إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الثالث
فَصْلٌ [ وَجْهُ تَغَيُّرِ الْفَتْوَى بِتَغَيُّرِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْوَالِ ]
إذَا عُرِفَ هَذَا فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَغَيَّرَتْ الْفَتْوَى بِهَا بِحَسَبِ الْأَزْمِنَةِ كَمَا عَرَفْتَ ; لِمَا رَأَتْهُ الصَّحَابَةُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ; لِأَنَّهُمْ رَأَوْا مَفْسَدَةَ تَتَابُعِ النَّاسِ فِي إيقَاعِ الثَّلَاثِ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِإِمْضَائِهَا عَلَيْهِمْ ، فَرَأَوْا مَصْلَحَةَ الْإِمْضَاءِ أَقْوَى مِنْ مَفْسَدَةِ الْوُقُوعِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَابُ التَّحْلِيلِ الَّذِي لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعِلَهُ مَفْتُوحًا بِوَجْهٍ مَا ، بَلْ كَانُوا أَشَدَّ خَلْقِ اللَّهِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ ، وَتَوَعَّدَ عُمَرُ فَاعِلَهُ بِالرَّجْمِ ، وَكَانُوا عَالِمِينَ بِالطَّلَاقِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَغَيْرِهِ ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ الَّتِي قَدْ شَكَتْ الْفُرُوجُ فِيهَا إلَى رَبِّهَا مِنْ مَفْسَدَةِ التَّحْلِيلِ ، وَقُبْحِ مَا يَرْتَكِبُهُ الْمُحَلِّلُونَ مِمَّا هُوَ رَمَدٌ بَلْ عَمًى فِي عَيْنِ الدِّينِ وَشَجًى فِي حُلُوقِ الْمُؤْمِنِينَ : مِنْ قَبَائِحَ تُشْمِتُ أَعْدَاءَ الدِّينِ بِهِ 39 وَتَمْنَعُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِيهِ بِسَبَبِهِ ، بِحَيْثُ لَا يُحِيطُ بِتَفَاصِيلِهَا خِطَابٌ ، وَلَا يَحْصُرُهَا كِتَابٌ ، يَرَاهَا الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ ، وَيَعُدُّونَهَا مِنْ أَعْظَمِ الْفَضَائِحِ ، قَدْ قَلَبَتْ مِنْ الدِّينِ رَسْمَهُ ، وَغَيَّرَتْ مِنْهُ اسْمَهُ ، وَضَمَّخَ التَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ فِيهَا الْمُطَلَّقَةَ بِنَجَاسَةِ التَّحْلِيلِ ، وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ طَيَّبَهَا لِلْحَلِيلِ ، فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ ، أَيُّ طِيبٍ أَعَارَهَا هَذَا التَّيْسُ الْمَلْعُونُ ؟ وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ حَصَلَتْ لَهَا وَلِمُطَلِّقِهَا بِهَذَا الْفِعْلِ الدُّونِ ؟ أَتَرَوْنَ وُقُوفَ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ أَوْ الْوَلِيِّ عَلَى الْبَابِ وَالتَّيْسُ الْمَلْعُونُ قَدْ حَلَّ إزَارَهَا وَكَشَفَ النِّقَابَ وَأَخَذَ فِي ذَلِكَ الْمَرْتَعِ وَالزَّوْجُ أَوْ الْوَلِيُّ يُنَادِيه : لَمْ يُقَدَّمْ إلَيْك هَذَا الطَّعَامُ لِتَشْبَعَ ، فَقَدْ عَلِمْت أَنْتَ وَالزَّوْجَةُ وَنَحْنُ وَالشُّهُودُ وَالْحَاضِرُونَ وَالْمَلَائِكَةُ الْكَاتِبُونَ وَرَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّك لَسْت مَعْدُودًا مِنْ الْأَزْوَاجِ ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ أَوْ أَوْلِيَائِهَا بِك رِضًا وَلَا فَرَحٌ وَلَا ابْتِهَاجٌ ، وَإِنَّمَا أَنْتَ بِمَنْزِلَةِ التَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ لِلضِّرَابِ ، الَّذِي لَوْلَا هَذِهِ الْبَلْوَى لَمَا رَضِينَا وُقُوفَك عَلَى الْبَابِ ; فَالنَّاسُ يُظْهِرُونَ النِّكَاحَ وَيُعْلِنُونَهُ فَرَحًا وَسُرُورًا ، وَنَحْنُ نَتَوَاصَى بِكِتْمَانِ هَذَا الدَّاءِ الْعُضَالِ وَنَجْعَلُهُ أَمْرًا مَسْتُورًا ; بِلَا نِثَارٍ وَلَا دُفٍّ وَلَا خِوَانٍ وَلَا إعْلَانٍ ، بَلْ التَّوَاصِي بِهَسٍّ وَمَسٍّ وَالْإِخْفَاءِ وَالْكِتْمَانِ ; فَالْمَرْأَةُ تُنْكَحُ لِدِينِهَا وَحَسَبِهَا وَمَالِهَا وَجَمَالِهَا ، وَالتَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ لَا يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْسِكُ بِعِصْمَتِهَا ، بَلْ قَدْ دَخَلَ عَلَى زَوَالِهَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ سَكَنًا لِصَاحِبِهِ ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ مَقْصُودُ هَذَا الْعَقْدِ الْعَظِيمِ ، وَتَتِمُّ بِذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي شَرَعَهُ لِأَجْلِهَا الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، فَسَلْ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ : هَلْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبٌ ، أَوْ هُوَ مِنْ حِكْمَةِ هَذَا الْعَقْدِ وَمَقْصُودِهِ وَمَصْلَحَتِهِ أَجْنَبِيٌّ غَرِيبٌ ؟
وَسَلْهُ : هَلْ اتَّخَذَ هَذِهِ الْمُصَابَةَ حَلِيلَةً وَفِرَاشًا يَأْوِي إلَيْهِ ؟ ثُمَّ سَلْهَا : هَلْ رَضِيَتْ بِهِ قَطُّ زَوْجًا وَبَعْلًا تَعُولُ فِي نَوَائِبِهَا عَلَيْهِ ؟ وَسَلْ أُوَلِي التَّمْيِيزِ وَالْعُقُولِ : هَلْ تَزَوَّجَتْ فُلَانَةُ بِفُلَانٍ ؟ وَهَلْ يُعَدُّ هَذَا نِكَاحًا فِي شَرْعٍ أَوْ عَقْلٍ أَوْ فِطْرَةِ إنْسَانٍ ؟ وَكَيْفَ يَلْعَنُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِهِ نَكَحَ نِكَاحًا شَرْعِيًّا صَحِيحًا ، وَلَمْ يَرْتَكِبْ فِي عَقْدِهِ مُحَرَّمًا وَلَا قَبِيحًا ؟ وَكَيْفَ يُشْبِهُهُ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَة الْمُحْسِنِينَ الْأَبْرَارِ ؟ وَكَيْفَ تُعَيَّرُ بِهِ الْمَرْأَةُ طُولَ دَهْرِهَا بَيْنَ أَهْلِهَا وَالْجِيرَانِ ; وَتَظَلُّ نَاكِسَةً رَأْسَهَا إذَا ذُكِرَ ذَلِكَ التَّيْسُ بَيْنَ النِّسْوَانِ ؟ وَسَلْ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ : هَلْ حَدَّثَ نَفْسَهُ وَقْتَ هَذَا الْعَقْدِ الَّذِي هُوَ شَقِيقُ النِّفَاقِ ، بِنَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ وَزْنِ صَدَاقٍ ؟ وَهَلْ طَمِعَتْ الْمُصَابَةُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ حَدَّثَتْ نَفْسَهَا بِهِ هُنَالِكَ ؟ وَهَلْ طَلَبَ مِنْهَا وَلَدًا نَجِيبًا وَاِتَّخَذَتْهُ عَشِيرًا وَحَبِيبًا ؟ وَسَلْ عُقُولَ الْعَالَمِينَ وَفِطَرَهُمْ : هَلْ كَانَ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرَهُمْ تَحْلِيلًا ، أَوْ كَانَ الْمُحَلَّلُ الَّذِي لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَهْدَاهُمْ سَبِيلًا ؟
وَسَلْ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ وَمَنْ اُبْتُلِيَتْ بِهِ : هَلْ تَجَمَّلَ أَحَدٌ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ كَمَا يَتَجَمَّلُ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِالرِّجَالِ ، أَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا 40 رَغْبَةٌ فِي صَاحِبِهِ بِحَسَبٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَمَالٍ ؟ وَسَلْ الْمَرْأَةَ : هَلْ تَكْرَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا هَذَا التَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ أَوْ يَتَسَرَّى ، أَوْ تَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا أُخْرَى ، أَوْ تَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ وَصَنْعَتِهِ أَوْ حُسْنِ عِشْرَتِهِ وَسَعَةِ نَفَقَتِهِ ؟ وَسَلْ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ : هَلْ سَأَلَ قَطُّ عَمَّا يَسْأَلُهُ عَنْهُ مَنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ النِّكَاحِ ، أَوْ يَتَوَسَّلُ إلَى بَيْتِ أَحْمَائِهِ بِالْهَدِيَّةِ وَالْحُمُولَةِ وَالنَّقْدِ الَّذِي يَتَوَسَّلُ بِهِ خَاطِبُ الْمِلَاحِ ؟ وَسَلْهُ : هَلْ هُوَ أَبُو يَأْخُذُ أَوْ أَبُو يُعْطِي ؟ وَهَلْ قَوْلُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ جَادَ هَذَا الْعَقْدَ : خُذِي نَفَقَةَ هَذَا الْعُرْسِ أَوْ حُطِّي ؟
وَسَلْهُ : هَلْ تَحَمَّلَ مِنْ كُلْفَةِ هَذَا الْعَقْدِ خُذِي نَفَقَةَ هَذَا الْعُرْسِ أَوْ حُطِّي ؟ ] وَسَلْهُ عَنْ وَلِيمَةِ عُرْسِهِ : هَلْ أَوْلَمَ وَلَوْ بِشَاةٍ ؟ وَهَلْ دَعَا إلَيْهَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَضَى حَقَّهُ وَأَتَاهُ ؟ وَسَلْهُ : هَلْ تَحَمَّلَ مِنْ كُلْفَةِ هَذَا الْعَقْدِ مَا يَتَحَمَّلُهُ الْمُتَزَوِّجُونَ ، أَمْ جَاءَهُ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ الْأَصْحَابُ وَالْمُهَنَّئُونَ ؟ وَهَلْ قِيلَ لَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا وَعَلَيْكُمَا وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ ، أَمْ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ لَعْنَةً تَامَّةً وَافِيَةً ؟ .
فَصْلٌ
ثُمَّ سَلْ مَنْ لَهُ أَدْنَى اطِّلَاعٍ عَلَى أَحْوَالِ النَّاسِ : كَمْ مِنْ حُرَّةٍ مَصُونَةٍ أَنْشَبَ فِيهَا الْمُحَلِّلُ مَخَالِبَ إرَادَتِهِ فَصَارَتْ لَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ مِنْ الْأَخْدَانِ وَكَانَ بَعْلُهَا مُنْفَرِدًا بِوَطْئِهَا فَإِذَا هُوَ وَالْمُحَلِّلُ فِيهَا بِبَرَكَةِ التَّحْلِيلِ شَرِيكَانِ ؟ فَلَعَمْرُ اللَّهِ كَمْ أَخَرَجَ التَّحْلِيلُ مُخَدَّرَةً مِنْ سِتْرِهَا إلَى الْبِغَاءِ ، وَأَلْقَاهَا بَيْنَ بَرَاثِنِ الْعُشَرَاءِ وَالْحُرَفَاءِ ؟ وَلَوْلَا التَّحْلِيلُ لَكَانَ مَنَالُ الثُّرَيَّا دُونَ مَنَالِهَا ، وَالتَّدَرُّعُ بِالْأَكْفَانِ دُونَ التَّدَرُّعِ بِجَمَالِهَا ، وَعِنَاقُ الْقَنَا دُون عِنَاقِهَا ، وَالْأَخْذُ بِذِرَاعِ الْأَسَدِ دُونَ الْأَخْذِ بِسَاقِهَا ، وَسَلْ أَهْلَ الْخِبْرَةِ : كَمْ عَقَدَ الْمُحَلِّلُ عَلَى أُمٍّ وَابْنَتِهَا ؟ وَكَمْ جَمَعَ مَاءَهُ فِي أَرْحَامِ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ وَفِي رَحِمِ الْأُخْتَيْنِ ؟ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ بَاطِلُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ ، وَهَذِهِ الْمَفْسَدَةُ فِي كُتُبِ مَفَاسِدِ التَّحْلِيلِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْرَدَ بِالذِّكْرِ وَهِيَ كَمَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأَمْوَاجِ ، وَمَنْ يَسْتَطِيعُ عَدَّ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ ؟ ، وَكَمْ مِنْ امْرَأَةٍ كَانَتْ قَاصِرَةَ الطَّرْفِ عَلَى بَعْلِهَا ، فَلَمَّا ذَاقَتْ عُسَيْلَةَ الْمُحَلِّلِ خَرَجَتْ عَلَى وَجْهِهَا فَلَمْ يَجْتَمِعْ شَمْلَ الْإِحْصَانِ وَالْعِفَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَمْلِهَا ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ فَكَيْفَ يَحْتَمِلُ أَكْمَلُ الشَّرَائِعِ وَأَحْكَمُهَا تَحْلِيلَهُ ؟ فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ صَرَّحَ بِلَعْنَتِهِ ، وَسَمَّاهُ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ مِنْ بَيْنِ فُسَّاقِ أُمَّتِهِ ، كَمَا شَهِدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِفَاحًا .
أَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ النَّسَائِيّ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ قَالَ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَالَ سُفْيَانُ 41 الثَّوْرِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة ، وَالْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ ، وَالْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ } وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ { لَعَنَ الْمُحَلِّلَ } وَصَحَّحَهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْوَاصِلِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } ، وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { آكِلُ الرِّبَا وَمُوكِلُهُ وَشَاهِدَاهُ وَكَاتِبُهُ إذَا عَلِمُوا بِهِ ، وَالْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ ، وَلَاوِي الصَّدَقَةِ وَالْمُعْتَدِي فِيهَا ، وَالْمُرْتَدُّ عَلَى عَقِبَيْهِ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ ، مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَفِي الْمُسْنَدِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَفِي الْمُسْنَدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمُسْنَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَخْنَسِيِّ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ } قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : عُثْمَانُ بْنُ الْأَخْنَسِيُّ ثِقَةٌ ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمْ ; فَالْإِسْنَادُ جَيِّدٌ ، وَفِي كِتَابِ الْعِلَلِ لِلتِّرْمِذِيِّ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ صَدُوقٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسِيُّ ثِقَةٌ ، وَكُنْت أَظُنُّ أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : هَذَا إسْنَادٌ جَيِّدٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } وَمُجَالِدٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْوَى مِنْهُ فَحَدِيثُهُ شَاهِدٌ وَمُقَوٍّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : هُوَ الْمُحَلِّلُ ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ 42 سَعْدٍ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، فَذَكَرَهُ ، وَقَدْ أُعِلَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِثَلَاثِ عِلَلٍ ; إحْدَاهَا : أَنَّ أَبَا حَاتِمٍ الْبُسْتِيَّ ضَعَّفَ مِشْرَحَ بْنَ هَاعَانَ .
، وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ عَنْ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ، هُوَ الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ ، وَلَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } فَقَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ لَمْ يَكُنْ أَخْرَجَهُ فِي أَيَّامِنَا ، مَا أَرَى اللَّيْثَ سَمِعَهُ مِنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ ; لِأَنَّ حَيْوَةَ يَرْوِي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِشْرَحٍ .
وَالْعِلَّةُ الثَّالِثَةُ : مَا ذَكَرَهَا الْجُوزَجَانِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ فَقَالَ : كَانُوا يُنْكِرُونَ عَلَى عُثْمَانَ هَذَا الْحَدِيثَ إنْكَارًا شَدِيدًا ; فَأَمَّا الْعِلَّةُ الْأُولَى فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ : مِشْرَحٌ قَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَابْنِ مَعِينٍ أَعْلَمُ بِالرِّجَالِ مِنْ ابْنِ حِبَّانَ ، قُلْت : وَهُوَ صَدُوقٌ عِنْدَ الْحُفَّاظِ ، لَمْ يَتَّهِمْهُ أَحَدٌ أَلْبَتَّةَ ، وَلَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَطُّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَلَا ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ : يَرْوِي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَنَاكِيرَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا ; فَالصَّوَابُ تَرْكُ مَا انْفَرَدَ بِهِ ، وَانْفَرَدَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِهَذَا الْقَوْلِ فِيهِ ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّيْثِ ، وَكَوْنُهُ لَمْ يُخْرِجْهُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الْبُخَارِيِّ بِهِ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا ; وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إنَّ حَيْوَةَ يَرْوِي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَيْحٍ الْمِصْرِيِّ عَنْ مِشْرَحٍ " فَإِنَّهُ يُرِيدُ [ بِهِ ] أَنَّ حَيْوَةَ مِنْ أَقْرَانِ اللَّيْثِ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا رَوَى عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِشْرَحٍ ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ قَوِيٌّ ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ اللَّيْثَ قَالَ " قَالَ مِشْرَحٌ " وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ ; فَإِنَّ اللَّيْثَ كَانَ مُعَاصِرًا لِمِشْرَحٍ وَهُوَ فِي بَلَدِهِ ، وَطَلَبُ اللَّيْثُ الْعِلْمَ وَجَمْعُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ لَا يَسْمَعَ مِنْ مِشْرَحٍ حَدِيثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ . وَأَمَّا التَّعْلِيلُ الثَّالِثُ فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : إنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى عُثْمَانَ غَيْرُ جَيِّدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَوَهُّمِ انْفِرَادِهِ بِهِ عَنْ اللَّيْثِ وَظَنِّهِمْ أَنَّهُ لَعَلَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ اللَّيْثِ ، كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ مَنْ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْ الرَّجُلِ مَنْ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ مِنْ أَصْحَابِهِ كَانَ ذَلِكَ شُذُوذًا فِيهِ وَعِلَّةً قَادِحَةً ، وَهَذَا لَا يَتَوَجَّهُ هَهُنَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ عَنْهُ ، رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرٍ الْقَطِيعِيِّ ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي فَرِيقٍ ثنا أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهِ ، فَذَكَرَهُ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ : ثنا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ ، فَذَكَرَهُ . الثَّانِي : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ صَالِحٍ هَذَا الْمِصْرِيُّ نَفْسُهُ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ ، وَقَالَ : هُوَ شَيْخٌ صَالِحٌ سَلِيمُ التَّأْدِيَةِ ، قِيلَ 43 لَهُ : كَانَ يُلَقِّنُ ؟ قَالَ : لَا ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ حُجَّةً ، وَإِنَّمَا الشَّاذُّ مَا خَالَفَ بِهِ الثِّقَاتِ ، لَا مَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْهُمْ ، فَكَيْفَ إذَا تَابَعَهُ مِثْلُ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ كَاتِبُ اللَّيْثِ وَأَكْثَرُ النَّاس حَدِيثًا عَنْهُ ؟ وَهُوَ ثِقَةٌ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ غَلَطٌ ، وَمِشْرَحُ بْنُ هَاعَانَ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ ، وَقَالَ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : هُوَ مَعْرُوفٌ ; فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، انْتَهَى .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ الشَّاذُّ أَنْ يَنْفَرِدَ الثِّقَةُ عَنْ النَّاسِ بِحَدِيثٍ ، إنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يُخَالِفَ مَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْهُ قَالَ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } وَفِي إسْنَادِهِ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ قَوْمٌ ، وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ ، وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مَقْرُونًا بِآخَرَ ، وَعَنْ ابْنِ مَعِينٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَتَزَوَّجَهَا أَخٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ بَيْنَهُ لِيُحِلَّهَا لِأَخِيهِ : هَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ ، كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ، قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ، وَقَالَ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ نَشِيطٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ : قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ : لُعِنَ الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ ، وَكَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ : هَذَا التَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ .
فَصْلٌ
فَسَلْ هَذَا التَّيْسَ : هَلْ دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلْقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمِ الْقِيَامَة } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ : النِّكَاحُ ، وَالتَّعَطُّرُ ، وَالْخِتَانُ ، وَذَكَرَ الرَّابِعَةَ } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { النِّكَاحُ سُنَّتِي ; فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : خَيْرُ هَذِهِ الْأَمَةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً ؟ وَهَلْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ : النَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ ، وَالْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ } وَذَكَرَ الثَّالِثَ ، أَمْ حَقَّ عَلَى اللَّهِ لَعْنَتُهُ تَصْدِيقًا لِرَسُولِهِ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ ؟ وَسَلْهُ : هَلْ يَلْعَنُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَنْ يَفْعَلُ مُسْتَحَبًّا أَوْ جَائِزًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ صَغِيرَةً ، أَمْ لَعْنَتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَوْ مَا هُوَ 44 أَعْظَمُ مِنْهَا ؟ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِلَعْنَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ عَذَابٍ أَوْ نَارٍ فَهُوَ كَبِيرَةٌ ، وَسَلْهُ : هَلْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مُحَلِّلٌ وَاحِدٌ أَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى التَّحْلِيلِ ؟ وَسَلْهُ لِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا أُوتَى بِمُحَلَّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا .
وَسَلْهُ : كَيْفَ تَكُونُ الْمُتْعَةُ حَرَامًا نَصًّا مَعَ أَنَّ الْمُسْتَمْتِعَ لَهُ غَرَضٌ فِي نِكَاحِ الزَّوْجَةِ إلَى وَقْتٍ لَكِنْ لَمَّا كَانَ غَيْرَ دَاخِلٍ عَلَى النِّكَاحِ الْمُؤَبَّدِ كَانَ مُرْتَكِبًا لِلْمُحَرَّمِ ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ الَّذِي إنَّمَا قَصْدُهُ أَنْ يُمْسِكَهَا سَاعَةً مِنْ زَمَانٍ أَوْ دُونَهَا ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي النِّكَاحِ أَلْبَتَّةَ ؟ بَلْ قَدْ شَرَطَ انْقِطَاعَهُ وَزَوَالَهُ إذَا أَخْبَثَهَا بِالتَّحْلِيلِ ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ فِي عَقْلٍ أَوْ شَرْعٍ تَحْلِيلُ هَذَا وَتَحْرِيمُ الْمُتْعَةِ ؟ هَذَا مَعَ أَنَّ الْمُتْعَةَ أُبِيحَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، وَفَعَلَهَا الصَّحَابَةُ ، وَأَفْتَى بِهَا بَعْضُهُمْ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ لَمْ يُبَحْ فِي مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ قَطُّ وَلَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا أَفْتَى بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ؟ وَلَيْسَ الْغَرَضُ بَيَانَ تَحْرِيمِ هَذَا الْعَقْدِ وَبُطْلَانِهِ وَذِكْرِ مَفَاسِدِهِ وَشَرِّهِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي سِفْرًا ضَخْمًا نَخْتَصِرُ فِيهِ الْكَلَامَ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا شَأْنُ التَّحْلِيلِ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَصْحَابِ رَسُولِهِ ، فَأَلْزَمَهُمْ عُمَرُ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إذَا جَمَعُوهَا لِيَكُفُّوا عَنْهُ إذَا عَلِمُوا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُحَرَّمُ بِهِ ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى عَوْدِهَا بِالتَّحْلِيلِ ، فَلَمَّا تَغَيَّرَ الزَّمَانُ ، وَبَعُدَ الْعَهْدِ بِالسَّنَةِ وَآثَارِ الْقَوْمِ ، وَقَامَتْ سُوقُ التَّحْلِيلِ وَنَفَّقَتْ فِي النَّاسِ ; فَالْوَاجِبُ أَنْ يُرَدَّ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلِيفَتِهِ مِنْ الْإِفْتَاءِ بِمَا يُعَطِّلُ سُوقَ التَّحْلِيلِ أَوْ يُقَلِّلُهَا وَيُخَفِّفُ شَرَّهَا ، وَإِذَا عَرَضَ عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَبَصَّرَهُ بِالْهُدَى وَفَقَّهَهُ فِي دِينِهِ مَسْأَلَةُ كَوْنِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً وَمَسْأَلَةُ التَّحْلِيلِ وَوَازَنَ بَيْنَهُمَا تَبَيَّنَ لَهُ التَّفَاوُتُ ، وَعُلِمَ أَيُّ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَوْلَى بِالدِّينِ وَأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ .
فَهَذِهِ حُجَجُ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَدْ عُرِضَتْ عَلَيْك ، وَقَدْ أُهْدِيَتْ إنْ قَبِلْتَهَا إلَيْك ، وَمَا أَظُنُّ عَمَى التَّقْلِيدِ إلَّا يَزِيدُ الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَدَعُ التَّوْفِيقَ يَقُودَك اخْتِيَارًا إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ إشَارَةً تُطْلِعُ الْعَالِمَ عَلَى مَا وَرَاءَهَا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ
فَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أَمْرُ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَمْنَعُ التَّحْلِيلَ ، أَفْتَى بِهَا الْمُفْتِي ، وَقَدْ قَالَ بِهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ; فَهِيَ خَيْرٌ مِنْ التَّحْلِيلِ ، حَتَّى لَوْ أَفْتَى الْمُفْتِي بِحِلِّهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ ، لَكَانَ أَعْذَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَصْحَابِ التَّحْلِيلِ ، وَإِنْ اشْتَرَكَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مُخَالَفَةِ النَّصِّ ; فَإِنَّ النُّصُوصَ الْمَانِعَةَ مِنْ التَّحْلِيلِ الْمُصَرِّحَةَ بِلَعْنِ فَاعِلِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَالصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ مُجْمِعُونَ عَلَيْهَا ، وَالنُّصُوصُ الْمُشْتَرِطَةُ لِلدُّخُولِ لَا تَبْلُغُ مَبْلَغَهَا ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا التَّابِعُونَ ; 45 فَمُخَالَفَتُهَا أَسْهَلُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَحَادِيثِ التَّحْلِيلِ ، وَالْحَقُّ مُوَافَقَةُ جَمِيعِ النُّصُوصِ ، وَأَنْ لَا يُتْرَكَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِنْ كَوْنِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً وَالتَّحْلِيلُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، ثُمَّ صَارَ فِي بَقِيَّةِ خِلَافَةِ عُمَرَ الثَّلَاثُ ثَلَاثٌ وَالتَّحْلِيلُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، وَعُمَرُ مِنْ أَشَدِّ الصَّحَابَةِ فِيهِ ، وَكُلُّهُمْ عَلَى مِثْلِ قَوْلِهِ فِيهِ ، ثُمَّ صَارَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ التَّحْلِيلُ كَثِيرًا مَشْهُورًا وَالثَّلَاثُ ثَلَاثًا .
وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَنِعُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَة مُعَاقَبَةُ النَّاسِ بِمَا عَاقَبَهُمْ بِهِ عُمَرُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ حَرَامٌ ، لَا سِيَّمَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يَرَى تَحْرِيمَهُ ، فَكَيْفَ يُعَاقَبُ مِنْ لَمْ يَرْتَكِبْ مُحَرَّمًا عِنْدَ نَفْسِهِ ؟ الثَّانِي : أَنَّ عُقُوبَتَهُمْ بِذَلِكَ تَفْتَحُ عَلَيْهِمْ بَابَ التَّحْلِيلِ الَّذِي كَانَ مَسْدُودًا عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ ، وَالْعُقُوبَةُ إذَا تَضَمَّنَتْ مُفْسِدَةً أَكْثَرَ مِنْ الْفِعْلِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهِ كَانَ تَرْكُهَا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ التَّحْلِيلَ مِمَّا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَمَعَاذَ اللَّهِ لَكَانَ الْمَنْعُ مِنْهُ إذَا وَصَلَ إلَى هَذَا الْحَدِّ الَّذِي قَدْ تَفَاحَشَ قُبْحُهُ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ ، وَتَعَيَّنَ عَلَى الْمُفْتِينَ وَالْقُضَاةِ الْمَنْعُ مِنْهُ جُمْلَةً ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ جَائِزٌ ; إذْ لَا يَسْتَرِيبُ أَحَدٌ فِي أَنَّ الرُّجُوعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ أَوْلَى مِنْ الرُّجُوعِ إلَى التَّحْلِيلِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
إذَا عُرِفَ هَذَا فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَغَيَّرَتْ الْفَتْوَى بِهَا بِحَسَبِ الْأَزْمِنَةِ كَمَا عَرَفْتَ ; لِمَا رَأَتْهُ الصَّحَابَةُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ; لِأَنَّهُمْ رَأَوْا مَفْسَدَةَ تَتَابُعِ النَّاسِ فِي إيقَاعِ الثَّلَاثِ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِإِمْضَائِهَا عَلَيْهِمْ ، فَرَأَوْا مَصْلَحَةَ الْإِمْضَاءِ أَقْوَى مِنْ مَفْسَدَةِ الْوُقُوعِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَابُ التَّحْلِيلِ الَّذِي لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعِلَهُ مَفْتُوحًا بِوَجْهٍ مَا ، بَلْ كَانُوا أَشَدَّ خَلْقِ اللَّهِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ ، وَتَوَعَّدَ عُمَرُ فَاعِلَهُ بِالرَّجْمِ ، وَكَانُوا عَالِمِينَ بِالطَّلَاقِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَغَيْرِهِ ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ الَّتِي قَدْ شَكَتْ الْفُرُوجُ فِيهَا إلَى رَبِّهَا مِنْ مَفْسَدَةِ التَّحْلِيلِ ، وَقُبْحِ مَا يَرْتَكِبُهُ الْمُحَلِّلُونَ مِمَّا هُوَ رَمَدٌ بَلْ عَمًى فِي عَيْنِ الدِّينِ وَشَجًى فِي حُلُوقِ الْمُؤْمِنِينَ : مِنْ قَبَائِحَ تُشْمِتُ أَعْدَاءَ الدِّينِ بِهِ 39 وَتَمْنَعُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِيهِ بِسَبَبِهِ ، بِحَيْثُ لَا يُحِيطُ بِتَفَاصِيلِهَا خِطَابٌ ، وَلَا يَحْصُرُهَا كِتَابٌ ، يَرَاهَا الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ ، وَيَعُدُّونَهَا مِنْ أَعْظَمِ الْفَضَائِحِ ، قَدْ قَلَبَتْ مِنْ الدِّينِ رَسْمَهُ ، وَغَيَّرَتْ مِنْهُ اسْمَهُ ، وَضَمَّخَ التَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ فِيهَا الْمُطَلَّقَةَ بِنَجَاسَةِ التَّحْلِيلِ ، وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ طَيَّبَهَا لِلْحَلِيلِ ، فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ ، أَيُّ طِيبٍ أَعَارَهَا هَذَا التَّيْسُ الْمَلْعُونُ ؟ وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ حَصَلَتْ لَهَا وَلِمُطَلِّقِهَا بِهَذَا الْفِعْلِ الدُّونِ ؟ أَتَرَوْنَ وُقُوفَ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ أَوْ الْوَلِيِّ عَلَى الْبَابِ وَالتَّيْسُ الْمَلْعُونُ قَدْ حَلَّ إزَارَهَا وَكَشَفَ النِّقَابَ وَأَخَذَ فِي ذَلِكَ الْمَرْتَعِ وَالزَّوْجُ أَوْ الْوَلِيُّ يُنَادِيه : لَمْ يُقَدَّمْ إلَيْك هَذَا الطَّعَامُ لِتَشْبَعَ ، فَقَدْ عَلِمْت أَنْتَ وَالزَّوْجَةُ وَنَحْنُ وَالشُّهُودُ وَالْحَاضِرُونَ وَالْمَلَائِكَةُ الْكَاتِبُونَ وَرَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّك لَسْت مَعْدُودًا مِنْ الْأَزْوَاجِ ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ أَوْ أَوْلِيَائِهَا بِك رِضًا وَلَا فَرَحٌ وَلَا ابْتِهَاجٌ ، وَإِنَّمَا أَنْتَ بِمَنْزِلَةِ التَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ لِلضِّرَابِ ، الَّذِي لَوْلَا هَذِهِ الْبَلْوَى لَمَا رَضِينَا وُقُوفَك عَلَى الْبَابِ ; فَالنَّاسُ يُظْهِرُونَ النِّكَاحَ وَيُعْلِنُونَهُ فَرَحًا وَسُرُورًا ، وَنَحْنُ نَتَوَاصَى بِكِتْمَانِ هَذَا الدَّاءِ الْعُضَالِ وَنَجْعَلُهُ أَمْرًا مَسْتُورًا ; بِلَا نِثَارٍ وَلَا دُفٍّ وَلَا خِوَانٍ وَلَا إعْلَانٍ ، بَلْ التَّوَاصِي بِهَسٍّ وَمَسٍّ وَالْإِخْفَاءِ وَالْكِتْمَانِ ; فَالْمَرْأَةُ تُنْكَحُ لِدِينِهَا وَحَسَبِهَا وَمَالِهَا وَجَمَالِهَا ، وَالتَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ لَا يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْسِكُ بِعِصْمَتِهَا ، بَلْ قَدْ دَخَلَ عَلَى زَوَالِهَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ سَكَنًا لِصَاحِبِهِ ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ مَقْصُودُ هَذَا الْعَقْدِ الْعَظِيمِ ، وَتَتِمُّ بِذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي شَرَعَهُ لِأَجْلِهَا الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، فَسَلْ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ : هَلْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبٌ ، أَوْ هُوَ مِنْ حِكْمَةِ هَذَا الْعَقْدِ وَمَقْصُودِهِ وَمَصْلَحَتِهِ أَجْنَبِيٌّ غَرِيبٌ ؟
وَسَلْهُ : هَلْ اتَّخَذَ هَذِهِ الْمُصَابَةَ حَلِيلَةً وَفِرَاشًا يَأْوِي إلَيْهِ ؟ ثُمَّ سَلْهَا : هَلْ رَضِيَتْ بِهِ قَطُّ زَوْجًا وَبَعْلًا تَعُولُ فِي نَوَائِبِهَا عَلَيْهِ ؟ وَسَلْ أُوَلِي التَّمْيِيزِ وَالْعُقُولِ : هَلْ تَزَوَّجَتْ فُلَانَةُ بِفُلَانٍ ؟ وَهَلْ يُعَدُّ هَذَا نِكَاحًا فِي شَرْعٍ أَوْ عَقْلٍ أَوْ فِطْرَةِ إنْسَانٍ ؟ وَكَيْفَ يَلْعَنُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِهِ نَكَحَ نِكَاحًا شَرْعِيًّا صَحِيحًا ، وَلَمْ يَرْتَكِبْ فِي عَقْدِهِ مُحَرَّمًا وَلَا قَبِيحًا ؟ وَكَيْفَ يُشْبِهُهُ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَة الْمُحْسِنِينَ الْأَبْرَارِ ؟ وَكَيْفَ تُعَيَّرُ بِهِ الْمَرْأَةُ طُولَ دَهْرِهَا بَيْنَ أَهْلِهَا وَالْجِيرَانِ ; وَتَظَلُّ نَاكِسَةً رَأْسَهَا إذَا ذُكِرَ ذَلِكَ التَّيْسُ بَيْنَ النِّسْوَانِ ؟ وَسَلْ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ : هَلْ حَدَّثَ نَفْسَهُ وَقْتَ هَذَا الْعَقْدِ الَّذِي هُوَ شَقِيقُ النِّفَاقِ ، بِنَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ وَزْنِ صَدَاقٍ ؟ وَهَلْ طَمِعَتْ الْمُصَابَةُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ حَدَّثَتْ نَفْسَهَا بِهِ هُنَالِكَ ؟ وَهَلْ طَلَبَ مِنْهَا وَلَدًا نَجِيبًا وَاِتَّخَذَتْهُ عَشِيرًا وَحَبِيبًا ؟ وَسَلْ عُقُولَ الْعَالَمِينَ وَفِطَرَهُمْ : هَلْ كَانَ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرَهُمْ تَحْلِيلًا ، أَوْ كَانَ الْمُحَلَّلُ الَّذِي لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَهْدَاهُمْ سَبِيلًا ؟
وَسَلْ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ وَمَنْ اُبْتُلِيَتْ بِهِ : هَلْ تَجَمَّلَ أَحَدٌ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ كَمَا يَتَجَمَّلُ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِالرِّجَالِ ، أَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا 40 رَغْبَةٌ فِي صَاحِبِهِ بِحَسَبٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَمَالٍ ؟ وَسَلْ الْمَرْأَةَ : هَلْ تَكْرَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا هَذَا التَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ أَوْ يَتَسَرَّى ، أَوْ تَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا أُخْرَى ، أَوْ تَسْأَلُهُ عَنْ مَالِهِ وَصَنْعَتِهِ أَوْ حُسْنِ عِشْرَتِهِ وَسَعَةِ نَفَقَتِهِ ؟ وَسَلْ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ : هَلْ سَأَلَ قَطُّ عَمَّا يَسْأَلُهُ عَنْهُ مَنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ النِّكَاحِ ، أَوْ يَتَوَسَّلُ إلَى بَيْتِ أَحْمَائِهِ بِالْهَدِيَّةِ وَالْحُمُولَةِ وَالنَّقْدِ الَّذِي يَتَوَسَّلُ بِهِ خَاطِبُ الْمِلَاحِ ؟ وَسَلْهُ : هَلْ هُوَ أَبُو يَأْخُذُ أَوْ أَبُو يُعْطِي ؟ وَهَلْ قَوْلُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ جَادَ هَذَا الْعَقْدَ : خُذِي نَفَقَةَ هَذَا الْعُرْسِ أَوْ حُطِّي ؟
وَسَلْهُ : هَلْ تَحَمَّلَ مِنْ كُلْفَةِ هَذَا الْعَقْدِ خُذِي نَفَقَةَ هَذَا الْعُرْسِ أَوْ حُطِّي ؟ ] وَسَلْهُ عَنْ وَلِيمَةِ عُرْسِهِ : هَلْ أَوْلَمَ وَلَوْ بِشَاةٍ ؟ وَهَلْ دَعَا إلَيْهَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَضَى حَقَّهُ وَأَتَاهُ ؟ وَسَلْهُ : هَلْ تَحَمَّلَ مِنْ كُلْفَةِ هَذَا الْعَقْدِ مَا يَتَحَمَّلُهُ الْمُتَزَوِّجُونَ ، أَمْ جَاءَهُ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ الْأَصْحَابُ وَالْمُهَنَّئُونَ ؟ وَهَلْ قِيلَ لَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا وَعَلَيْكُمَا وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ ، أَمْ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ لَعْنَةً تَامَّةً وَافِيَةً ؟ .
فَصْلٌ
ثُمَّ سَلْ مَنْ لَهُ أَدْنَى اطِّلَاعٍ عَلَى أَحْوَالِ النَّاسِ : كَمْ مِنْ حُرَّةٍ مَصُونَةٍ أَنْشَبَ فِيهَا الْمُحَلِّلُ مَخَالِبَ إرَادَتِهِ فَصَارَتْ لَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ مِنْ الْأَخْدَانِ وَكَانَ بَعْلُهَا مُنْفَرِدًا بِوَطْئِهَا فَإِذَا هُوَ وَالْمُحَلِّلُ فِيهَا بِبَرَكَةِ التَّحْلِيلِ شَرِيكَانِ ؟ فَلَعَمْرُ اللَّهِ كَمْ أَخَرَجَ التَّحْلِيلُ مُخَدَّرَةً مِنْ سِتْرِهَا إلَى الْبِغَاءِ ، وَأَلْقَاهَا بَيْنَ بَرَاثِنِ الْعُشَرَاءِ وَالْحُرَفَاءِ ؟ وَلَوْلَا التَّحْلِيلُ لَكَانَ مَنَالُ الثُّرَيَّا دُونَ مَنَالِهَا ، وَالتَّدَرُّعُ بِالْأَكْفَانِ دُونَ التَّدَرُّعِ بِجَمَالِهَا ، وَعِنَاقُ الْقَنَا دُون عِنَاقِهَا ، وَالْأَخْذُ بِذِرَاعِ الْأَسَدِ دُونَ الْأَخْذِ بِسَاقِهَا ، وَسَلْ أَهْلَ الْخِبْرَةِ : كَمْ عَقَدَ الْمُحَلِّلُ عَلَى أُمٍّ وَابْنَتِهَا ؟ وَكَمْ جَمَعَ مَاءَهُ فِي أَرْحَامِ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ وَفِي رَحِمِ الْأُخْتَيْنِ ؟ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ بَاطِلُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ ، وَهَذِهِ الْمَفْسَدَةُ فِي كُتُبِ مَفَاسِدِ التَّحْلِيلِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْرَدَ بِالذِّكْرِ وَهِيَ كَمَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأَمْوَاجِ ، وَمَنْ يَسْتَطِيعُ عَدَّ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ ؟ ، وَكَمْ مِنْ امْرَأَةٍ كَانَتْ قَاصِرَةَ الطَّرْفِ عَلَى بَعْلِهَا ، فَلَمَّا ذَاقَتْ عُسَيْلَةَ الْمُحَلِّلِ خَرَجَتْ عَلَى وَجْهِهَا فَلَمْ يَجْتَمِعْ شَمْلَ الْإِحْصَانِ وَالْعِفَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَمْلِهَا ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ فَكَيْفَ يَحْتَمِلُ أَكْمَلُ الشَّرَائِعِ وَأَحْكَمُهَا تَحْلِيلَهُ ؟ فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ صَرَّحَ بِلَعْنَتِهِ ، وَسَمَّاهُ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ مِنْ بَيْنِ فُسَّاقِ أُمَّتِهِ ، كَمَا شَهِدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِفَاحًا .
أَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ النَّسَائِيّ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ قَالَ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَالَ سُفْيَانُ 41 الثَّوْرِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة ، وَالْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ ، وَالْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ } وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ { لَعَنَ الْمُحَلِّلَ } وَصَحَّحَهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْوَاصِلِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } ، وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيث الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { آكِلُ الرِّبَا وَمُوكِلُهُ وَشَاهِدَاهُ وَكَاتِبُهُ إذَا عَلِمُوا بِهِ ، وَالْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ ، وَلَاوِي الصَّدَقَةِ وَالْمُعْتَدِي فِيهَا ، وَالْمُرْتَدُّ عَلَى عَقِبَيْهِ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ ، مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَفِي الْمُسْنَدِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَفِي الْمُسْنَدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمُسْنَدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَخْنَسِيِّ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ } قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : عُثْمَانُ بْنُ الْأَخْنَسِيُّ ثِقَةٌ ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمْ ; فَالْإِسْنَادُ جَيِّدٌ ، وَفِي كِتَابِ الْعِلَلِ لِلتِّرْمِذِيِّ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثنا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِيُّ صَدُوقٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَخْنَسِيُّ ثِقَةٌ ، وَكُنْت أَظُنُّ أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : هَذَا إسْنَادٌ جَيِّدٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } وَمُجَالِدٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْوَى مِنْهُ فَحَدِيثُهُ شَاهِدٌ وَمُقَوٍّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : هُوَ الْمُحَلِّلُ ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ 42 سَعْدٍ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، فَذَكَرَهُ ، وَقَدْ أُعِلَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِثَلَاثِ عِلَلٍ ; إحْدَاهَا : أَنَّ أَبَا حَاتِمٍ الْبُسْتِيَّ ضَعَّفَ مِشْرَحَ بْنَ هَاعَانَ .
، وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ مَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ عَنْ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ، هُوَ الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ ، وَلَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } فَقَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ لَمْ يَكُنْ أَخْرَجَهُ فِي أَيَّامِنَا ، مَا أَرَى اللَّيْثَ سَمِعَهُ مِنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ ; لِأَنَّ حَيْوَةَ يَرْوِي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِشْرَحٍ .
وَالْعِلَّةُ الثَّالِثَةُ : مَا ذَكَرَهَا الْجُوزَجَانِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ فَقَالَ : كَانُوا يُنْكِرُونَ عَلَى عُثْمَانَ هَذَا الْحَدِيثَ إنْكَارًا شَدِيدًا ; فَأَمَّا الْعِلَّةُ الْأُولَى فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ : مِشْرَحٌ قَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَابْنِ مَعِينٍ أَعْلَمُ بِالرِّجَالِ مِنْ ابْنِ حِبَّانَ ، قُلْت : وَهُوَ صَدُوقٌ عِنْدَ الْحُفَّاظِ ، لَمْ يَتَّهِمْهُ أَحَدٌ أَلْبَتَّةَ ، وَلَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَطُّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَلَا ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ : يَرْوِي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَنَاكِيرَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا ; فَالصَّوَابُ تَرْكُ مَا انْفَرَدَ بِهِ ، وَانْفَرَدَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِهَذَا الْقَوْلِ فِيهِ ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّيْثِ ، وَكَوْنُهُ لَمْ يُخْرِجْهُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الْبُخَارِيِّ بِهِ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا ; وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إنَّ حَيْوَةَ يَرْوِي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَيْحٍ الْمِصْرِيِّ عَنْ مِشْرَحٍ " فَإِنَّهُ يُرِيدُ [ بِهِ ] أَنَّ حَيْوَةَ مِنْ أَقْرَانِ اللَّيْثِ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا رَوَى عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِشْرَحٍ ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ قَوِيٌّ ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ اللَّيْثَ قَالَ " قَالَ مِشْرَحٌ " وَلَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ ; فَإِنَّ اللَّيْثَ كَانَ مُعَاصِرًا لِمِشْرَحٍ وَهُوَ فِي بَلَدِهِ ، وَطَلَبُ اللَّيْثُ الْعِلْمَ وَجَمْعُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ لَا يَسْمَعَ مِنْ مِشْرَحٍ حَدِيثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ . وَأَمَّا التَّعْلِيلُ الثَّالِثُ فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : إنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى عُثْمَانَ غَيْرُ جَيِّدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَوَهُّمِ انْفِرَادِهِ بِهِ عَنْ اللَّيْثِ وَظَنِّهِمْ أَنَّهُ لَعَلَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ اللَّيْثِ ، كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ مَنْ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْ الرَّجُلِ مَنْ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ مِنْ أَصْحَابِهِ كَانَ ذَلِكَ شُذُوذًا فِيهِ وَعِلَّةً قَادِحَةً ، وَهَذَا لَا يَتَوَجَّهُ هَهُنَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ عَنْهُ ، رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي بَكْرٍ الْقَطِيعِيِّ ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي فَرِيقٍ ثنا أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهِ ، فَذَكَرَهُ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ : ثنا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ ، فَذَكَرَهُ . الثَّانِي : أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ صَالِحٍ هَذَا الْمِصْرِيُّ نَفْسُهُ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ ، وَقَالَ : هُوَ شَيْخٌ صَالِحٌ سَلِيمُ التَّأْدِيَةِ ، قِيلَ 43 لَهُ : كَانَ يُلَقِّنُ ؟ قَالَ : لَا ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ حُجَّةً ، وَإِنَّمَا الشَّاذُّ مَا خَالَفَ بِهِ الثِّقَاتِ ، لَا مَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْهُمْ ، فَكَيْفَ إذَا تَابَعَهُ مِثْلُ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ كَاتِبُ اللَّيْثِ وَأَكْثَرُ النَّاس حَدِيثًا عَنْهُ ؟ وَهُوَ ثِقَةٌ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ غَلَطٌ ، وَمِشْرَحُ بْنُ هَاعَانَ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ ، وَقَالَ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : هُوَ مَعْرُوفٌ ; فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، انْتَهَى .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ الشَّاذُّ أَنْ يَنْفَرِدَ الثِّقَةُ عَنْ النَّاسِ بِحَدِيثٍ ، إنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يُخَالِفَ مَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْهُ قَالَ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } وَفِي إسْنَادِهِ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ قَوْمٌ ، وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ ، وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مَقْرُونًا بِآخَرَ ، وَعَنْ ابْنِ مَعِينٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَتَزَوَّجَهَا أَخٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ بَيْنَهُ لِيُحِلَّهَا لِأَخِيهِ : هَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ ، كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ، قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ ، وَقَالَ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ نَشِيطٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ : قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ : لُعِنَ الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ ، وَكَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ : هَذَا التَّيْسُ الْمُسْتَعَارُ .
فَصْلٌ
فَسَلْ هَذَا التَّيْسَ : هَلْ دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلْقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمِ الْقِيَامَة } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ : النِّكَاحُ ، وَالتَّعَطُّرُ ، وَالْخِتَانُ ، وَذَكَرَ الرَّابِعَةَ } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { النِّكَاحُ سُنَّتِي ; فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي } وَهَلْ دَخَلَ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : خَيْرُ هَذِهِ الْأَمَةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً ؟ وَهَلْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ : النَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ ، وَالْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ } وَذَكَرَ الثَّالِثَ ، أَمْ حَقَّ عَلَى اللَّهِ لَعْنَتُهُ تَصْدِيقًا لِرَسُولِهِ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ ؟ وَسَلْهُ : هَلْ يَلْعَنُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَنْ يَفْعَلُ مُسْتَحَبًّا أَوْ جَائِزًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ صَغِيرَةً ، أَمْ لَعْنَتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أَوْ مَا هُوَ 44 أَعْظَمُ مِنْهَا ؟ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِلَعْنَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ عَذَابٍ أَوْ نَارٍ فَهُوَ كَبِيرَةٌ ، وَسَلْهُ : هَلْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مُحَلِّلٌ وَاحِدٌ أَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَلَى التَّحْلِيلِ ؟ وَسَلْهُ لِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا أُوتَى بِمُحَلَّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا .
وَسَلْهُ : كَيْفَ تَكُونُ الْمُتْعَةُ حَرَامًا نَصًّا مَعَ أَنَّ الْمُسْتَمْتِعَ لَهُ غَرَضٌ فِي نِكَاحِ الزَّوْجَةِ إلَى وَقْتٍ لَكِنْ لَمَّا كَانَ غَيْرَ دَاخِلٍ عَلَى النِّكَاحِ الْمُؤَبَّدِ كَانَ مُرْتَكِبًا لِلْمُحَرَّمِ ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ الَّذِي إنَّمَا قَصْدُهُ أَنْ يُمْسِكَهَا سَاعَةً مِنْ زَمَانٍ أَوْ دُونَهَا ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي النِّكَاحِ أَلْبَتَّةَ ؟ بَلْ قَدْ شَرَطَ انْقِطَاعَهُ وَزَوَالَهُ إذَا أَخْبَثَهَا بِالتَّحْلِيلِ ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ فِي عَقْلٍ أَوْ شَرْعٍ تَحْلِيلُ هَذَا وَتَحْرِيمُ الْمُتْعَةِ ؟ هَذَا مَعَ أَنَّ الْمُتْعَةَ أُبِيحَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، وَفَعَلَهَا الصَّحَابَةُ ، وَأَفْتَى بِهَا بَعْضُهُمْ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ لَمْ يُبَحْ فِي مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ قَطُّ وَلَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا أَفْتَى بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ؟ وَلَيْسَ الْغَرَضُ بَيَانَ تَحْرِيمِ هَذَا الْعَقْدِ وَبُطْلَانِهِ وَذِكْرِ مَفَاسِدِهِ وَشَرِّهِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي سِفْرًا ضَخْمًا نَخْتَصِرُ فِيهِ الْكَلَامَ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا شَأْنُ التَّحْلِيلِ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَصْحَابِ رَسُولِهِ ، فَأَلْزَمَهُمْ عُمَرُ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إذَا جَمَعُوهَا لِيَكُفُّوا عَنْهُ إذَا عَلِمُوا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُحَرَّمُ بِهِ ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى عَوْدِهَا بِالتَّحْلِيلِ ، فَلَمَّا تَغَيَّرَ الزَّمَانُ ، وَبَعُدَ الْعَهْدِ بِالسَّنَةِ وَآثَارِ الْقَوْمِ ، وَقَامَتْ سُوقُ التَّحْلِيلِ وَنَفَّقَتْ فِي النَّاسِ ; فَالْوَاجِبُ أَنْ يُرَدَّ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلِيفَتِهِ مِنْ الْإِفْتَاءِ بِمَا يُعَطِّلُ سُوقَ التَّحْلِيلِ أَوْ يُقَلِّلُهَا وَيُخَفِّفُ شَرَّهَا ، وَإِذَا عَرَضَ عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ وَبَصَّرَهُ بِالْهُدَى وَفَقَّهَهُ فِي دِينِهِ مَسْأَلَةُ كَوْنِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً وَمَسْأَلَةُ التَّحْلِيلِ وَوَازَنَ بَيْنَهُمَا تَبَيَّنَ لَهُ التَّفَاوُتُ ، وَعُلِمَ أَيُّ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَوْلَى بِالدِّينِ وَأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ .
فَهَذِهِ حُجَجُ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَدْ عُرِضَتْ عَلَيْك ، وَقَدْ أُهْدِيَتْ إنْ قَبِلْتَهَا إلَيْك ، وَمَا أَظُنُّ عَمَى التَّقْلِيدِ إلَّا يَزِيدُ الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَدَعُ التَّوْفِيقَ يَقُودَك اخْتِيَارًا إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ إشَارَةً تُطْلِعُ الْعَالِمَ عَلَى مَا وَرَاءَهَا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .
فَصْلٌ
فَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أَمْرُ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَمْنَعُ التَّحْلِيلَ ، أَفْتَى بِهَا الْمُفْتِي ، وَقَدْ قَالَ بِهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ; فَهِيَ خَيْرٌ مِنْ التَّحْلِيلِ ، حَتَّى لَوْ أَفْتَى الْمُفْتِي بِحِلِّهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ ، لَكَانَ أَعْذَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَصْحَابِ التَّحْلِيلِ ، وَإِنْ اشْتَرَكَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مُخَالَفَةِ النَّصِّ ; فَإِنَّ النُّصُوصَ الْمَانِعَةَ مِنْ التَّحْلِيلِ الْمُصَرِّحَةَ بِلَعْنِ فَاعِلِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَالصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ مُجْمِعُونَ عَلَيْهَا ، وَالنُّصُوصُ الْمُشْتَرِطَةُ لِلدُّخُولِ لَا تَبْلُغُ مَبْلَغَهَا ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا التَّابِعُونَ ; 45 فَمُخَالَفَتُهَا أَسْهَلُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَحَادِيثِ التَّحْلِيلِ ، وَالْحَقُّ مُوَافَقَةُ جَمِيعِ النُّصُوصِ ، وَأَنْ لَا يُتْرَكَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِنْ كَوْنِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً وَالتَّحْلِيلُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، ثُمَّ صَارَ فِي بَقِيَّةِ خِلَافَةِ عُمَرَ الثَّلَاثُ ثَلَاثٌ وَالتَّحْلِيلُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، وَعُمَرُ مِنْ أَشَدِّ الصَّحَابَةِ فِيهِ ، وَكُلُّهُمْ عَلَى مِثْلِ قَوْلِهِ فِيهِ ، ثُمَّ صَارَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ التَّحْلِيلُ كَثِيرًا مَشْهُورًا وَالثَّلَاثُ ثَلَاثًا .
وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَنِعُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَة مُعَاقَبَةُ النَّاسِ بِمَا عَاقَبَهُمْ بِهِ عُمَرُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ حَرَامٌ ، لَا سِيَّمَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يَرَى تَحْرِيمَهُ ، فَكَيْفَ يُعَاقَبُ مِنْ لَمْ يَرْتَكِبْ مُحَرَّمًا عِنْدَ نَفْسِهِ ؟ الثَّانِي : أَنَّ عُقُوبَتَهُمْ بِذَلِكَ تَفْتَحُ عَلَيْهِمْ بَابَ التَّحْلِيلِ الَّذِي كَانَ مَسْدُودًا عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ ، وَالْعُقُوبَةُ إذَا تَضَمَّنَتْ مُفْسِدَةً أَكْثَرَ مِنْ الْفِعْلِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهِ كَانَ تَرْكُهَا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ التَّحْلِيلَ مِمَّا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَمَعَاذَ اللَّهِ لَكَانَ الْمَنْعُ مِنْهُ إذَا وَصَلَ إلَى هَذَا الْحَدِّ الَّذِي قَدْ تَفَاحَشَ قُبْحُهُ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ ، وَتَعَيَّنَ عَلَى الْمُفْتِينَ وَالْقُضَاةِ الْمَنْعُ مِنْهُ جُمْلَةً ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ جَائِزٌ ; إذْ لَا يَسْتَرِيبُ أَحَدٌ فِي أَنَّ الرُّجُوعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ أَوْلَى مِنْ الرُّجُوعِ إلَى التَّحْلِيلِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith