُ أَبِي جَهْلٍ فِي مَعْرَكَةِ الْقِتَالِ وَحَوْمَةِ الْوَغَى ، أَشَدُّ إِهَانَةً لَهُ مِنْ أَنْ 22 يَمُوتُ عَلَى فِرَاشِهِ بِقَارِعَةٍ أَوْ صَاعِقَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، كَمَا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِالْعَدَسَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَقْرَبْهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَإِنَّمَا غَسَّلُوهُ بِالْمَاءِ قَذْفًا مِنْ بَعِيدٍ ، وَرَجَمُوهُ حَتَّى دَفَنُوهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) أَيْ : لَهُ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ] ) [ غَافِرِ : 51 ، 52 ] ) حَكِيمٌ ) فِيمَا شَرَعَهُ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى دَمَارِهِمْ وَإِهْلَاكِهِمْ ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث