تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1484 · printed p. 402
( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ( 28 ) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ( 29 ) ) .
هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، بِأَنْ يُخَيِّرَ نِسَاءَهُ بَيْنَ أَنْ يُفَارِقَهُنَّ ، فَيَذْهَبْنَ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَحْصُلُ لَهُنَّ عِنْدَهُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ، وَبَيْنَ الصَّبْرِ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ ، وَلَهُنَّ عِنْدَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ ، فَاخْتَرْنَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَأَرْضَاهُنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ خَيْرِ الدُّنْيَا وَسَعَادَةِ الْآخِرَةِ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ۝ أَنَّ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا ، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ " ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ . قَالَتْ : ثُمَّ قَالَ : " وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ) إِلَى تَمَامِ الْآيَتَيْنِ ، فَقُلْتُ لَهُ : فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ .
وَكَذَا رَوَاهُ مُعَلَّقًا عَنِ اللَّيْثِ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَذَكَرَهُ وَزَادَ : قَالَتْ : ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ .
وَقَدْ حَكَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ مَعْمَرًا اضْطَرَبَ ، فَتَارَةً رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَتَارَةً رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ۝ قَالَتْ عَائِشَةُ : لَمَّا نَزَلَ الْخِيَارُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَذْكُرَ لَكِ أَمْرًا ، فَلَا تَقْضِي فِيهِ شَيْئًا حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ " . قَالَتْ : قُلْتُ : وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَرَدَّهُ عَلَيْهَا . فَقَالَتْ : فَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَتْ : فَقَرَأَ عَلَيْهَا : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . قَالَتْ : فَقُلْتُ : بَلْ نَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ . قَالَتْ : فَفَرِحَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
402 وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، ۝ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ ، بَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " يَا عَائِشَةُ ، إِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكِ أَمْرًا ، فَلَا تَفْتَاتِي فِيهِ [ بِشَيْءٍ ] حَتَّى تَعْرِضِيهِ عَلَى أَبَوَيْكِ أَبِي بَكْرٍ وَأُمِّ رُومَانَ " . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ) قَالَتْ : فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَلَا أُؤَامِرُ فِي ذَلِكَ أَبَوَيَّ أَبَا بَكْرٍ وَأُمَّ رُومَانَ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ اسْتَقْرَأَ الْحُجَرَ فَقَالَ : " إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَذَا وَكَذَا " فَقُلْنَ : وَنَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ كُلِّهِنَّ
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، بِهِ
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، ۝ عَنْ عَائِشَةَ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ إِلَى نِسَائِهِ أُمِرَ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ : " سَأَذْكُرُ لَكِ أَمْرًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَاكِ " فَقُلْتُ : وَمَا هُوَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ : " إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكُنَّ " ، وَتَلَا عَلَيْهَا آيَةَ التَّخْيِيرِ ، إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ قَالَتْ : فَقُلْتُ : وَمَا الَّذِي تَقُولُ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَاكِ ؟ فَإِنِّي اخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَسُرَّ بِذَلِكَ ، وَعَرَضَ عَلَى نِسَائِهِ فَتَتَابَعْنَ كُلُّهُنَّ ، فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، ۝ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ ، فَقَالَ : " إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا ، فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ " قَالَتْ : قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ : ثُمَّ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ قَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ) الْآيَتَيْنِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ جَمِيعًا ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، ۝ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرْنَاهُ ، فَلَمْ يَعُدَّهَا عَلَيْنَا شَيْئًا أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ
403 وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، ۝ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ بِبَابِهِ جُلُوسٌ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ : فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ثُمَّ أَذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَدَخْلَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَحَوْلَهُ نِسَاؤُهُ ، وَهُوَ سَاكِتٌ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَأُكَلِّمَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّهُ يَضْحَكُ ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ رَأَيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ - امْرَأَةَ عُمَرَ - سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ آنِفًا ، فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَا نَاجِذُهُ وَقَالَ : " هُنَّ حَوْلِي يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ " فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِلَى عَائِشَةَ لِيَضْرِبَهَا ، وَقَامَ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِلَى حَفْصَةَ ، كِلَاهُمَا يَقُولَانِ : تَسْأَلَانِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَنَهَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَ نِسَاؤُهُ : وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ قَالَ : وَأَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ الْخِيَارَ ، فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَالَ : " إِنِّي أَذْكُرُ لَكِ أَمْرًا مَا أُحِبُّ أَنْ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ " قَالَتْ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : فَتَلَا عَلَيْهَا : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ) الْآيَةَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَفِيكَ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَأَسْأَلُكَ أَلَّا تَذْكُرَ لِامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِكَ مَا اخْتَرْتُ فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّفًا ، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا ، لَا تَسْأَلَنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَمَّا اخْتَرْتِ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا "
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ دُونَ الْبُخَارِيِّ ، فَرَوَاهُ هُوَ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّيِّ ، بِهِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ [ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ ] بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ نِسَاءَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ، وَلَمْ يُخَيِّرْهُنَّ الطَّلَاقَ
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا نَحْوُ ذَلِكَ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنَ الْآيَةِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : ( فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ) أَيْ : أُعْطِكُنَّ حُقُوقَكُنَّ وَأُطْلِقْ سَرَاحَكُنَّ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ تَزْوِيجِ غَيْرِهِ لَهُنَّ لَوْ طَلَّقَهُنَّ ، عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ لَوْ وَقَعَ ، لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنَ السَّرَاحِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ عِكْرِمَةُ : وَكَانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ ، خَمْسٌ مِنْ قُرَيْشٍ : عَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ ، وَسَوْدَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ النَّضْرِيَّةُ ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةُ ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَأَرْضَاهُنَّ
[ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ ، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَبَقِيَتْ مَعَهُ إِلَى أَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ فَآمَنَتْ بِهِ وَنَصَرَتْهُ ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ ، وَمَاتَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فِي الْأَصَحِّ ، وَلَهَا خَصَائِصُ مِنْهَا : أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا ، وَمِنْهَا أَنَّ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ مِنْهَا ، إِلَّا إِبْرَاهِيمَ ، فَإِنَّهُ مِنْ سُرِّيَّتِهِ مَارِيَةَ ، وَمِنْهَا أَنَّهَا خَيْرُ نِسَاءِ الْأُمَّةِ
404 وَاخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِهَا عَلَى عَائِشَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، ثَالِثُهَا الْوَقْفُ
وَسُئِلَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْهُمَا فَقَالَ : اخْتُصَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِخَاصِّيَّةٍ ، فَخَدِيجَةُ كَانَ تَأْثِيرُهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَتْ تُسَلِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُثَبِّتُهُ ، وَتُسَكِّنُهُ ، وَتَبْذُلُ دُونَهُ مَالَهَا ، فَأَدْرَكَتْ غُرَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَاحْتَمَلَتِ الْأَذَى فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ وَكَانَ نُصْرَتُهَا لِلرَّسُولِ فِي أَعْظَمِ أَوْقَاتِ الْحَاجَةِ ، فَلَهَا مِنَ النُّصْرَةِ وَالْبَذْلِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا وَعَائِشَةُ تَأْثِيرُهَا فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ ، فَلَهَا مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَتَبْلِيغِهِ إِلَى الْأُمَّةِ ، وَانْتِفَاعِ بَنِيهَا بِمَا أَدَّتْ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ ، مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
وَمِنْ خَصَائِصِهَا : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ إِلَيْهَا السَّلَامَ مَعَ جِبْرِيلَ ، فَبَلَّغَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : ۝ أَتَى جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ خَدِيجَةُ ، قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَأَقْرِئْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ ، مِنْ قَصَبٍ ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ وَهَذِهِ لَعَمْرُ اللَّهِ خَاصَّةٌ ، لَمْ تَكُنْ لِسِوَاهَا وَأَمَّا عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ سَلَّمَ عَلَيْهَا عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ ۝ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا : " يَا عَائِشَةُ ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ " فَقُلْتُ : وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، تَرَى مَا لَا أَرَى ، تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ خَوَاصِّ خَدِيجَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّهُ لِمَ تَسُؤْهُ قَطُّ ، وَلَمْ تُغَاضِبْهُ ، وَلَمْ يَنَلْهَا مِنْهُ إِيلَاءٌ ، وَلَا عُتْبٌ قَطُّ ، وَلَا هَجْرٌ ، وَكَفَى بِهَذِهِ مَنْقَبَةٌ وَفَضِيلَةٌ
وَمِنْ خَوَاصِّهَا : أَنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ آمَنَتْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith