تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير
page 321
( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ( 54 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ( 55 ) ( 53 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى : ( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ) ؟ ! وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، أَيْ : لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِالْبُخْلِ فَقَالَ : ( فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ) أَيْ : لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانَ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي الْمُلْكِ وَالتَّصَرُّفِ لَمَا أَعْطَوْا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ - وَلَا سِيَّمَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا ، وَلَا مَا يَمْلَأُ " النَّقِيرَ " ، وَهُوَ النُّقْطَةُ الَّتِي فِي النَّوَاةِ ، فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرِينَ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ ) [ الْإِسْرَاءِ : 100 ] أَيْ : خَوْفَ أَنْ يَذْهَبَ مَا بِأَيْدِيكُمْ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ نَفَادُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بُخْلِكُمْ وَشُحِّكُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 100 ] أَيْ : بَخِيلًا .
ثُمَّ قَالَ : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) يَعْنِي بِذَلِكَ : حَسَدَهُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ الْعَظِيمَةِ ، وَمَنَعَهَمْ مِنْ تَصْدِيقِهِمْ إِيَّاهُ حَسَدُهُمْ لَهُ ; لِكَوْنِهِ مِنَ الْعَرَبِ وَلَيْسَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) [ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ] ) الْآيَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَحْنُ النَّاسُ دُونَ النَّاسِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ) أَيْ : فَقَدْ جَعَلْنَا فِي أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - الَّذِينَ هُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ - النُّبُوَّةَ ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ ، وَحَكَمُوا فِيهِمْ بِالسُّنَنِ - وَهِيَ الْحِكْمَةُ - وَجَعَلَنَا فِيهِمُ الْمُلُوكَ ، وَمَعَ هَذَا ( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ) أَيْ : بِهَذَا الْإِيتَاءِ وَهَذَا الْإِنْعَامِ ( وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ) أَيْ : كَفَرَ بِهِ وَأَعْرَضَ عَنْهُ ، وَسَعَى فِي صَدِّ النَّاسِ عَنْهُ ، وَهُوَ مِنْهُمْ وَمِنْ جِنْسِهِمْ ، أَيْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ ، فَكَيْفَ بِكَ يَا مُحَمَّدُ وَلَسْتَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ) أَيْ : بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ) فَالْكَفَرَةُ مِنْهُمْ أَشَدُّ تَكْذِيبًا لَكَ ، وَأَبْعَدُ عَمَّا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْهُدَى ، وَالْحَقِّ الْمُبِينِ .
وَلِهَذَا قَالَ مُتَوَعِّدًا لَهُمْ : ( وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) أَيْ : وَكَفَى بِالنَّارِ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ كُتُبَ اللَّهِ وَرُسُلَهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith