تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1483 · printed p. 397
397 ( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ( 26 ) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ( 27 ) ) .
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمَّا قَدِمَتْ جُنُودُ الْأَحْزَابِ ، وَنَزَلُوا عَلَى الْمَدِينَةَ ، نَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَهْدِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِسِفَارَةِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ النَّضْرِيِّ - لَعَنَهُ اللَّهُ - دَخَلَ حِصْنَهُمْ ، وَلَمْ يَزَلْ بِسَيِّدِهِمْ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ حَتَّى نَقَضَ الْعَهْدَ ، وَقَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ : وَيْحَكَ ، قَدْ جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ ، أَتَيْتُكَ بِقُرَيْشٍ وَأَحَابِيشِهَا ، وَغَطَفَانَ وَأَتْبَاعِهَا ، وَلَا يَزَالُونَ هَاهُنَا حَتَّى يَسْتَأْصِلُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ . فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ : بَلْ وَاللَّهِ أَتَيْتَنِي بِذُلِّ الدَّهْرِ . وَيْحَكَ يَا حَيِّيُّ ، إِنَّكَ مَشْئُومٌ ، فَدَعْنَا مِنْكَ . فَلَمْ يَزَلْ يَفْتِلُ فِي الذِّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتَّى أَجَابَهُ ، وَاشْتَرَطَ لَهُ حُيَيُّ إِنْ ذَهَبَ الْأَحْزَابُ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ ، أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ فِي الْحِصْنِ ، فَيَكُونُ لَهُ أُسْوَتُهُمْ . فَلَمَّا نَقَضَتْ قُرَيْظَةُ ، وَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سَاءَهُ ، وَشَقَّ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ جِدًّا ، فَلَمَّا أَيَّدَ اللَّهُ وَنَصَرَ ، وَكَبَتَ الْأَعْدَاءَ وَرَدَّهُمْ خَائِبِينَ بِأَخْسَرِ صَفْقَةٍ ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا ، وَوَضَعَ النَّاسُ السِّلَاحَ . فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ مِنْ وَعْثَاءِ تِلْكَ الْمُرَابَطَةِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ إِذْ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ، عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ [ مِنْ ] دِيبَاجٍ ، فَقَالَ : أَوَضَعْتَ السِّلَاحَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : لَكِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَضَعْ أَسْلِحَتَهَا ، وَهَذَا الْآنَ رُجُوعِي مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ . ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَنْهَضَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ . وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ لَهُ : عَذِيرَكَ مِنْ مُقَاتِلٍ ، أَوَضَعْتُمُ السِّلَاحَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : لَكِنَّا لَمْ نَضَعْ أَسْلِحَتَنَا بَعْدُ ، انْهَضْ إِلَى هَؤُلَاءِ . قَالَ : " أَيْنَ ؟ " . قَالَ : بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُزَلْزِلَ عَلَيْهِمْ . فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَوْرِهِ ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَكَانَتْ عَلَى أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَقَالَ : ۝ " لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ " . فَسَارَ النَّاسُ ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فِي الطَّرِيقِ ، فَصَلَّى بَعْضُهُمْ فِي الطَّرِيقِ وَقَالُوا : لَمْ يُرِدْ مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تَعْجِيلَ السَّيْرِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : لَا نُصَلِّيهَا إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ . فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ . وَتَبِعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَأَعْطَى الرَّايَةَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . ثُمَّ نَازَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْحَالُ ، نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - سَيِّدِ الْأَوْسِ - لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُلَفَاءَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فِي مَوَالِيهِ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، حِينَ اسْتَطْلَقَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنَّ سَعْدًا سَيَفْعَلُ فِيهِمْ كَمَا فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ فِي أُولَئِكَ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ سَعْدًا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَانَ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ فِي أَكْحَلِهِ أَيَّامَ الْخَنْدَقِ ، فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَكْحَلِهِ ، وَأَنْزَلَهُ فِي قُبَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ . وَقَالَ سَعْدٌ فِيمَا دَعَا بِهِ : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا . وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَافْجُرْهَا وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ . فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ ، وَقَدَّرَ عَلَيْهِمْ أَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ بِاخْتِيَارِهِمْ طَلَبًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَدْعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ لِيَحْكُمَ فِيهِمْ ، فَلَمَّا 398 أَقْبَلَ وَهُوَ رَاكِبٌ [ عَلَى حِمَارٍ ] قَدْ وَطَّئُوا لَهُ عَلَيْهِ ، جَعَلَ الْأَوْسُ يَلُوذُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ : يَا سَعْدُ ، إِنَّهُمْ مَوَالِيكَ ، فَأَحْسِنْ فِيهِمْ . وَيُرَقِّقُونَهُ عَلَيْهِمْ وَيُعَطِّفُونَهُ ، وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ . فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ : لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَلَّا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . فَعَرَفُوا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَبْقِيهِمْ ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْخَيْمَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ " . فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، فَأَنْزَلُوهُ إِعْظَامًا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا لَهُ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ ، لِيَكُونَ أَنْفَذَ لِحُكْمِهِ فِيهِمْ . فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنْ هَؤُلَاءِ - وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ - قَدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ ، فَاحْكُمْ فِيهِمْ بِمَا شِئْتَ " . قَالَ : وَحُكْمِي نَافِذٌ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : وَعَلَى مَنْ فِي هَذِهِ الْخَيْمَةِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا . - وَأَشَارَ إِلَى الْجَانِبِ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُعْرِضٌ بِوَجْهِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِجْلَالًا وَإِكْرَامًا وَإِعْظَامًا - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " . فَقَالَ : إِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتَلَتُهُمْ ، وَتُسْبَى ذُرِّيَّتُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ " . وَفِي رِوَايَةٍ : ۝ " لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ " . ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَخَادِيدِ فَخُدَّتْ فِي الْأَرْضِ ، وَجِيءَ بِهِمْ مُكْتَفِينَ ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ ، وَكَانُوا مَا بَيْنَ السَّبْعِمِائَةِ إِلَى الثَّمَانِمِائَةِ ، وَسَبَى مَنْ لَمْ يُنْبِتْ مِنْهُمْ مَعَ النِّسَاءِ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُقَرِّرٌ مُفَصَّلٌ بِأَدِلَّتِهِ وَأَحَادِيثِهِ وَبَسْطِهِ فِي كِتَابِ السِّيرَةِ ، الَّذِي أَفْرَدْنَاهُ مُوجَزًا وَمُقْتَصًّا . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ ) أَيْ : عَاوَنُوا الْأَحْزَابَ وَسَاعَدُوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) يَعْنِي : بَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ الْيَهُودِ ، مِنْ بَعْضِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، كَانَ قَدْ نَزَلَ آبَاؤُهُمُ الْحِجَازَ قَدِيمًا ، طَمَعًا فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ) [ الْبَقَرَةِ : 89 ] ، فَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( مِنْ صَيَاصِيهِمْ ) يَعْنِي : حُصُونُهُمْ . كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُهُمْ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ صَيَاصِي الْبَقَرِ ، وَهِيَ قُرُونُهَا; لِأَنَّهَا أَعْلَى شَيْءٍ فِيهَا .
( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) : وَهُوَ الْخَوْفُ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَالَئُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ ، فَأَخَافُوا الْمُسْلِمِينَ وَرَامُوا قَتْلَهُمْ لِيَعِزُّوا فِي الدُّنْيَا ، فَانْعَكَسَ 399 عَلَيْهِمُ الْحَالُ ، وَانْقَلَبَ الْفَالُ ، انْشَمَرَ الْمُشْرِكُونَ فَفَازُوا بِصَفْقَةِ الْمَغْبُونِ ، فَكَمَا رَامُوا الْعِزَّ ذُلُّوا ، وَأَرَادُوا اسْتِئْصَالَ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتُؤْصِلُوا ، وَأُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ شَقَاوَةُ الْآخِرَةِ ، فَصَارَتِ الْجُمْلَةُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الصَّفْقَةُ الْخَاسِرَةُ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ) ، فَالَّذِينَ قُتِلُوا هُمُ الْمُقَاتِلَةُ ، وَالْأُسَرَاءُ هُمُ الْأَصَاغِرُ وَالنِّسَاءُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ : عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَشَكُّوا فِيَّ ، فَأَمَرَ بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْظُرُوا : هَلْ أَنْبُتُ بَعْدُ ؟ فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُونِي أَنْبُتُ ، فَخَلَّى عَنِّي وَأَلْحَقَنِي بِالسَّبْيِ .
وَكَذَا رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ كُلُّهُمْ مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : " حَسَنٌ صَحِيحٌ " . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، بِنَحْوِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ) أَيْ : جَعَلَهَا لَكُمْ مِنْ قَتْلِكُمْ لَهُمْ ( وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ) قِيلَ : خَيْبَرُ . وَقِيلَ : مَكَّةُ . رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . وَقِيلَ : فَارِسُ وَالرُّومُ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مُرَادًا .
( وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ) : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ : ۝ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ : خَرَجْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَقْفُو النَّاسَ ، فَسَمِعْتُ وَئِيدَ الْأَرْضِ وَرَائِي ، فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ يَحْمِلُ مِجَنَّهُ ، قَالَتْ : فَجَلَسْتُ إِلَى الْأَرْضِ ، فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهُ أَطْرَافُهُ ، فَأَنَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أَطْرَافِ سَعْدٍ ، قَالَتْ : وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلِهِمْ ، فَمَرَّ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ :
﴿﴾ لَبَّثْ قَلِيلًا يَشْهَدِ الْهَيْجَا حَمَلْ ﴿﴾ ﴿﴾ مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ ﴿﴾
قَالَتْ : فَقُمْتُ فَاقْتَحَمْتُ حَدِيقَةً ، فَإِذَا فِيهَا نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِذَا فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ تَسْبِغَةٌ لَهُ - تَعْنِي الْمِغْفَرَ - فَقَالَ عُمَرُ : مَا جَاءَ بِكِ ؟ لَعَمْرِي وَاللَّهِ إِنَّكِ لِجَرِيئَةٌ ، وَمَا يُؤَمِّنُكِ أَنْ يَكُونَ بَلَاءٌ أَوْ يَكُونَ تَحَوُّزٌ . قَالَتْ : فَمَا زَالَ يَلُومُنِي حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّ الْأَرْضَ انْشَقَّتْ بِي 400 سَاعَتَئِذٍ ، فَدَخَلْتُ فِيهَا ، فَرَفَعَ الرَّجُلُ التَّسْبِغَةَ عَنْ وَجْهِهِ ، فَإِذَا هُوَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ : يَا عُمَرُ ، وَيْحَكَ ، إِنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ ، وَأَيْنَ التَّحَوُّزُ أَوِ الْفِرَارُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ؟ قَالَتْ : وَيَرْمِي سَعْدًا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَرَقَةِ بِسَهْمٍ ، وَقَالَ لَهُ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْعَرَقَةِ فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ فَقَطَعَهُ ، فَدَعَا اللَّهَ سَعْدٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ ، لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ قُرَيْظَةَ . قَالَتْ : وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ وَمَوَالِيَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، قَالَتْ : فَرَقَأَ كَلْمُهُ ، وَبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ، وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا . فَلَحِقَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِتِهَامَةَ ، وَلَحِقَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ وَمَنْ مَعَهُ بِنَجْدٍ ، وَرَجَعَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَتَحَصَّنُوا فِي صَيَاصِيهِمْ ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَضُرِبَتْ عَلَى سَعْدٍ فِي الْمَسْجِدِ ، قَالَتْ : فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَإِنَّ عَلَى ثَنَايَاهُ لَنَقْعُ الْغُبَارِ ، فَقَالَ : أَوَقَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ ؟ لَا وَاللَّهِ مَا وَضَعَتِ الْمَلَائِكَةُ بَعْدُ السِّلَاحَ ، اخْرُجْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَاتِلْهُمْ . قَالَتْ : فَلَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأْمَتَهُ ، وَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ أَنْ يَخْرُجُوا ، [ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] فَمَرَّ عَلَى بَنِي غَنْمٍ وَهُمْ جِيرَانُ الْمَسْجِدِ حَوْلَهُ فَقَالَ : وَمَنْ مَرَّ بِكُمْ ؟ قَالُوا : مَرَّ بِنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ - وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ تُشْبِهُ لِحْيَتُهُ وَسِنُّهُ وَوَجْهُهُ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، فَلَمَّا اشْتَدَّ حِصَارُهُمْ وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ قِيلَ لَهُمْ : انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَاسْتَشَارُوا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ الذَّبْحُ . قَالُوا : نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ [ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ " . فَنَزَلُوا وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ] فَأُتِيَ بِهِ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ ، وَحَفَّ بِهِ قَوْمُهُ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا عَمْرٍو ، حُلَفَاؤُكَ وَمُوَالِيكَ وَأَهْلُ النِّكَايَةِ ، وَمَنْ قَدْ عَلِمْتَ ، قَالَتْ : وَلَا يُرْجِعُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ دُورِهِمُ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ : قَدْ آنَ لِي أَلَّا أُبَالِيَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . قَالَ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَلَمَّا طَلَعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ " . فَقَالَ عُمَرُ : سَيِّدُنَا اللَّهُ . قَالَ : " أَنْزِلُوهُ " . فَأَنْزَلُوهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " احْكُمْ فِيهِمْ " . قَالَ سَعْدٌ : فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تَقْتُلَ مُقَاتِلَتَهُمْ ، وَتَسْبَيَ ذَرَارِيَهُمْ ، وَتَقْسِمَ أَمْوَالَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ " . ثُمَّ دَعَا سَعْدٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ ، إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ عَلَى نَبِيِّكَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا ، فَأَبْقِنِي لَهَا . وَإِنْ كُنْتَ قَطَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ . قَالَ : فَانْفَجَرَ كَلْمُهُ ، وَكَانَ قَدْ بَرِئَ مِنْهُ إِلَّا مِثْلَ الْخُرْصِ ، وَرَجَعَ إِلَى قُبَّتِهِ الَّتِي ضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ .
قَالَتْ عَائِشَةُ : فَحَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ قَالَتْ : فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، إِنِّي لِأَعْرِفُ بُكَاءَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بُكَاءِ عُمَرَ ، وَأَنَا فِي حُجْرَتِي . وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) .
قَالَ عَلْقَمَةُ : فَقُلْتُ : أَيْ أُمَّهْ ، فَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ ؟ قَالَتْ : كَانَتْ عَيْنُهُ لَا تَدْمَعُ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ إِذَا وَجِدَ فَإِنَّمَا هُوَ آخِذٌ بِلِحْيَتِهِ
.
401 وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوًا مِنْ هَذَا ، وَلَكِنَّهُ أَخْصَرُ مِنْهُ ، وَفِيهِ دُعَاءُ سَعْدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith