تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 595 · printed p. 23
( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ( 11 ) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ( 12 ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 13 ) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ( 14 ) )
يُذَكِّرُهُمُ اللَّهُ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ إِلْقَائِهِ النُّعَاسَ عَلَيْهِمْ ، أَمَانًا مِنْ خَوْفِهِمُ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ تَعَالَى بِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 154 ] .
قَالَ أَبُو طَلْحَةَ كُنْتُ مِمَّنْ أَصَابَهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَلَقَدْ سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِي مِرَارًا ، يَسْقُطُ وَآخُذُهُ ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ ، وَلَقَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ يَمِيدُونَ وَهُمْ تَحْتَ الْحَجَفِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ ، ۝ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ الْمِقْدَادِ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ ، وَفِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : النُّعَاسُ فِي الرَّأْسِ ، وَالنَّوْمُ فِي الْقَلْبِ . .
قُلْتُ : أَمَّا النُّعَاسُ فَقَدْ أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَأَمْرُ ذَلِكَ مَشْهُورٌ جِدًّا ، وَأَمَّا يَوْمُ بَدْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ إِنَّمَا هِيَ فِي سِيَاقِ قِصَّةِ بَدْرٍ ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ أَيْضًا وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَجِيَّةً 23 لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ شِدَّةِ الْبَأْسِ لِتَكُونَ قُلُوبُهُمْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً بِنَصْرِ اللَّهِ . وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) [ الشَّرْحِ : 5 ، 6 ] ؛ وَلِهَذَا [ جَاءَ ] فِي الصَّحِيحِ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الْعَرِيشِ مَعَ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُمَا يَدْعُوَانِ ، أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مُتَبَسِّمًا فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ ، هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الْعَرِيشِ ، وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) [ الْقَمَرِ : 45 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي : حِينَ سَارَ إِلَى بَدْرٍ - وَالْمُسْلِمُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ رَمْلَةٌ دِعْصَةٌ وَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ شَدِيدٌ ، وَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمِ الْغَيْظَ ، يُوَسْوِسُ بَيْنَهُمْ : تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ، وَقَدْ غَلَبَكُمُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ ، وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ ! فَأَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا شَدِيدًا ، فَشَرِبَ الْمُسْلِمُونَ وَتَطَهَّرُوا ، وَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ، وَانْشَفَّ الرَّمْلُ حِينَ أَصَابَهُ الْمَطَرُ وَمَشَى النَّاسُ عَلَيْهِ وَالدَّوَابُّ ، فَسَارُوا إِلَى الْقَوْمِ وَأَمَدَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُؤْمِنِينَ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، فَكَانَ جِبْرِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنِّبَةً ، وَمِيكَائِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنِّبَةً .
وَكَذَا قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ لَمَّا خَرَجُوا لِيَنْصُرُوا الْعِيرَ وَلِيُقَاتِلُوا عَنْهَا ، نَزَلُوا عَلَى الْمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَغَلَبُوا الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ . فَأَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ الظَّمَأُ ، فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ ، حَتَّى تَعَاظَمُوا ذَلِكَ فِي صُدُورِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً حَتَّى سَالَ الْوَادِي ، فَشَرِبَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَمَلَئُوا الْأَسْقِيَةَ ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ وَاغْتَسَلُوا مِنَ الْجَنَابَةِ ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ طَهُورًا ، وَثَبَّتَ الْأَقْدَامَ . وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَوْمِ رَمْلَةٌ ، فَبَعَثَ اللَّهُ الْمَطَرَ عَلَيْهَا ، فَضَرَبَهَا حَتَّى اشْتَدَّتْ ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهَا الْأَقْدَامُ .
وَنَحْوُ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ .
وَقَدْ رُوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، والزُّهْرِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّهُ طَشٌّ أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ .
وَالْمَعْرُوفُ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَارَ إِلَى بَدْرٍ ، نَزَلَ عَلَى أَدْنَى مَاءٍ هُنَاكَ أَيْ : أَوَّلِ مَاءٍ وَجَدَهُ ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا الْمَنْزِلُ الَّذِي نَزَلْتَهُ مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُجَاوِزَهُ ، أَوْ مَنْزِلٌ نَزَلْتَهُ لِلْحَرْبِ وَالْمَكِيدَةِ ؟ فَقَالَ : بَلْ مَنْزِلٌ نَزَلْتُهُ لِلْحَرْبِ وَالْمَكِيدَةِ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ ، وَلَكِنْ سِرْ بِنَا حَتَّى نَنْزِلَ عَلَى أَدْنَى مَاءٍ يَلِي الْقَوْمَ وَنُغَوِّرُ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقُلُبِ ، 24 وَنَسْتَقِي الْحِيَاضَ فَيَكُونُ لَنَا مَاءٌ وَلَيْسَ لَهُمْ مَاءٌ . فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَعَلَ كَذَلِكَ .
وَفِي مَغَازِي الْأُمَوِيِّ ۝ أَنَّ الْحُبَابَ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ وَجِبْرِيلُ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ذَلِكَ الْمَلَكُ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ : إِنَّ الرَّأْيَ مَا أَشَارَ بِهِ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] إِلَى جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ : هَلْ تَعْرِفُ هَذَا ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا كَلُّ الْمَلَائِكَةِ أَعْرِفُهُمْ ، وَإِنَّهُ مَلَكٌ وَلَيْسَ بِشَيْطَانٍ .
وَأَحْسَنُ مَا فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ صَاحِبُ " الْمَغَازِي " - رَحِمَهُ اللَّهُ - : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : ۝ بَعَثَ اللَّهُ السَّمَاءَ - وَكَانَ الْوَادِي دَهْسًا - فَأَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ مَا لَبَّدَ لَهُمُ الْأَرْضَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنَ الْمَسِيرِ ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ قَبْلَ النُّعَاسِ ، فَأَطْفَأَ بِالْمَطَرِ الْغُبَارَ ، وَتَلَبَّدَتْ بِهِ الْأَرْضُ ، وَطَابَتْ نُفُوسُهُمْ وَثَبَتَتْ بِهِ أَقْدَامُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ ، ۝ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَصَابَنَا مِنَ اللَّيْلِ طَشٌّ مِنَ الْمَطَرِ - يَعْنِي اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي صَبِيحَتِهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ - فَانْطَلَقْنَا تَحْتَ الشَّجَرِ والْحَجَفِ نَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا مِنَ الْمَطَرِ . وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو رَبَّهُ : اللَّهُمَّ إِنَّ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ ، فَلَمَّا أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ ، نَادَى : الصَّلَاةَ عِبَادَ اللَّهِ ، فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ تَحْتِ الشَّجَرِ والْحَجَفِ ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَرَّضَ عَلَى الْقِتَالِ .
وَقَوْلُهُ : ( لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) أَيْ : مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الظَّاهِرِ ( وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ) أَيْ : مِنْ وَسْوَسَةٍ أَوْ خَاطِرٍ سَيِّئٍ ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْبَاطِنِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ : ( عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ) فَهَذَا زِينَةُ الظَّاهِرِ ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ) [ الْإِنْسَانِ : 21 ] أَيْ : مُطَهِّرًا لِمَا كَانَ مِنْ غِلٍّ أَوْ حَسَدٍ أَوْ تَبَاغُضٍ ، وَهُوَ زِينَةُ الْبَاطِنِ وَطَهَارَتُهُ .
( وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ) أَيْ : بِالصَّبْرِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى مُجَالَدَةِ الْأَعْدَاءِ ، وَهُوَ شَجَاعَةُ الْبَاطِنِ ، ( وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ) وَهُوَ شَجَاعَةُ الظَّاهِرِ ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
25 وَقَوْلُهُ : ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) وَهَذِهِ نِعْمَةٌ خَفِيَّةٌ أَظْهَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ ، لِيَشْكُرُوهُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ أَنَّهُ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَبَارَكَ وَتَمَجَّدَ - أَوْحَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ أَنْزَلَهُمْ لِنَصْرِ نَبِيِّهِ وَدِينِهِ وَحِزْبِهِ الْمُؤْمِنَيْنِ ، يُوحِي إِلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَنْ يُثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَازَرُوهُمْ . وَقَالَ غَيْرُهُ : قَاتَلُوا مَعَهُمْ . وَقِيلَ : كَثَّرُوا سَوَادَهُمْ . وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَلَكَ كَانَ يَأْتِي الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ - يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ - يَقُولُونَ : وَاللَّهِ لَئِنْ حَمَلُوا عَلَيْنَا لَنَنْكَشِفَنَّ ، فَيُحَدِّثُ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِذَلِكَ ، فَتَقْوَى أَنْفُسُهُمْ . حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَهَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) أَيْ : ثَبِّتُوا أَنْتُمُ الْمُسْلِمِينَ وَقَوُّوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ عَنْ أَمْرِي لَكُمْ بِذَلِكَ ، سَأُلْقِي الرُّعْبَ وَالْمَذَلَّةَ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ، وَكَذَّبَ رَسُولِي ( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) أَيِ : اضْرِبُوا الْهَامَ فَفَلِّقُوهَا ، وَاحْتَزُّوا الرِّقَابَ فَقَطِّعُوهَا ، وَقَطِّعُوا الْأَطْرَافَ مِنْهُمْ ، وَهِيَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى : ( فَوْقَ الْأَعْنَاقِ ) فَقِيلَ : مَعْنَاهُ اضْرِبُوا الرُّءُوسَ . قَالَهُ عِكْرِمَةُ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : ( فَوْقَ الْأَعْنَاقِ ) أَيْ : عَلَى الْأَعْنَاقِ ، وَهِيَ الرِّقَابُ . قَالَهُ الضَّحَّاكُ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ .
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْشَدَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ) [ مُحَمَّدٍ : 4 ] .
وَقَالَ وَكِيعٌ ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ ، إِنَّمَا بُعِثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ وَشَدِّ الْوَثَاقِ .
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا قَدْ تَدُلُّ عَلَى ضَرْبِ الرِّقَابِ وَفَلْقِ الْهَامِ .
قُلْتُ : وَفِي مَغَازِي " الْأُمَوِيِّ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ يَمُرُّ بَيْنَ الْقَتْلَى يَوْمَ بَدْرٍ فَيَقُولُ :
نُفَلِّقُ هَامًا . . .
.
فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ : ﴿﴾ مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةٍ عَلَيْنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا ﴿﴾ 26 فَيَبْتَدِئُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَوَّلِ الْبَيْتِ ، وَيَسْتَطْعِمُ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِنْشَادَ آخِرِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُحْسِنُ إِنْشَادَ الشِّعْرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ) [ يس : 69 ] .
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : كَانَ النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوا هُمْ بِضَرْبٍ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ ، وَعَلَى الْبَنَانِ مِثْلَ سِمَةِ النَّارِ قَدِ أُحْرِقَ بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : مَعْنَاهُ : وَاضْرِبُوهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عَدُوِّكُمْ كُلَّ طَرَفٍ وَمِفْصَلٍ مِنْ أَطْرَافِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ . و " الْبَنَانُ " : جَمْعُ بَنَانَةٍ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ أَلَا لَيْتَنِي قَطَّعْتُ مِنْهُ بَنَانَةً ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَاقَيْتُهُ فِي الْبَيْتِ يَقْظَانَ حَاذِرًا ﴿﴾ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) يَعْنِي بِالْبَنَانِ : الْأَطْرَافَ . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَابْنُ جُرَيْجٍ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : الْبَنَانُ : الْأَطْرَافُ ، وَيُقَالُ : كُلُّ مِفْصَلٍ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَالضَّحَّاكُ - فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى - : كُلُّ مِفْصَلٍ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) قَالَ : اضْرِبْ مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْعَيْنَ ، وَارْمِهِ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ ، فَإِذَا أَخَذْتَهُ حَرُمَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَيْكَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فَذَكَرَ قِصَّةَ بَدْرٍ إِلَى أَنْ قَالَ - : فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : لَا تَقْتُلُوهُمْ قَتْلًا وَلَكِنْ خُذُوهُمْ أَخْذًا ، حَتَّى تُعَرِّفُوهُمُ الَّذِي صَنَعُوا مِنْ طَعْنِهِمْ فِي دِينِكُمْ ، وَرَغْبَتِهِمْ عَنِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ : ( أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) فَقُتِلَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ ، فِي تِسْعَةٍ وَسِتِّينَ رَجُلًا وَأُسِرَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَقُتِلَ صَبْرًا ، فَوَفَّى ذَلِكَ سَبْعِينَ - يَعْنِي قَتِيلًا .
وَلِذَلِكَ قَالَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) أَيْ : خَالَفُوهُمَا فَسَارُوا فِي شَقٍّ ، وَتَرَكُوا الشَّرْعَ وَالْإِيمَانَ بِهِ وَاتِّبَاعَهُ فِي شَقٍّ - وَهُوَ مَأْخُوذٌ أَيْضًا مِنْ شَقِّ الْعَصَا ، وَهُوَ جَعْلُهَا فِرْقَتَيْنِ - ( وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) أَيْ : هُوَ الطَّالِبُ الْغَالِبُ لِمَنْ خَالَفَهُ وَنَاوَأَهُ ، لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ .
( ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ) هَذَا خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ أَيْ : ذُوقُوا هَذَا الْعَذَابَ وَالنَّكَالَ فِي الدُّنْيَا ، وَاعْلَمُوا أَيْضًا أَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith