تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ( 47 ) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ( 48 ) )
يَقُولُ تَعَالَى - آمِرًا أَهْلَ الْكِتَابِ بِالْإِيمَانِ بِمَا نَزَّلَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ الَّذِي فِيهِ تَصْدِيقُ الْأَخْبَارِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِشَارَاتِ ، وَمُتَهَدِّدًا لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ، بِقَوْلِهِ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) قَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا . طَمْسُهَا هُوَ رَدُّهَا إِلَى الْأَدْبَارِ ، وَجَعْلُ أَبْصَارِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَلَا يَبْقَى لَهَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ وَلَا أَثَرٌ ، وَنَرُدَّهَا مَعَ ذَلِكَ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَدْبَارِ .
قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ) وَطَمْسُهَا أَنْ تَعْمَى ( فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) يَقُولُ : نَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَقَفِيَتِهِمْ ، فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى ، وَنَجْعَلُ لِأَحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ مَنْ قَفَاهُ .
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ . وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي صَرْفِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَرَدِّهِمْ إِلَى الْبَاطِلِ وَرُجُوعِهِمْ عَنِ الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ إِلَى سُبُلِ الضَّلَالَةِ يَهْرَعُونَ وَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى عَلَى أَدْبَارِهِمْ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ) [ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ] ) [ يس 8 ، 9 ] إِنَّ هَذَا مَثَلُ [ سُوءٍ ] ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ وَمَنْعِهِمْ عَنِ الْهُدَى . 325
قَالَ مُجَاهِدٌ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ) يَقُولُ : عَنْ صِرَاطِ الْحَقِّ ، ( فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) أَيْ : فِي الضَّلَالَةِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ نَحْوُ هَذَا .
قَالَ السُّدِّيُّ : ( فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) فَنَمْنَعَهَا عَنِ الْحَقِّ ، قَالَ : نُرْجِعُهَا كُفَّارًا وَنَرُدُّهُمْ قِرَدَةً .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ نَرُدُّهُمْ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَسْلَمَ حِينَ سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ : تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ إِسْلَامَ كَعْبٍ ، فَقَالَ : أَسْلَمَ كَعْبٌ زَمَانَ عُمَرَ ، أَقْبَلَ وَهُوَ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَمَرَّ عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ : يَا كَعْبُ ، أَسْلِمْ ، قَالَ : أَلَسْتُمْ تَقْرَؤُونَ فِي كِتَابِكُمْ ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ [ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ ] أَسْفَارًا ) وَأَنَا قَدْ حَمَلْتُ التَّوْرَاةَ . قَالَ : فَتَرَكَهُ عُمَرُ . ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حِمْصَ ، فَسَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا حَزِينًا ، وَهُوَ يَقُولُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) الْآيَةَ . قَالَ كَعْبٌ : يَا رَبُّ آمَنْتُ ، يَا رَبُّ ، أَسْلَمْتُ ، مَخَافَةَ أَنْ تُصِيبَهُ هَذِهِ الْآيَةُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَى أَهْلَهُ فِي الْيَمَنِ ، ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ مُسْلِمِينَ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظٍ آخَرَ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ حَلْبَسٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَائِذِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ : كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْجَلِيلِيُّ مُعَلِّمَ كَعْبٍ ، وَكَانَ يَلُومُهُ فِي إِبْطَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَبَعَثَهُ إِلَيْهِ لِيَنْظُرَ أَهْوَ هُوَ ؟ قَالَ كَعْبٌ : فَرَكِبْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ ، فَإِذَا تَالٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، يَقُولُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) فَبَادَرْتُ الْمَاءَ فَاغْتَسَلْتُ وَإِنِّي لَأَمْسَحُ وَجْهِي مَخَافَةَ أَنْ أُطْمَسَ ، ثُمَّ أَسْلَمْتُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ) يَعْنِي : الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي سَبْتِهِمْ بِالْحِيلَةِ عَلَى الِاصْطِيَادِ ، وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ قِصَّتِهِمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) أَيْ : إِذَا أَمَرَ بِأَمْرٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانِعُ .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى : أَنَّهُ ( لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) أَيْ : لَا يَغْفِرُ لِعَبْدٍ لَقِيَهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ ( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ) أَيْ : مِنَ الذُّنُوبِ ( لِمَنْ يَشَاءُ ) أَيْ : مِنْ عِبَادِهِ .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ : 326
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ ; دِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا ، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ . فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ ، فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) [ الْمَائِدَةِ : 72 ] وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا ، فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرْكَهُ ، أَوْ صَلَاةٍ تَرْكَهَا ; فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَلِكَ وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ . وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ; الْقَصَاصُ لَا مَحَالَةَ " .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَالِكٍ ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ أَبِي الرُّقَادِ ، عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ ، فَظُلْمٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ ، وَظُلْمٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ ، وَظُلْمٌ لَا يَتْرُكُهُ اللَّهُ : فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ ، وَقَالَ ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [ لُقْمَانَ : 13 ] وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ لِأَنْفُسِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَتْرُكُهُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، حَتَّى يَدِينَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ " .
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ ، إِلَّا الرَّجُلَ يَمُوتُ كَافِرًا ، أَوِ الرَّجُلَ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا " .
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى ، بِهِ .
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا شَهْرٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ غَنْمٍ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : يَا عَبْدِي ، مَا عَبَدْتَنِي وَرَجَوْتَنِي فَإِنِّي غَافِرٌ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ ، يَا عَبْدِي ، إِنَّكَ إِنْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً مَا لَمْ تُشْرِكْ بِي ، لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً " .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ 327 .
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ " قُلْتُ : وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : " وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " قُلْتُ : وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : " وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " . ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ : " عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ " ! قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَجُرُّ إِزَارَهُ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ " . وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ بِهَذَا بَعْدُ وَيَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ .
أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ ، بِهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ : قَالَ [ الْإِمَامُ ] أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ ، فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ " . فَقُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، [ قَالَ ] مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَاكَ عِنْدِي ذَهَبًا أُمْسِي ثَالِثَةً وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ ، إِلَّا دِينَارًا أَرْصُدُهُ - يَعْنِي لِدَيْنٍ - إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا " . وَحَثَا عَنْ يَمِينِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَارِهِ . قَالَ : ثُمَّ مَشَيْنَا فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا " . فَحَثَا عَنْ يَمِينِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَارِهِ . قَالَ : ثُمَّ مَشَيْنَا فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، كَمَا أَنْتَ حَتَّى آتِيَكَ " . قَالَ : فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي . قَالَ : فَسَمِعْتُ لَغَطًا فَقُلْتُ : لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ لَهُ . قَالَ فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ : " لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ " فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى جَاءَ ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي سَمِعْتُ ، فَقَالَ : " ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَقَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ " . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : " وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا كِلَاهُمَا ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ ، لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ ، قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ . قَالَ : فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي ، فَقَالَ : " مَنْ هَذَا ؟ " فَقُلْتُ : أَبُو ذَرٍّ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ . قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، تَعَالَ " . قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : " إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَائَهُ ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا " . قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِي : " اجْلِسْ هَاهُنَا " ، قَالَ : فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ ، فَقَالَ لِي : " اجْلِسْ هَاهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ " . قَالَ : فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ ، فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ ، وَهُوَ يَقُولُ : " وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى " . قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ ، مَنْ تُكَلِّمُ 328 فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا . قَالَ : " ذَاكَ جِبْرِيلُ ، عَرَضَ لِي مِنْ جَانِبِ الْحَرَّةِ فَقَالَ : بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ . قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ " .
الْحَدِيثُ السَّادِسُ : قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْمُوَجِبَتَانِ ؟ قَالَ : " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ " . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَلَادٍ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، الرَّبَذِيُّ ، أَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ ، لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ، إِلَّا حَلَّتْ لَهَا الْمَغْفِرَةُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَذَّبَهَا ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهَا : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) .
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي ، مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ; أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَزَالُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى الْعَبْدِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ " . قِيلَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَمَا الْحِجَابُ ؟ قَالَ : " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ " . قَالَ : " مَا مِنْ نَفْسٍ تَلْقَى اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا إِلَّا حَلَّتْ لَهَا الْمَغْفِرَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، إِنْ يَشَأْ أَنْ يُعَذِّبَهَا ، وَإِنْ يَشَأْ أَنْ يَغْفِرَ لَهَا غَفَرَ لَهَا " . ثُمَّ قَرَأَ نَبِيُّ اللَّهِ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) .
الْحَدِيثُ السَّابِعُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ " .
تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو قُبَيْلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاشِرٍ مِنْ بَنِي سَرِيعٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا رُهْمٍ قَاصَّ أَهْلِ الشَّامِ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ : إِنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : " إِنَّ رَبَّكُمْ ، عَزَّ وَجَلَّ ، خَيَّرَنِي 329 بَيْنَ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَفْوًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَبَيْنَ الْخَبِيئَةِ عِنْدَهُ لِأُمَّتِي " . فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُخَبِّئُ ذَلِكَ رَبُّكَ ؟ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ خَرَجَ وَهُوَ يُكَبِّرُ ، فَقَالَ : " إِنَّ رَبِّي زَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا وَالْخَبِيئَةُ عِنْدَهُ " قَالَ أَبُو رُهْمٍ : يَا أَبَا أَيُّوبَ ، وَمَا تَظُنُّ خَبِيئَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَكَلَهُ النَّاسُ بِأَفْوَاهِهِمْ فَقَالُوا : وَمَا أَنْتَ وَخَبِيئَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ! فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : دَعُوا الرَّجُلَ عَنْكُمْ ، أُخْبِرْكُمْ عَنْ خَبِيئَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَظُنُّ ، بَلْ كَالْمُسْتَيْقِنِ . إِنَّ خَبِيئَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ : مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مُصَدِّقًا لِسَانَهُ قَلْبُهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ " .
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ( ح ) وَأَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَرَّانِيُّ - فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ - قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَفْسُهُ ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ الرُّقَاشِيِّ ، عَنْ أَبِي سَوْرَةَ ابْنِ أَخِي أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ لِي ابْنَ أَخٍ لَا يَنْتَهِي عَنِ الْحَرَامِ . قَالَ : " وَمَا دِينُهُ ؟ " قَالَ : يُصَلِّي وَيُوَحِّدُ اللَّهَ تَعَالَى . قَالَ " اسْتَوْهِبْ مِنْهُ دِينَهُ ، فَإِنْ أَبَى فَابْتَعْهُ مِنْهُ " . فَطَلَبَ الرَّجُلُ ذَاكَ مِنْهُ فَأَبَى عَلَيْهِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : وَجَدْتُهُ شَحِيحًا فِي دِينِهِ . قَالَ : فَنَزَلَتْ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) .
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الضَّحَّاكِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مَسْتُورٌ أَبُو هَمَّامٍ الْهُنَائِيُّ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا تَرَكْتُ حَاجَةً وَلَا ذَا حَاجَةٍ إِلَّا قَدْ أَتَيْتُ . قَالَ : " أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " فَإِنَّ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ " .
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ الْيَمَامِيِّ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا يَمَامِيُّ لَا تَقُولَنَّ لِرَجُلٍ : وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ . أَوْ لَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ أَبَدًا . قُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا أَحَدُنَا لِأَخِيهِ وَصَاحِبِهِ إِذَا غَضِبَ قَالَ : لَا تَقُلْهَا ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلَانِ كَانَ أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدًا فِي الْعِبَادَةِ ، وَكَانَ الْآخَرُ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ ، وَكَانَا مُتَآخِيَيْنِ وَكَانَ الْمُجْتَهِدُ لَا يَزَالُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى ذَنْبٍ ، فَيَقُولُ : يَا هَذَا أَقْصِرْ . فَيَقُولُ : خَلِّنِي وَرَبِّي ! أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا ؟ قَالَ : إِلَى أَنْ رَآهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ ، فَقَالَ لَهُ : وَيْحَكَ ! أَقْصِرْ ! قَالَ : خَلِّنِي وَرَبِّي ! أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا ؟ فَقَالَ : وَاللَّهِ 330 لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ - أَوْ لَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ أَبَدًا - قَالَ : فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا وَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ : اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي . وَقَالَ لِلْآخَرِ : أَكُنْتَ بِي عَالِمًا ؟ أَكُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا ؟ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ . قَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ جَوْسٍ ، بِهِ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو شَيْخٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَجْلَانَ الْأَصْبَهَانِيِّ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي ، مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا " .
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ وَالْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى [ الْمَوْصِلِيُّ ] حَدَّثَنَا هُدْبَةُ - هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ ، وَمَنْ تَوَعَّدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ " . تَفَرَّدَا بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيَّ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمَّازٍ عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَشُكُّ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ ، وَآكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَاذِفِ الْمُحْصَنَاتِ ، وَشَاهِدِ الزُّورِ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) فَأَمْسَكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشَّهَادَةِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الْهَيْثَمِ بْنِ حَمَّادٍ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ - يَعْنِي الْمُرِّيَّ أَبُو بِشْرٍ - عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا لَا نَشْكُ فِيمَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ فِي الْكِتَابِ ، حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) قَالَ : فَلَمَّا سَمِعْنَاهَا كَفَفْنَا عَنِ الشَّهَادَةِ ، وَأَرْجَيْنَا الْأُمُورَ إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ 331 .
وَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ سُرَيْجٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] قَالَ : كُنَّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ ، حَتَّى سَمِعْنَا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) وَقَالَ : " أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، أَخْبَرَنِي مُجَبَّرٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) [ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ] ) [ الزُّمَرِ : 53 ] ، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : وَالشِّرْكُ بِاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا )
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ " تَنْزِيلِ " مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوْبَةِ ، فَمَنْ تَابَ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ وَإِنَّ تَكَرَّرَ مِنْهُ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ الزُّمَرِ : 53 ] أَيْ : بِشَرْطِ التَّوْبَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَدَخَلَ الشِّرْكُ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ تَعَالَى ، قَدْ حَكَمَ هَاهُنَا بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ ، وَحَكَمَ بِأَنَّهُ يَغْفِرُ مَا عَدَاهُ لِمَنْ يَشَاءُ ، أَيْ : وَإِنْ لَمْ يَتُبْ صَاحِبُهُ ، فَهَذِهِ أَرْجَى مِنْ تِلْكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) كَقَوْلِهِ ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [ لُقْمَانَ : 13 ] ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ . . . " وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثَ .
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُخْبِرُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ " ثُمَّ قَرَأَ : ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ " . ثُمَّ قَرَأَ : ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) 332 .
يَقُولُ تَعَالَى - آمِرًا أَهْلَ الْكِتَابِ بِالْإِيمَانِ بِمَا نَزَّلَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ الَّذِي فِيهِ تَصْدِيقُ الْأَخْبَارِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِشَارَاتِ ، وَمُتَهَدِّدًا لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ، بِقَوْلِهِ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) قَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا . طَمْسُهَا هُوَ رَدُّهَا إِلَى الْأَدْبَارِ ، وَجَعْلُ أَبْصَارِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَلَا يَبْقَى لَهَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ وَلَا أَثَرٌ ، وَنَرُدَّهَا مَعَ ذَلِكَ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَدْبَارِ .
قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ) وَطَمْسُهَا أَنْ تَعْمَى ( فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) يَقُولُ : نَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَقَفِيَتِهِمْ ، فَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى ، وَنَجْعَلُ لِأَحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ مَنْ قَفَاهُ .
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ . وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ ، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي صَرْفِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَرَدِّهِمْ إِلَى الْبَاطِلِ وَرُجُوعِهِمْ عَنِ الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ إِلَى سُبُلِ الضَّلَالَةِ يَهْرَعُونَ وَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى عَلَى أَدْبَارِهِمْ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ) [ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ] ) [ يس 8 ، 9 ] إِنَّ هَذَا مَثَلُ [ سُوءٍ ] ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ وَمَنْعِهِمْ عَنِ الْهُدَى . 325
قَالَ مُجَاهِدٌ : ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ) يَقُولُ : عَنْ صِرَاطِ الْحَقِّ ، ( فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) أَيْ : فِي الضَّلَالَةِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ نَحْوُ هَذَا .
قَالَ السُّدِّيُّ : ( فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) فَنَمْنَعَهَا عَنِ الْحَقِّ ، قَالَ : نُرْجِعُهَا كُفَّارًا وَنَرُدُّهُمْ قِرَدَةً .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ نَرُدُّهُمْ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَسْلَمَ حِينَ سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا أَبُو كَرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ : تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ إِسْلَامَ كَعْبٍ ، فَقَالَ : أَسْلَمَ كَعْبٌ زَمَانَ عُمَرَ ، أَقْبَلَ وَهُوَ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَمَرَّ عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ : يَا كَعْبُ ، أَسْلِمْ ، قَالَ : أَلَسْتُمْ تَقْرَؤُونَ فِي كِتَابِكُمْ ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ [ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ ] أَسْفَارًا ) وَأَنَا قَدْ حَمَلْتُ التَّوْرَاةَ . قَالَ : فَتَرَكَهُ عُمَرُ . ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حِمْصَ ، فَسَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا حَزِينًا ، وَهُوَ يَقُولُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) الْآيَةَ . قَالَ كَعْبٌ : يَا رَبُّ آمَنْتُ ، يَا رَبُّ ، أَسْلَمْتُ ، مَخَافَةَ أَنْ تُصِيبَهُ هَذِهِ الْآيَةُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَى أَهْلَهُ فِي الْيَمَنِ ، ثُمَّ جَاءَ بِهِمْ مُسْلِمِينَ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظٍ آخَرَ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ حَلْبَسٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَائِذِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ : كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْجَلِيلِيُّ مُعَلِّمَ كَعْبٍ ، وَكَانَ يَلُومُهُ فِي إِبْطَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَبَعَثَهُ إِلَيْهِ لِيَنْظُرَ أَهْوَ هُوَ ؟ قَالَ كَعْبٌ : فَرَكِبْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ ، فَإِذَا تَالٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، يَقُولُ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ) فَبَادَرْتُ الْمَاءَ فَاغْتَسَلْتُ وَإِنِّي لَأَمْسَحُ وَجْهِي مَخَافَةَ أَنْ أُطْمَسَ ، ثُمَّ أَسْلَمْتُ .
وَقَوْلُهُ : ( أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ) يَعْنِي : الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي سَبْتِهِمْ بِالْحِيلَةِ عَلَى الِاصْطِيَادِ ، وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ قِصَّتِهِمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) أَيْ : إِذَا أَمَرَ بِأَمْرٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانِعُ .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى : أَنَّهُ ( لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) أَيْ : لَا يَغْفِرُ لِعَبْدٍ لَقِيَهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ ( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ) أَيْ : مِنَ الذُّنُوبِ ( لِمَنْ يَشَاءُ ) أَيْ : مِنْ عِبَادِهِ .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ : 326
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ ; دِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا ، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ . فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ ، فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) [ الْمَائِدَةِ : 72 ] وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا ، فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرْكَهُ ، أَوْ صَلَاةٍ تَرْكَهَا ; فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَلِكَ وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ . وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا ، فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ; الْقَصَاصُ لَا مَحَالَةَ " .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَالِكٍ ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ أَبِي الرُّقَادِ ، عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ ، فَظُلْمٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ ، وَظُلْمٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ ، وَظُلْمٌ لَا يَتْرُكُهُ اللَّهُ : فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ ، وَقَالَ ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [ لُقْمَانَ : 13 ] وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ لِأَنْفُسِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ ، وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَتْرُكُهُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، حَتَّى يَدِينَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ " .
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ ، إِلَّا الرَّجُلَ يَمُوتُ كَافِرًا ، أَوِ الرَّجُلَ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا " .
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِيسَى ، بِهِ .
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا شَهْرٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ غَنْمٍ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : يَا عَبْدِي ، مَا عَبَدْتَنِي وَرَجَوْتَنِي فَإِنِّي غَافِرٌ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ ، يَا عَبْدِي ، إِنَّكَ إِنْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً مَا لَمْ تُشْرِكْ بِي ، لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً " .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ 327 .
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ " قُلْتُ : وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : " وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " قُلْتُ : وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : " وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " . ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ : " عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ " ! قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَجُرُّ إِزَارَهُ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ " . وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ بِهَذَا بَعْدُ وَيَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ .
أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ ، بِهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ : قَالَ [ الْإِمَامُ ] أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى أُحُدٍ ، فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ " . فَقُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، [ قَالَ ] مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَاكَ عِنْدِي ذَهَبًا أُمْسِي ثَالِثَةً وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ ، إِلَّا دِينَارًا أَرْصُدُهُ - يَعْنِي لِدَيْنٍ - إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا " . وَحَثَا عَنْ يَمِينِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَارِهِ . قَالَ : ثُمَّ مَشَيْنَا فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا " . فَحَثَا عَنْ يَمِينِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَارِهِ . قَالَ : ثُمَّ مَشَيْنَا فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، كَمَا أَنْتَ حَتَّى آتِيَكَ " . قَالَ : فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي . قَالَ : فَسَمِعْتُ لَغَطًا فَقُلْتُ : لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ لَهُ . قَالَ فَهَمَمْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ : " لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ " فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى جَاءَ ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي سَمِعْتُ ، فَقَالَ : " ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَقَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ " . قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : " وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، بِهِ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا كِلَاهُمَا ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ ، لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ ، قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ . قَالَ : فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي ، فَقَالَ : " مَنْ هَذَا ؟ " فَقُلْتُ : أَبُو ذَرٍّ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ . قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، تَعَالَ " . قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : " إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَائَهُ ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا " . قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِي : " اجْلِسْ هَاهُنَا " ، قَالَ : فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ ، فَقَالَ لِي : " اجْلِسْ هَاهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ " . قَالَ : فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ ، فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ ، وَهُوَ يَقُولُ : " وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى " . قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ ، مَنْ تُكَلِّمُ 328 فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا . قَالَ : " ذَاكَ جِبْرِيلُ ، عَرَضَ لِي مِنْ جَانِبِ الْحَرَّةِ فَقَالَ : بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ . قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ " .
الْحَدِيثُ السَّادِسُ : قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْمُوَجِبَتَانِ ؟ قَالَ : " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ " . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَلَادٍ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، الرَّبَذِيُّ ، أَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ ، لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ، إِلَّا حَلَّتْ لَهَا الْمَغْفِرَةُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَذَّبَهَا ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهَا : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) .
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي ، مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ; أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَزَالُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى الْعَبْدِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ " . قِيلَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَمَا الْحِجَابُ ؟ قَالَ : " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ " . قَالَ : " مَا مِنْ نَفْسٍ تَلْقَى اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا إِلَّا حَلَّتْ لَهَا الْمَغْفِرَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، إِنْ يَشَأْ أَنْ يُعَذِّبَهَا ، وَإِنْ يَشَأْ أَنْ يَغْفِرَ لَهَا غَفَرَ لَهَا " . ثُمَّ قَرَأَ نَبِيُّ اللَّهِ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) .
الْحَدِيثُ السَّابِعُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ " .
تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو قُبَيْلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَاشِرٍ مِنْ بَنِي سَرِيعٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا رُهْمٍ قَاصَّ أَهْلِ الشَّامِ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ : إِنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : " إِنَّ رَبَّكُمْ ، عَزَّ وَجَلَّ ، خَيَّرَنِي 329 بَيْنَ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَفْوًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَبَيْنَ الْخَبِيئَةِ عِنْدَهُ لِأُمَّتِي " . فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُخَبِّئُ ذَلِكَ رَبُّكَ ؟ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ خَرَجَ وَهُوَ يُكَبِّرُ ، فَقَالَ : " إِنَّ رَبِّي زَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا وَالْخَبِيئَةُ عِنْدَهُ " قَالَ أَبُو رُهْمٍ : يَا أَبَا أَيُّوبَ ، وَمَا تَظُنُّ خَبِيئَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَكَلَهُ النَّاسُ بِأَفْوَاهِهِمْ فَقَالُوا : وَمَا أَنْتَ وَخَبِيئَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ! فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : دَعُوا الرَّجُلَ عَنْكُمْ ، أُخْبِرْكُمْ عَنْ خَبِيئَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَظُنُّ ، بَلْ كَالْمُسْتَيْقِنِ . إِنَّ خَبِيئَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ : مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مُصَدِّقًا لِسَانَهُ قَلْبُهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ " .
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ( ح ) وَأَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَرَّانِيُّ - فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ - قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَفْسُهُ ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ الرُّقَاشِيِّ ، عَنْ أَبِي سَوْرَةَ ابْنِ أَخِي أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ لِي ابْنَ أَخٍ لَا يَنْتَهِي عَنِ الْحَرَامِ . قَالَ : " وَمَا دِينُهُ ؟ " قَالَ : يُصَلِّي وَيُوَحِّدُ اللَّهَ تَعَالَى . قَالَ " اسْتَوْهِبْ مِنْهُ دِينَهُ ، فَإِنْ أَبَى فَابْتَعْهُ مِنْهُ " . فَطَلَبَ الرَّجُلُ ذَاكَ مِنْهُ فَأَبَى عَلَيْهِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : وَجَدْتُهُ شَحِيحًا فِي دِينِهِ . قَالَ : فَنَزَلَتْ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) .
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الضَّحَّاكِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مَسْتُورٌ أَبُو هَمَّامٍ الْهُنَائِيُّ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا تَرَكْتُ حَاجَةً وَلَا ذَا حَاجَةٍ إِلَّا قَدْ أَتَيْتُ . قَالَ : " أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : " فَإِنَّ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ " .
الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ الْيَمَامِيِّ قَالَ : قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا يَمَامِيُّ لَا تَقُولَنَّ لِرَجُلٍ : وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ . أَوْ لَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ أَبَدًا . قُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا أَحَدُنَا لِأَخِيهِ وَصَاحِبِهِ إِذَا غَضِبَ قَالَ : لَا تَقُلْهَا ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلَانِ كَانَ أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدًا فِي الْعِبَادَةِ ، وَكَانَ الْآخَرُ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ ، وَكَانَا مُتَآخِيَيْنِ وَكَانَ الْمُجْتَهِدُ لَا يَزَالُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى ذَنْبٍ ، فَيَقُولُ : يَا هَذَا أَقْصِرْ . فَيَقُولُ : خَلِّنِي وَرَبِّي ! أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا ؟ قَالَ : إِلَى أَنْ رَآهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ ، فَقَالَ لَهُ : وَيْحَكَ ! أَقْصِرْ ! قَالَ : خَلِّنِي وَرَبِّي ! أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا ؟ فَقَالَ : وَاللَّهِ 330 لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ - أَوْ لَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ أَبَدًا - قَالَ : فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا وَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ : اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي . وَقَالَ لِلْآخَرِ : أَكُنْتَ بِي عَالِمًا ؟ أَكُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا ؟ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ . قَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ جَوْسٍ ، بِهِ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو شَيْخٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَجْلَانَ الْأَصْبَهَانِيِّ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي ، مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا " .
الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ وَالْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى [ الْمَوْصِلِيُّ ] حَدَّثَنَا هُدْبَةُ - هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ ، وَمَنْ تَوَعَّدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ " . تَفَرَّدَا بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيَّ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمَّازٍ عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَشُكُّ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ ، وَآكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَاذِفِ الْمُحْصَنَاتِ ، وَشَاهِدِ الزُّورِ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) فَأَمْسَكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشَّهَادَةِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الْهَيْثَمِ بْنِ حَمَّادٍ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ - يَعْنِي الْمُرِّيَّ أَبُو بِشْرٍ - عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا لَا نَشْكُ فِيمَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ فِي الْكِتَابِ ، حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) قَالَ : فَلَمَّا سَمِعْنَاهَا كَفَفْنَا عَنِ الشَّهَادَةِ ، وَأَرْجَيْنَا الْأُمُورَ إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ 331 .
وَقَالَ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ سُرَيْجٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] قَالَ : كُنَّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ ، حَتَّى سَمِعْنَا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) وَقَالَ : " أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، أَخْبَرَنِي مُجَبَّرٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) [ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ] ) [ الزُّمَرِ : 53 ] ، قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : وَالشِّرْكُ بِاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا )
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ " تَنْزِيلِ " مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوْبَةِ ، فَمَنْ تَابَ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ وَإِنَّ تَكَرَّرَ مِنْهُ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ الزُّمَرِ : 53 ] أَيْ : بِشَرْطِ التَّوْبَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَدَخَلَ الشِّرْكُ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ تَعَالَى ، قَدْ حَكَمَ هَاهُنَا بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ ، وَحَكَمَ بِأَنَّهُ يَغْفِرُ مَا عَدَاهُ لِمَنْ يَشَاءُ ، أَيْ : وَإِنْ لَمْ يَتُبْ صَاحِبُهُ ، فَهَذِهِ أَرْجَى مِنْ تِلْكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) كَقَوْلِهِ ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [ لُقْمَانَ : 13 ] ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ . . . " وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثَ .
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُخْبِرُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ " ثُمَّ قَرَأَ : ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ " . ثُمَّ قَرَأَ : ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) 332 .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith