تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
page 320 · printed p. 333
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( 49 ) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ( 50 ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ( 51 ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ( 52 ) ) .
قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ) فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، حِينَ قَالُوا : ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ )
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : نَزَلَتْ فِي قَوْلِهِمْ : ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) [ الْمَائِدَةِ : 18 ] ، وَفِي قَوْلِهِمْ : ( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ) [ الْبَقَرَةَ : 111 ] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَانُوا يُقَدِّمُونَ الصِّبْيَانَ أَمَامَهُمْ فِي الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ يَؤُمُّونَهُمْ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَا ذَنْبَ لَهُمْ .
وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَأَبُو مَالِكٍ . رَوَى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ) وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا : إِنَّ أَبْنَاءَنَا تُوُفُّوا وَهُمْ لَنَا قُرْبَةٌ ، وَسَيَشْفَعُونَ لَنَا وَيُزَكُّونَنَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى ، حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتِ الْيَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيَانَهُمْ يُصَلُّونَ بِهِمْ ، وَيُقَرِّبُونَ قُرْبَانَهُمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَا خَطَايَا لَهُمْ وَلَا ذُنُوبَ . وَكَذَبُوا . قَالَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] إِنِّي لَا أُطَهِّرُ ذَا ذَنْبٍ بِآخِرَ لَا ذَنْبَ لَهُ " وَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ )
ثُمَّ قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالضَّحَّاكِ - نَحْوُ ذَلِكَ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : قَالُوا : لَيْسَ لَنَا ذُنُوبٌ ، كَمَا لَيْسَ لِأَبْنَائِنَا ذُنُوبٌ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي ذَمِّ التَّمَادُحِ وَالتَّزْكِيَةِ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : ۝ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَحْثُوَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْمُخْرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحِذَاءِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ ، فَقَالَ : " وَيْحَكَ . قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ " . ثُمَّ قَالَ : " إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا صَاحِبَهُ لَا مَحَالَةَ ، فَلْيَقُلْ : أَحْسَبُهُ كَذَا وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : مَنْ قَالَ : أَنَا مُؤْمِنٌ ، فَهُوَ كَافِرٌ . وَمَنْ قَالَ : هُوَ عَالَمٌ ، فَهُوَ جَاهِلٌ . وَمَنْ قَالَ : هُوَ فِي الْجَنَّةِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ 333 .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِرَأْيِهِ ، فَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُؤْمِنٌ ، فَهُوَ كَافِرٌ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ عَالَمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ فِي الْجَنَّةِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَحَجَّاجٌ ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : كَانَ مُعَاوِيَةُ قَلَّمَا يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَكَانَ قَلَّمَا يَكَادُ أَنْ يَدَعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِنَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : ۝ " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوٌ خَضِرٌ ، فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ " .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْهُ : " ۝ إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ " عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ بِهِ .
وَمَعْبَدٌ هَذَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُوَيْمٍ الْبَصْرِيُّ الْقَدَرِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْدُو بِدِينِهِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ وَمَا مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ ، يَلْقَى الرَّجُلَ لَيْسَ يَمْلِكُ لَهُ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا فَيَقُولُ لَهُ : وَاللَّهِ إِنَّكَ كَيْتُ وَكَيْتُ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَرْجِعَ وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ حَاجَتِهِ بِشَيْءٍ وَقَدْ أَسْخَطَ اللَّهَ . ثُمَّ قَرَأَ ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ) الْآيَةَ .
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُطَوَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) [ النَّجْمِ : 32 ] . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ) أَيْ : الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ وَغَوَامِضِهَا .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) أَيْ : وَلَا يُتْرَكُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُوَازِنُ مِقْدَارَ الْفَتِيلِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : هُوَ مَا يَكُونُ فِي شِقِّ النَّوَاةِ .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا : هُوَ مَا فَتَلْتَ بَيْنَ أَصَابِعِكَ . وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُتَقَارِبٌ .
وَقَوْلُهُ : ( انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ) أَيْ : فِي تَزْكِيَتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَقَوْلِهِمْ : ( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ) [ الْبَقَرَةِ : 111 ] وَقَوْلِهِمْ : ( لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ) [ الْبَقَرَةِ : 80 ] وَاتِّكَالِهِمْ عَلَى أَعْمَالِ آبَائِهِمُ الصَّالِحَةِ ، وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ أَنَّ أَعْمَالَ 334 الْآبَاءِ لَا تُجْزِي عَنِ الْأَبْنَاءِ شَيْئًا ، فِي قَوْلِهِ : ( تِلْكَ أُمَةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ [ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ] ) [ الْبَقَرَةِ : 141 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ) أَيْ : وَكَفَى بِصُنْعِهِمْ هَذَا كَذِبًا وَافْتِرَاءً ظَاهِرًا .
وَقَوْلُهُ : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ) أَمَّا " الْجِبْتُ " فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : " الْجِبْتُ " : السِّحْرُ ، وَ " الطَّاغُوتُ " : الشَّيْطَانُ .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، [ وَأَبِي مَالِكٍ ] وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطِيَّةَ : " الْجِبْتُ " الشَّيْطَانُ - زَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِالْحَبَشِيَّةِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا : " الْجِبْتُ " : الشِّرْكُ . وَعَنْهُ : " الْجِبْتُ " : الْأَصْنَامُ .
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ : " الْجِبْتُ " : الْكَاهِنُ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " الْجِبْتُ " : حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ : " الْجِبْتُ " : كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ .
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو نَصْرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ الْجَوْهَرِيُّ فِي كِتَابِهِ " الصِّحَاحِ " : " الْجِبْتُ " كَلِمَةٌ تَقَعُ عَلَى الصَّنَمِ وَالْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَفِي الْحَدِيثِ : ۝ " الطِّيَرَةُ وَالْعِيَافَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ " قَالَ : وَهَذَا لَيْسَ مِنْ مَحْضِ الْعَرَبِيَّةِ ، لِاجْتِمَاعِ الْجِيمِ وَالتَّاءِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ حَرْفٍ ذَوْلَقِيٍّ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا ، عَوْفٌ عَنْ حَيَّانَ أَبِي الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ قَبِيصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ - وَهُوَ قَبِيصَةُ بْنُ مُخَارِقٍ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ إِنَّ الْعِيَافَةَ وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ الْجِبْتِ " وَقَالَ عَوْفٌ : " الْعِيَافَةُ " : زَجْرُ الطَّيْرِ ، وَ " الطَّرْقُ " : الْخَطُّ ، يُخَطُّ فِي الْأَرْضِ ، وَ " الْجِبْتُ " قَالَ الْحَسَنُ : إِنَّهُ الشَّيْطَانُ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ ، بِهِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى " الطَّاغُوتِ " فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الضَّيْفِ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ " الطَّوَاغِيتِ " فَقَالَ : هُمْ كُهَّانٌ تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيَاطِينُ .
335 وَقَالَ مُجَاهِدٌ : " الطَّاغُوتُ " : الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ ، يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ صَاحِبُ أَمْرِهِمْ .
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ : " الطَّاغُوتُ " : هُوَ كُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَوْلُهُ : ( وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ) أَيْ : يُفَضِّلُونَ الْكَفَّارَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِجَهْلِهِمْ ، وَقِلَّةِ دِينِهِمْ ، وَكَفْرِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمَقْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : جَاءَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، فَقَالُوا لَهُمْ : أَنْتُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ ، فَأَخْبِرُونَا عَنَّا وَعَنْ مُحَمَّدٍ ، فَقَالُوا : مَا أَنْتُمْ وَمَا مُحَمَّدٌ . فَقَالُوا : نَحْنُ نَصِلُ الْأَرْحَامَ ، وَنَنْحَرُ الْكَوْمَاءَ ، وَنَسْقِي الْمَاءَ عَلَى اللَّبَنِ ، وَنَفُكُّ الْعُنَاةَ ، وَنَسْقِي الْحَجِيجَ - وَمُحَمَّدٌ صُنْبُورٌ ، قَطَّعَ أَرْحَامَنَا ، وَاتَّبَعَهُ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ بَنُو غِفَارٍ ، فَنَحْنُ خَيْرٌ أَمْ هُوَ ؟ فَقَالُوا : أَنْتُمْ خَيْرٌ وَأَهْدَى سَبِيلًا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ [ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ] ) .
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ مَكَّةَ قَالَتْ قُرَيْشٌ : أَلَا تَرَى هَذَا الصُّنْبُورَ الْمُنْبَتِرَ مِنْ قَوْمِهِ ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَّا ، وَنَحْنُ أَهْلُ الْحَجِيجِ ، وَأَهْلُ السِّدَانَةِ ، وَأَهْلُ السِّقَايَةِ ! قَالَ : أَنْتُمْ خَيْرٌ . قَالَ فَنَزَلَتْ ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) [ الْكَوْثَرِ : 3 ] وَنَزَلَ : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ) إِلَى ( نَصِيرًا ) .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ الَّذِينَ حَزَّبُوا الْأَحْزَابَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ وَبَنِي قُرَيْظَةَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَسَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ أَبُو رَافِعٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ ، وَأَبُو عَمَّارٍ ، وَوَحْوَحُ بْنُ عَامِرٍ ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ . فَأَمَّا وَحْوَحُ وَأَبُو عَمَّارٍ وَهَوْذَةُ فَمِنْ بَنِي وَائِلٍ ، وَكَانَ سَائِرُهُمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا هَؤُلَاءِ أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكُتُبِ الْأُوَلِ فَسَلُوهُمْ : أَدِينُكُمْ خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ ؟ فَسَأَلُوهُمْ ، فَقَالُوا : بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ ، وَأَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ وَمِمَّنِ اتَّبَعَهُ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ [ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ] ) إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) .
وَهَذَا لَعْنٌ لَهُمْ ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّهُمْ لَا نَاصِرَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا ذَهَبُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالْمُشْرِكِينَ ، وَإِنَّمَا قَالُوا لَهُمْ ذَلِكَ لِيَسْتَمِيلُوهُمْ إِلَى نُصْرَتِهِمْ ، وَقَدْ أَجَابُوهُمْ ، وَجَاءُوا مَعَهُمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، حَتَّى حَفَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ الْخَنْدَقَ ، فَكَفَى اللَّهُ شَرَّهُمْ ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) 336 [ الْأَحْزَابِ : 25 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith