إعلام الموقعين عن رب العالمين
إعلام الموقعين عن رب العالمين · الجزء الثالث
فَصْلٌ [ حُكْمُ جَمْعِ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ]
الْمِثَالُ السَّابِعُ : أَنَّ الْمُطَلِّقَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَمَنِ خَلِيفَتِهِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ كَانَ إذَا جَمَعَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ بِفَمٍ وَاحِدٍ جُعِلَتْ وَاحِدَةً ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : { كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقَ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ } ، وَفِي صَحِيحِهِ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَلَمْ تَعْلَمْ { أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ } ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَعَمْ " وَفِي صَحِيحِهِ أَيْضًا أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : هَاتِ مِنْ هَنَاتِك ، { أَلَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ } .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَبُو الصَّهْبَاءِ كَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : أَمَا عَلِمْت { أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بَلَى كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا قَالَ : أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ } .
وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : أَتَعْلَمُ { أَنَّ الثَّلَاثَ كُنَّ يُرْدَدْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى وَاحِدَةٍ } ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ الْحَاكِمُ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَهَذِهِ غَيْرُ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ : ثنا سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، ثنا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي دَاوُد بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { طَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أَخُو بَنِي الْمُطَّلِبِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا ، قَالَ : فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ : كَيْفَ طَلَّقْتهَا ؟ قَالَ : طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا ، قَالَ : فَقَالَ : فِي مَجْلِسٍ وَاحِد ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَإِنَّمَا تِلْكَ 32 وَاحِدَةٌ ، فَأَرْجِعْهَا إنْ شِئْتَ ، قَالَ : فَرَاجَعَهَا } . فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى إنَّمَا الطَّلَاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ ، وَقَدْ صَحَّحَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا الْإِسْنَادَ وَحَسَّنَهُ فَقَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي الْعَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ } : هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، أَوْ قَالَ : وَاهٍ لَمْ يَسْمَعْهُ الْحَجَّاجُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيِّ ، وَالْعَزْرَمِيُّ لَا يُسَاوِي حَدِيثُهُ شَيْئًا ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ } وَإِسْنَادُهُ عِنْدَهُ هُوَ إسْنَادُ حَدِيثِ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ . هَذَا وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ : لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ ، فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ; فَهُوَ حُجَّةٌ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ، فَكَيْفَ إذَا عَضَّدَهُ مَا هُوَ نَظِيرُهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ ؟ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ أَبُو رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ أُمَّ رُكَانَةَ ، وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ ، فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : مَا يُغْنِي عَنِّي إلَّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَةُ لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسِهَا ، فَفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، فَأَخَذَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِيَّةٌ فَدَعَا بِرُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِهِ : أَتَرَوْنَ فُلَانًا يُشْبِهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ وَفُلَانًا مِنْهُ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ يَزِيدَ : طَلِّقْهَا فَفَعَلَ ، فَقَالَ : رَاجِعْ امْرَأَتَك أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ ، فَقَالَ : إنِّي طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : قَدْ عَلِمْت ، رَاجِعْهَا ، وَتَلَا : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } } .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : حَدِيثُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ { أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَرَدَّهَا إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } أَصَحُّ ، لِأَنَّهُمْ وَلَدُ الرَّجُلِ وَأَهْلُهُ وَأَعْلَمُ بِهِ ، { وَأَنَّ رُكَانَةَ إنَّمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ، فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً } .
قَالَ شَيْخُنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَأَبُو دَاوُد لَمَّا لَمْ يَرْوِ فِي سُنَنِهِ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ - يَعْنِي الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا - فَقَالَ : حَدِيثُ أَلْبَتَّةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ الْأَئِمَّةُ الْأَكَابِرُ الْعَارِفُونَ بِعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالْبُخَارِيِّ ضَعَّفُوا حَدِيثَ أَلْبَتَّةَ ، وَبَيَّنُوا أَنَّهُ رِوَايَةُ قَوْمٍ مَجَاهِيلَ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُمْ وَضَبْطُهُمْ ، وَأَحْمَدُ أَثْبَتَ حَدِيثَ الثَّلَاثِ ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الصَّوَابُ ، وَقَالَ : حَدِيثُ رُكَانَةَ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : حَدِيثُ رُكَانَةَ فِي الْبَتَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ يَرْوِيهِ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ الثَّلَاثَ أَلْبَتَّةَ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَحْمَدَ : حَدِيثُ رُكَانَةَ فِي الْبَتَّةِ ، فَضَعَّفَهُ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ ، وَأَنَّهُ 33 تَوْسِعَةٌ مِنْ اللَّهِ لِعِبَادِهِ ; إذْ جَعَلَ الطَّلَاقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَمَا كَانَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَمْ يَمْلِكْ الْمُكَلَّفُ إيقَاعَ مَرَّاتِهِ كُلِّهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً كَاللِّعَانِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : " أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ " كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَلَوْ حَلَفَ فِي الْقَسَامَةِ وَقَالَ : " أُقْسِمُ بِاَللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّ هَذَا قَاتِلُهُ " كَانَ ذَلِكَ يَمِينًا وَاحِدَةً ، وَلَوْ قَالَ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا : " أَنَا أُقِرُّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنِّي زَنَيْت " كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ; فَمَنْ يَعْتَبِرُ الْأَرْبَعَ لَا يَجْعَلُ ذَلِكَ إلَّا إقْرَارًا وَاحِدًا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَالَ فِي يَوْمِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ } فَلَوْ قَالَ : { سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ } لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ حَتَّى يَقُولَهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَحَمِدَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَكَبَّرَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ } الْحَدِيثَ ; لَا يَكُونُ عَامِلًا بِهِ حَتَّى يَقُولَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَلَا يَجْمَعُ الْكُلَّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { مَنْ قَالَ فِي يَوْمِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ } لَا يَحْصُلُ هَذَا إلَّا بِقَوْلِهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } وَهَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : { الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ ، فَإِنْ أَذِنَ لَك وَإِلَّا فَارْجِعْ } لَوْ قَالَ الرَّجُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هَكَذَا كَانَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى يَسْتَأْذِنَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَلْفَاظِ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْأَفْعَالِ سَوَاءٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } إنَّمَا هُوَ مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ " رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ " إنَّمَا هُوَ مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ } فَهَذَا الْمَعْقُولُ مِنْ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهَذِهِ النُّصُوصُ الْمَذْكُورَةُ وقَوْله تَعَالَى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } كُلُّهَا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَمِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } كَمَا أَنَّ حَدِيثَ اللِّعَانِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ } .
فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ ، وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ لُغَةُ الْعَرَبِ ، وَهَذَا عُرْفُ التَّخَاطُبِ ، وَهَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مَعَهُ فِي عَصْرِهِ وَثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ عَصْرِ عُمَرَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ ; فَلَوْ عَدَّهُمْ الْعَادُّ بِأَسْمَائِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا لَوَجَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الثَّلَاثَ وَاحِدَةً إمَّا بِفَتْوَى وَإِمَّا بِإِقْرَارٍ عَلَيْهَا ، وَلَوْ فُرِضَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا لِلْفَتْوَى بِهِ ، بَلْ كَانُوا مَا بَيْنَ مُفْتٍ وَمُقِرٍّ بِفُتْيَا وَسَاكِتٍ غَيْرِ مُنْكِرٍ .
وَهَذَا حَالُ كُلِّ صَحَابِيٍّ مِنْ عَهْدِ الصِّدِّيقِ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى الْأَلْفِ قَطْعًا كَمَا ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ 34 بُكَيْر عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ أَلْفٌ وَمِائَتَا رَجُلٍ مِنْهُمْ سَبْعُونَ مِنْ الْقُرَّاءِ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : فَلَمَّا أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالْيَمَامَةِ وَأُصِيبَ فِيهِمْ عَامَّةُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقُرَّائِهِمْ فَزِعَ أَبُو بَكْرٍ إلَى الْقُرْآنِ ، وَخَافَ أَنْ يَهْلِكَ مِنْهُ طَائِفَةٌ ، وَكُلُّ صَحَابِيٍّ مِنْ لَدُنْ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ كَانَ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ فَتْوَى أَوْ إقْرَارًا أَوْ سُكُوتًا ، وَلِهَذَا ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ قَدِيمٌ ، وَلَمْ تُجْمِعْ الْأُمَّةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى خِلَافِهِ ، بَلْ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَنْ يُفْتِي بِهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا ، فَأَفْتَى بِهِ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : " إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ " وَأَفْتَى أَيْضًا بِالثَّلَاثِ ، أَفْتَى بِهَذَا وَهَذَا .
وَأَفْتَى بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، حَكَاهُ عَنْهُمَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَابْنِ مَسْعُودٍ رِوَايَتَانِ كَمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَأَفْتَى بِهِ عِكْرِمَةُ ، رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْهُ ، وَأَفْتَى بِهِ طَاوُسٌ ، وَأَمَّا تَابِعُو التَّابِعِينَ فَأَفْتَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْهُ ، وَأَفْتَى بِهِ خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَأَمَّا أَتْبَاعُ تَابِعِي التَّابِعِينَ فَأَفْتَى بِهِ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، حَكَاهُ عَنْهُمْ أَبُو الْمُفْلِسِ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، حَكَاهُ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِ تَفْرِيعِ ابْنِ الْجَلَّابِ قَوْلًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ .
وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ، حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ ، حَكَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْهُ ، قَالَ : وَكَانَ الْجَدُّ يُفْتِي بِهِ أَحْيَانًا .
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ نَفْسُهُ فَقَدْ قَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَاحِدَةً } بِأَيِّ شَيْءٍ تَدْفَعُهُ ؟ قَالَ : بِرِوَايَةِ النَّاسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ خِلَافَهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عِدَّةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا ثَلَاثٌ ; فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْقَوْلَ بِهِ لِمُخَالَفَةِ رِوَايَةٍ لَهُ ، وَأَصْلُ مَذْهَبِهِ وَقَاعِدَتِهِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا صَحَّ لَمْ يَرُدَّهُ لِمُخَالَفَةِ رِوَايَةٍ لَهُ ، بَلْ الْأَخْذُ بِمَا رَوَاهُ ، كَمَا فَعَلَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفَتْوَاهُ فِي بَيْعِ الْأَمَةِ فَأَخَذَ بِرِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا ، وَتَرَكَ رَأْيَهُ ، وَعَلَى أَصْلِهِ يَخْرُجُ لَهُ قَوْلُ إنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ ; فَإِنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْحَدِيثَ لِمُخَالَفَةِ الرَّاوِي وَصَرَّحَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ أَنَّ مُخَالَفَةَ الرَّاوِي لَا تُوجِبُ تَرْكَ الْحَدِيثِ خَرَجَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ ، وَأَصْحَابُهُ يُخَرِّجُونَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَقْوَالًا دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ وَالْإِجْمَاعُ الْقَدِيمُ ، وَلَمْ 35 يَأْتِ بَعْدَهُ إجْمَاعٌ يُبْطِلُهُ ، وَلَكِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَهَانُوا بِأَمْرِ الطَّلَاقِ ، وَكَثُرَ مِنْهُمْ إيقَاعُهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ; فَرَأَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ عُقُوبَتَهُمْ بِإِمْضَائِهِ عَلَيْهِمْ ; لِيَعْلَمُوا أَنَّ أَحَدَهُمْ إذَا أَوْقَعَهُ جُمْلَةً بَانَتْ مِنْهُ الْمَرْأَةُ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكَاحَ رَغْبَةٍ يُرَادُ لِلدَّوَامِ لَا نِكَاحَ تَحْلِيلٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِيهِ ، فَإِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ كَفُّوا عَنْ الطَّلَاقِ الْمُحَرَّمِ ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ هَذَا مَصْلَحَةٌ لَهُمْ فِي زَمَانِهِ .
وَرَأَى أَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِ الصِّدِّيقِ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ كَانَ الْأَلْيَقَ بِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَتَابَعُوا فِيهِ ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ اللَّهَ فِي الطَّلَاقِ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ مَنْ اتَّقَاهُ مَخْرَجًا ، فَلَمَّا تَرَكُوا تَقْوَى اللَّهِ وَتَلَاعَبُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَطَلَّقُوا عَلَى غَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ أَلْزَمَهُمْ بِمَا الْتَزَمُوهُ عُقُوبَةً لَهُمْ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا شَرَعَ الطَّلَاقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَلَمْ يَشْرَعْهُ كُلَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَمَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ ، وَظَلَمَ نَفْسَهُ ، وَلَعِبَ بِكِتَابِ اللَّهِ ، فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يُعَاقَبَ ، وَيُلْزَمَ بِمَا الْتَزَمَهُ ، وَلَا يُقِرُّ عَلَى رُخْصَةِ اللَّهِ وَسَعَتِهِ ، وَقَدْ صَعَّبَهَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَتَّقِ اللَّهَ وَلَمْ يُطَلِّقْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَشَرَعَهُ لَهُ ، بَلْ اسْتَعْجَلَ فِيمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْأَنَاةَ فِيهِ رَحْمَةً مِنْهُ وَإِحْسَانًا ، وَلَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ وَاخْتَارَ الْأَغْلَظَ وَالْأَشَدَّ ; فَهَذَا مِمَّا تَغَيَّرَتْ بِهِ الْفَتْوَى لِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ ، وَعَلِمَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حُسْنَ سِيَاسَةِ عُمَرَ وَتَأْدِيبِهِ لِرَعِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ فَوَافَقُوهُ عَلَى مَا أَلْزَمَ بِهِ ، وَصَرَّحُوا لِمَنْ اسْتَفْتَاهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ أَتَى الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ فَقَدْ بُيِّنَ لَهُ ، وَمَنْ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ جَعَلْنَا عَلَيْهِ لَبْسَهُ ، وَاَللَّهِ لَا تَلْبِسُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ مِنْكُمْ ، هُوَ كَمَا تَقُولُونَ .
فَلَوْ كَانَ وُقُوعُ الثَّلَاثِ ثَلَاثًا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ لَكَانَ الْمُطَلِّقُ قَدْ أَتَى الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ ، وَلَمَا كَانَ قَدْ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ { تَلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ } ؟
وَلَمَا تَوَقَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي الْإِيقَاعِ وَقَالَ لِلسَّائِلِ : إنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ ، فَاذْهَبْ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، فَلَمَّا جَاءَ إلَيْهِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : أَفْتِهِ فَقَدْ جَاءَتْك مُعْضِلَةٌ ، ثُمَّ أَفْتَيَاهُ بِالْوُقُوعِ .
فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا رَأَوْا النَّاسَ قَدْ اسْتَهَانُوا بِأَمْرِ الطَّلَاقِ وَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْهُ وَلَبَسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِي التَّطْلِيقِ الَّذِي شَرَعَهُ لَهُمْ وَأَخَذُوا بِالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى مَا حُدَّ لَهُمْ أَلْزَمُوهُمْ بِمَا الْتَزَمُوهُ ، وَأَمْضَوْا عَلَيْهِمْ مَا اخْتَارُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ التَّشْدِيدِ الَّذِي وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا شَرَعَهُ لَهُمْ بِخِلَافِهِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا حَقِيقٌ بِالْعُقُوبَةِ بِأَنْ يُنْفِذَ عَلَيْهِ مَا أَنْفَذَهُ عَلَى نَفْسِهِ ; إذْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ وَتَيْسِيرَهُ وَمُهْلَتَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَنْ طَلَّقَ مِائَةً : عَصَيْت رَبَّك وَبَانَتْ مِنْك امْرَأَتُك ; إنَّك لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلُ لَك مَخْرَجًا ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إنَّ عَمِّي طَلَّقَ ثَلَاثًا ، فَقَالَ : إنَّ عَمَّك عَصَى اللَّهَ فَأَنْدَمَهُ ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ، فَقَالَ : أَفَلَا تُحَلِّلُهَا لَهُ ؟ فَقَالَ : مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ .
36 فَلْيَتَدَبَّرْ الْعَالِمُ الَّذِي قَصْدُهُ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ مِنْ الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ فِي قَبُولِ الصَّحَابَةِ هَذِهِ الرُّخْصَةَ وَالتَّيْسِيرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْوَاهُمْ رَبَّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي التَّطْلِيقِ ، فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ رُخْصَةُ اللَّهِ وَتَيْسِيرُهُ شَرْعًا وَقَدَرًا ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الْأُحْمُوقَةَ ، وَتَرَكُوا تَقْوَى اللَّهَ ، وَلَبَسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَطَلَّقُوا عَلَى غَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُمْ ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ وَالصَّحَابَةِ مَعَهُ شَرْعًا وَقَدَرَ إلْزَامَهُمْ بِذَلِكَ ، وَإِنْفَاذَهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِبْقَاءَ الْإِصْرِ الَّذِي جَعَلُوهُ هُمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ كَمَا جَعَلُوهُ ، وَهَذِهِ أَسْرَارٌ مِنْ أَسْرَارِ الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ لَا تُنَاسِبُ عُقُولَ أَبْنَاءِ الزَّمَنِ ، فَجَاءَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ ، فَمَضَوْا عَلَى آثَارِ الصَّحَابَةِ سَالِكِينَ مَسْلَكَهُمْ ، قَاصِدِينَ رِضَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْفَاذَ دِينِهِ .
فَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ الْقَوْلَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِظَنِّهِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ : فَإِنْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ تُحْسَبُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً بِمَعْنَى أَنَّهُ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاَلَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا فَنُسِخَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت ؟ قِيلَ : لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ثُمَّ يُخَالِفُهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَعْلَمْهُ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ خِلَافٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَعَلَّ هَذَا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فَقَالَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِ عُمَرَ . قِيلَ : قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخَالِفُ عُمَرَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، وَبَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ ، وَبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، فَكَيْفَ يُوَافِقُهُ فِي شَيْءٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافُهُ ؟
فَصْلٌ [ فَتْوَى الصَّحَابِيِّ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَاهُ ]
قَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ لُزُومِ الثَّلَاثِ : النَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَلَا تَرْكُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَعْصُومِ لِمُخَالَفَةِ رَاوِيهِ لَهُ ; فَإِنَّ مُخَالَفَتَهُ لَيْسَتْ مَعْصُومَةً ، وَقَدْ قَدَّمَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَأْنِ بَرِيرَةَ عَلَى فَتْوَاهُ الَّتِي تُخَالِفُهَا فِي كَوْنِ بَيْعِ الْأَمَةِ طَلَاقَهَا ، وَأَخَذَ هُوَ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { مَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ } وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَأَخَذُوا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ } وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الرَّمَلُ بِسُنَّةٍ ، وَأَخَذُوا بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ فِي مَنْعِ الْحَائِضِ مِنْ الطَّوَافِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا أَنَّ امْرَأَةً حَاضَتْ وَهِيَ تَطُوفُ مَعَهَا فَأَتَمَّتْ بِهَا عَائِشَةُ بَقِيَّةَ طَوَافِهَا ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ عَطَاءٍ ، فَذَكَرَهُ ، وَأَخَذُوا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَقْدِيمِ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالنَّحْرِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي 37 ذَلِكَ ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ فِيهِ دَمًا ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى قَوْلِهِ وَأَخَذُوا بِرِوَايَتِهِ ، وَأَخَذَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ } قَالُوا : وَهَذَا صَرِيحٌ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَيْسَ لِمُكْرَهٍ وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ ، وَأَخَذُوا هُمْ وَالنَّاسُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى جَمَلًا شَارِدًا بِأَصَحِّ سَنَدٍ يَكُونُ ، وَأَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَابْنِ عَبَّاسٍ { صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ } وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ ، وَأَخَذَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ بِخَبَرِ عَائِشَةَ فِي التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا خِلَافُهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ بَنَاتُ إخْوَتِهَا ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا ، وَأَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ { فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ } وَصَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا أَتَمَّتْ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ ، فَلَمْ يَدْعُوا رِوَايَتِهَا لِرَأْيِهَا ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي مُوسَى فِي الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا : لَا وُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي تَرْكِ إيجَابِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ إيجَابُ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ مِنْ أَكْلِ كُلِّ مَا مَسَّتْ النَّارُ ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِأَحَادِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ثَلَاثَتِهِمْ الْمَنْعُ مِنْ الْمَسْحِ جُمْلَةً ; فَأَخَذُوا بِرِوَايَتِهِمْ وَتَرَكُوا رَأْيَهُمْ .
وَاحْتَجُّوا فِي إسْقَاطِ الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ بِحَدِيثِ عُمَرَ { لَا يُقْتَصُّ لِوَلَدٍ مِنْ وَالِدِهِ } وَقَدْ قَالَ عُمَرُ : لَأَقُصَّنَّ لِلْوَلَدِ مِنْ الْوَالِدِ ; فَلَمْ يَأْخُذُوا بِرَأْيِهِ بَلْ بِرِوَايَتِهِ ، وَاحْتَجَّتْ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ بِحَدِيثَيْنِ لَا يَصِحَّانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ يَكُونُ { أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ } وَأَخَذَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثٍ لَا يَصِحُّ بَلْ هُوَ مِنْ وَضْعِ حِزَامِ بْنِ عُثْمَانَ وَمُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَلَبِيِّ ، وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ { لَا يَكُونُ صَدَاقٌ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ } وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ جَوَازُ النِّكَاحِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَاحْتَجُّوا هُمْ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَرْفُوعِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ جَوَازُ بَيْعِهِنَّ ; فَقَدَّمُوا رِوَايَتَهُ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ عَلَى فَتْوَاهُ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ ، وَأَخَذَتْ الْحَنَابِلَةُ وَغَيْرُهُمْ بِخَبَرِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأَبَوَيْنِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ; فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } ، وَصَحَّ عَنْهُمْ النَّهْيُ عَنْ التَّمَتُّعِ ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِرِوَايَتِهِمْ وَتَرَكُوا رَأْيَهُمْ ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَحْرِ { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : مَاءَانِ لَا يُجْزِئَانِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ مَاءُ الْبَحْرِ وَمَاءُ الْحَمَّامِ ، وَأَخَذَتْ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي 38 سُنَنُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَ عَنْ الْحَوْضِ يَلَغُ فِيهِ الْكَلْبُ وَيَشْرَبُ مِنْهُ الْحِمَارُ ، فَقَالَ : لَا يُحَرِّمُ الْمَاءَ شَيْءٌ ، وَأَخَذَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ { لَا زَكَاةَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا } مَعَ ضَعْفِ الْحَدِيثِ بِالْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابِهِ ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْهُ .
وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ ، وَتَرَى كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ إذَا جَاءَ الْحَدِيثُ يُوَافِقُ قَوْلَ مَنْ قَلَّدَهُ وَقَدْ خَالَفَهُ رِوَايَةً يَقُولُ : الْحُجَّةُ فِيمَا رَوَى ، لَا فِي قَوْلِهِ ، فَإِذَا جَاءَ قَوْلُ الرَّاوِي مُوَافِقًا لِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ وَالْحَدِيثُ بِخِلَافِهِ قَالَ : لَمْ يَكُنْ الرَّاوِي يُخَالِفُ مَا رَوَاهُ إلَّا وَقَدْ صَحَّ عِنْدَهُ نَسْخُهُ ، وَإِلَّا كَانَ قَدْحًا فِي عَدَالَتِهِ ، فَيَجْمَعُونَ فِي كَلَامِهِمْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ، بَلْ قَدْ رَأَيْنَا فِي الْبَابِ الْوَاحِدِ ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ التَّنَاقُضِ ، وَاَلَّذِي نَدِينُ لِلَّهِ بِهِ وَلَا يَسَعُنَا غَيْرُهُ وَهُوَ الْقَصْدُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ حَدِيثٌ آخَرَ يَنْسَخُهُ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْنَا وَعَلَى الْأُمَّةِ الْأَخْذُ بِحَدِيثِهِ وَتَرْكُ كُلِّ مَا خَالَفَهُ ، وَلَا نَتْرُكُهُ لِخِلَافِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ كَائِنًا مَنْ كَانَ لَا رِوَايَةً وَلَا غَيْرَهُ ; إذْ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَنْسَى الرَّاوِي الْحَدِيثَ ، أَوْ لَا يَحْضُرُهُ وَقْتَ الْفُتْيَا ، أَوْ لَا يَتَفَطَّنُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ ، أَوْ يَتَأَوَّلُ فِيهِ تَأْوِيلًا مَرْجُوحًا ، أَوْ يَقُومُ فِي ظَنِّهِ مَا يُعَارِضُهُ وَلَا يَكُونُ مُعَارِضًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، أَوْ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ فِي فَتْوَاهُ بِخِلَافِهِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَهُ لِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ، وَلَوْ قُدِّرَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْعِلْمِ بِانْتِفَائِهِ وَلَا ظَنِّهِ ، لَمْ يَكُنْ الرَّاوِي مَعْصُومًا ، وَلَمْ تُوجَبْ مُخَالَفَتُهُ لِمَا رَوَاهُ سُقُوطَ عَدَالَتِهِ حَتَّى تَغْلِبَ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتِهِ ، وَبِخِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ .
الْمِثَالُ السَّابِعُ : أَنَّ الْمُطَلِّقَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَمَنِ خَلِيفَتِهِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ كَانَ إذَا جَمَعَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ بِفَمٍ وَاحِدٍ جُعِلَتْ وَاحِدَةً ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : { كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقَ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ } ، وَفِي صَحِيحِهِ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَلَمْ تَعْلَمْ { أَنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ } ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَعَمْ " وَفِي صَحِيحِهِ أَيْضًا أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : هَاتِ مِنْ هَنَاتِك ، { أَلَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ } .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَبُو الصَّهْبَاءِ كَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : أَمَا عَلِمْت { أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بَلَى كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا قَالَ : أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ } .
وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : أَتَعْلَمُ { أَنَّ الثَّلَاثَ كُنَّ يُرْدَدْنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى وَاحِدَةٍ } ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ الْحَاكِمُ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَهَذِهِ غَيْرُ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ : ثنا سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، ثنا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي دَاوُد بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { طَلَّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أَخُو بَنِي الْمُطَّلِبِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا ، قَالَ : فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ : كَيْفَ طَلَّقْتهَا ؟ قَالَ : طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا ، قَالَ : فَقَالَ : فِي مَجْلِسٍ وَاحِد ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَإِنَّمَا تِلْكَ 32 وَاحِدَةٌ ، فَأَرْجِعْهَا إنْ شِئْتَ ، قَالَ : فَرَاجَعَهَا } . فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى إنَّمَا الطَّلَاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ ، وَقَدْ صَحَّحَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا الْإِسْنَادَ وَحَسَّنَهُ فَقَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي الْعَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ } : هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، أَوْ قَالَ : وَاهٍ لَمْ يَسْمَعْهُ الْحَجَّاجُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيِّ ، وَالْعَزْرَمِيُّ لَا يُسَاوِي حَدِيثُهُ شَيْئًا ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ } وَإِسْنَادُهُ عِنْدَهُ هُوَ إسْنَادُ حَدِيثِ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ . هَذَا وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ : لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ ، فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ; فَهُوَ حُجَّةٌ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ، فَكَيْفَ إذَا عَضَّدَهُ مَا هُوَ نَظِيرُهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ ؟ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ أَبُو رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ أُمَّ رُكَانَةَ ، وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ ، فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : مَا يُغْنِي عَنِّي إلَّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَةُ لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسِهَا ، فَفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، فَأَخَذَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِيَّةٌ فَدَعَا بِرُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِهِ : أَتَرَوْنَ فُلَانًا يُشْبِهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ وَفُلَانًا مِنْهُ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ يَزِيدَ : طَلِّقْهَا فَفَعَلَ ، فَقَالَ : رَاجِعْ امْرَأَتَك أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ ، فَقَالَ : إنِّي طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : قَدْ عَلِمْت ، رَاجِعْهَا ، وَتَلَا : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } } .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : حَدِيثُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ { أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَرَدَّهَا إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } أَصَحُّ ، لِأَنَّهُمْ وَلَدُ الرَّجُلِ وَأَهْلُهُ وَأَعْلَمُ بِهِ ، { وَأَنَّ رُكَانَةَ إنَّمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ، فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً } .
قَالَ شَيْخُنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَأَبُو دَاوُد لَمَّا لَمْ يَرْوِ فِي سُنَنِهِ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ - يَعْنِي الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا - فَقَالَ : حَدِيثُ أَلْبَتَّةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ ، وَلَكِنْ الْأَئِمَّةُ الْأَكَابِرُ الْعَارِفُونَ بِعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالْبُخَارِيِّ ضَعَّفُوا حَدِيثَ أَلْبَتَّةَ ، وَبَيَّنُوا أَنَّهُ رِوَايَةُ قَوْمٍ مَجَاهِيلَ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُمْ وَضَبْطُهُمْ ، وَأَحْمَدُ أَثْبَتَ حَدِيثَ الثَّلَاثِ ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الصَّوَابُ ، وَقَالَ : حَدِيثُ رُكَانَةَ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : حَدِيثُ رُكَانَةَ فِي الْبَتَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ يَرْوِيهِ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ الثَّلَاثَ أَلْبَتَّةَ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَحْمَدَ : حَدِيثُ رُكَانَةَ فِي الْبَتَّةِ ، فَضَعَّفَهُ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ ، وَأَنَّهُ 33 تَوْسِعَةٌ مِنْ اللَّهِ لِعِبَادِهِ ; إذْ جَعَلَ الطَّلَاقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَمَا كَانَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَمْ يَمْلِكْ الْمُكَلَّفُ إيقَاعَ مَرَّاتِهِ كُلِّهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً كَاللِّعَانِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : " أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ " كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَلَوْ حَلَفَ فِي الْقَسَامَةِ وَقَالَ : " أُقْسِمُ بِاَللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّ هَذَا قَاتِلُهُ " كَانَ ذَلِكَ يَمِينًا وَاحِدَةً ، وَلَوْ قَالَ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا : " أَنَا أُقِرُّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنِّي زَنَيْت " كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ; فَمَنْ يَعْتَبِرُ الْأَرْبَعَ لَا يَجْعَلُ ذَلِكَ إلَّا إقْرَارًا وَاحِدًا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَالَ فِي يَوْمِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ } فَلَوْ قَالَ : { سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ } لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ حَتَّى يَقُولَهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَحَمِدَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَكَبَّرَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ } الْحَدِيثَ ; لَا يَكُونُ عَامِلًا بِهِ حَتَّى يَقُولَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَلَا يَجْمَعُ الْكُلَّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { مَنْ قَالَ فِي يَوْمِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ } لَا يَحْصُلُ هَذَا إلَّا بِقَوْلِهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } وَهَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : { الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ ، فَإِنْ أَذِنَ لَك وَإِلَّا فَارْجِعْ } لَوْ قَالَ الرَّجُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هَكَذَا كَانَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى يَسْتَأْذِنَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَلْفَاظِ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْأَفْعَالِ سَوَاءٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } إنَّمَا هُوَ مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ " رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ " إنَّمَا هُوَ مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ } فَهَذَا الْمَعْقُولُ مِنْ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهَذِهِ النُّصُوصُ الْمَذْكُورَةُ وقَوْله تَعَالَى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } كُلُّهَا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَمِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } كَمَا أَنَّ حَدِيثَ اللِّعَانِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ } .
فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ ، وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ لُغَةُ الْعَرَبِ ، وَهَذَا عُرْفُ التَّخَاطُبِ ، وَهَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مَعَهُ فِي عَصْرِهِ وَثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ عَصْرِ عُمَرَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ ; فَلَوْ عَدَّهُمْ الْعَادُّ بِأَسْمَائِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا لَوَجَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الثَّلَاثَ وَاحِدَةً إمَّا بِفَتْوَى وَإِمَّا بِإِقْرَارٍ عَلَيْهَا ، وَلَوْ فُرِضَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا لِلْفَتْوَى بِهِ ، بَلْ كَانُوا مَا بَيْنَ مُفْتٍ وَمُقِرٍّ بِفُتْيَا وَسَاكِتٍ غَيْرِ مُنْكِرٍ .
وَهَذَا حَالُ كُلِّ صَحَابِيٍّ مِنْ عَهْدِ الصِّدِّيقِ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى الْأَلْفِ قَطْعًا كَمَا ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ 34 بُكَيْر عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ أَلْفٌ وَمِائَتَا رَجُلٍ مِنْهُمْ سَبْعُونَ مِنْ الْقُرَّاءِ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : فَلَمَّا أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالْيَمَامَةِ وَأُصِيبَ فِيهِمْ عَامَّةُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَقُرَّائِهِمْ فَزِعَ أَبُو بَكْرٍ إلَى الْقُرْآنِ ، وَخَافَ أَنْ يَهْلِكَ مِنْهُ طَائِفَةٌ ، وَكُلُّ صَحَابِيٍّ مِنْ لَدُنْ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ كَانَ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ فَتْوَى أَوْ إقْرَارًا أَوْ سُكُوتًا ، وَلِهَذَا ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ قَدِيمٌ ، وَلَمْ تُجْمِعْ الْأُمَّةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى خِلَافِهِ ، بَلْ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَنْ يُفْتِي بِهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا ، فَأَفْتَى بِهِ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : " إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ " وَأَفْتَى أَيْضًا بِالثَّلَاثِ ، أَفْتَى بِهَذَا وَهَذَا .
وَأَفْتَى بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، حَكَاهُ عَنْهُمَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَابْنِ مَسْعُودٍ رِوَايَتَانِ كَمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَأَفْتَى بِهِ عِكْرِمَةُ ، رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْهُ ، وَأَفْتَى بِهِ طَاوُسٌ ، وَأَمَّا تَابِعُو التَّابِعِينَ فَأَفْتَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْهُ ، وَأَفْتَى بِهِ خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَأَمَّا أَتْبَاعُ تَابِعِي التَّابِعِينَ فَأَفْتَى بِهِ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، حَكَاهُ عَنْهُمْ أَبُو الْمُفْلِسِ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، حَكَاهُ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِ تَفْرِيعِ ابْنِ الْجَلَّابِ قَوْلًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ .
وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ، حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ ، حَكَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْهُ ، قَالَ : وَكَانَ الْجَدُّ يُفْتِي بِهِ أَحْيَانًا .
وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ نَفْسُهُ فَقَدْ قَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَاحِدَةً } بِأَيِّ شَيْءٍ تَدْفَعُهُ ؟ قَالَ : بِرِوَايَةِ النَّاسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ خِلَافَهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عِدَّةٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا ثَلَاثٌ ; فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْقَوْلَ بِهِ لِمُخَالَفَةِ رِوَايَةٍ لَهُ ، وَأَصْلُ مَذْهَبِهِ وَقَاعِدَتِهِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا صَحَّ لَمْ يَرُدَّهُ لِمُخَالَفَةِ رِوَايَةٍ لَهُ ، بَلْ الْأَخْذُ بِمَا رَوَاهُ ، كَمَا فَعَلَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفَتْوَاهُ فِي بَيْعِ الْأَمَةِ فَأَخَذَ بِرِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا ، وَتَرَكَ رَأْيَهُ ، وَعَلَى أَصْلِهِ يَخْرُجُ لَهُ قَوْلُ إنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ ; فَإِنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْحَدِيثَ لِمُخَالَفَةِ الرَّاوِي وَصَرَّحَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ أَنَّ مُخَالَفَةَ الرَّاوِي لَا تُوجِبُ تَرْكَ الْحَدِيثِ خَرَجَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ ، وَأَصْحَابُهُ يُخَرِّجُونَهُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَقْوَالًا دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ وَالْإِجْمَاعُ الْقَدِيمُ ، وَلَمْ 35 يَأْتِ بَعْدَهُ إجْمَاعٌ يُبْطِلُهُ ، وَلَكِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَهَانُوا بِأَمْرِ الطَّلَاقِ ، وَكَثُرَ مِنْهُمْ إيقَاعُهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ; فَرَأَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ عُقُوبَتَهُمْ بِإِمْضَائِهِ عَلَيْهِمْ ; لِيَعْلَمُوا أَنَّ أَحَدَهُمْ إذَا أَوْقَعَهُ جُمْلَةً بَانَتْ مِنْهُ الْمَرْأَةُ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكَاحَ رَغْبَةٍ يُرَادُ لِلدَّوَامِ لَا نِكَاحَ تَحْلِيلٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِيهِ ، فَإِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ كَفُّوا عَنْ الطَّلَاقِ الْمُحَرَّمِ ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ هَذَا مَصْلَحَةٌ لَهُمْ فِي زَمَانِهِ .
وَرَأَى أَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِ الصِّدِّيقِ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ كَانَ الْأَلْيَقَ بِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَتَابَعُوا فِيهِ ، وَكَانُوا يَتَّقُونَ اللَّهَ فِي الطَّلَاقِ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ مَنْ اتَّقَاهُ مَخْرَجًا ، فَلَمَّا تَرَكُوا تَقْوَى اللَّهِ وَتَلَاعَبُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَطَلَّقُوا عَلَى غَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ أَلْزَمَهُمْ بِمَا الْتَزَمُوهُ عُقُوبَةً لَهُمْ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا شَرَعَ الطَّلَاقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، وَلَمْ يَشْرَعْهُ كُلَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَمَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ ، وَظَلَمَ نَفْسَهُ ، وَلَعِبَ بِكِتَابِ اللَّهِ ، فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يُعَاقَبَ ، وَيُلْزَمَ بِمَا الْتَزَمَهُ ، وَلَا يُقِرُّ عَلَى رُخْصَةِ اللَّهِ وَسَعَتِهِ ، وَقَدْ صَعَّبَهَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَتَّقِ اللَّهَ وَلَمْ يُطَلِّقْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَشَرَعَهُ لَهُ ، بَلْ اسْتَعْجَلَ فِيمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْأَنَاةَ فِيهِ رَحْمَةً مِنْهُ وَإِحْسَانًا ، وَلَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ وَاخْتَارَ الْأَغْلَظَ وَالْأَشَدَّ ; فَهَذَا مِمَّا تَغَيَّرَتْ بِهِ الْفَتْوَى لِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ ، وَعَلِمَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حُسْنَ سِيَاسَةِ عُمَرَ وَتَأْدِيبِهِ لِرَعِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ فَوَافَقُوهُ عَلَى مَا أَلْزَمَ بِهِ ، وَصَرَّحُوا لِمَنْ اسْتَفْتَاهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ أَتَى الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ فَقَدْ بُيِّنَ لَهُ ، وَمَنْ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ جَعَلْنَا عَلَيْهِ لَبْسَهُ ، وَاَللَّهِ لَا تَلْبِسُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ مِنْكُمْ ، هُوَ كَمَا تَقُولُونَ .
فَلَوْ كَانَ وُقُوعُ الثَّلَاثِ ثَلَاثًا فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ لَكَانَ الْمُطَلِّقُ قَدْ أَتَى الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ ، وَلَمَا كَانَ قَدْ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ { تَلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ } ؟
وَلَمَا تَوَقَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي الْإِيقَاعِ وَقَالَ لِلسَّائِلِ : إنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ ، فَاذْهَبْ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، فَلَمَّا جَاءَ إلَيْهِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : أَفْتِهِ فَقَدْ جَاءَتْك مُعْضِلَةٌ ، ثُمَّ أَفْتَيَاهُ بِالْوُقُوعِ .
فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمُقَدَّمُهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا رَأَوْا النَّاسَ قَدْ اسْتَهَانُوا بِأَمْرِ الطَّلَاقِ وَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْهُ وَلَبَسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِي التَّطْلِيقِ الَّذِي شَرَعَهُ لَهُمْ وَأَخَذُوا بِالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى مَا حُدَّ لَهُمْ أَلْزَمُوهُمْ بِمَا الْتَزَمُوهُ ، وَأَمْضَوْا عَلَيْهِمْ مَا اخْتَارُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ التَّشْدِيدِ الَّذِي وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا شَرَعَهُ لَهُمْ بِخِلَافِهِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا حَقِيقٌ بِالْعُقُوبَةِ بِأَنْ يُنْفِذَ عَلَيْهِ مَا أَنْفَذَهُ عَلَى نَفْسِهِ ; إذْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ وَتَيْسِيرَهُ وَمُهْلَتَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَنْ طَلَّقَ مِائَةً : عَصَيْت رَبَّك وَبَانَتْ مِنْك امْرَأَتُك ; إنَّك لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلُ لَك مَخْرَجًا ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إنَّ عَمِّي طَلَّقَ ثَلَاثًا ، فَقَالَ : إنَّ عَمَّك عَصَى اللَّهَ فَأَنْدَمَهُ ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ، فَقَالَ : أَفَلَا تُحَلِّلُهَا لَهُ ؟ فَقَالَ : مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ .
36 فَلْيَتَدَبَّرْ الْعَالِمُ الَّذِي قَصْدُهُ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ مِنْ الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ فِي قَبُولِ الصَّحَابَةِ هَذِهِ الرُّخْصَةَ وَالتَّيْسِيرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْوَاهُمْ رَبَّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي التَّطْلِيقِ ، فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ رُخْصَةُ اللَّهِ وَتَيْسِيرُهُ شَرْعًا وَقَدَرًا ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الْأُحْمُوقَةَ ، وَتَرَكُوا تَقْوَى اللَّهَ ، وَلَبَسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَطَلَّقُوا عَلَى غَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُمْ ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ وَالصَّحَابَةِ مَعَهُ شَرْعًا وَقَدَرَ إلْزَامَهُمْ بِذَلِكَ ، وَإِنْفَاذَهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِبْقَاءَ الْإِصْرِ الَّذِي جَعَلُوهُ هُمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ كَمَا جَعَلُوهُ ، وَهَذِهِ أَسْرَارٌ مِنْ أَسْرَارِ الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ لَا تُنَاسِبُ عُقُولَ أَبْنَاءِ الزَّمَنِ ، فَجَاءَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ ، فَمَضَوْا عَلَى آثَارِ الصَّحَابَةِ سَالِكِينَ مَسْلَكَهُمْ ، قَاصِدِينَ رِضَاءَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْفَاذَ دِينِهِ .
فَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ الْقَوْلَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِظَنِّهِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ .
قَالَ : فَإِنْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّ الثَّلَاثَ كَانَتْ تُحْسَبُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةً بِمَعْنَى أَنَّهُ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاَلَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا فَنُسِخَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت ؟ قِيلَ : لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ثُمَّ يُخَالِفُهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَعْلَمْهُ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ خِلَافٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَعَلَّ هَذَا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فَقَالَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِ عُمَرَ . قِيلَ : قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخَالِفُ عُمَرَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، وَبَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ ، وَبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، فَكَيْفَ يُوَافِقُهُ فِي شَيْءٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافُهُ ؟
فَصْلٌ [ فَتْوَى الصَّحَابِيِّ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَاهُ ]
قَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ لُزُومِ الثَّلَاثِ : النَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَلَا تَرْكُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَعْصُومِ لِمُخَالَفَةِ رَاوِيهِ لَهُ ; فَإِنَّ مُخَالَفَتَهُ لَيْسَتْ مَعْصُومَةً ، وَقَدْ قَدَّمَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي شَأْنِ بَرِيرَةَ عَلَى فَتْوَاهُ الَّتِي تُخَالِفُهَا فِي كَوْنِ بَيْعِ الْأَمَةِ طَلَاقَهَا ، وَأَخَذَ هُوَ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { مَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ } وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَأَخَذُوا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ } وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الرَّمَلُ بِسُنَّةٍ ، وَأَخَذُوا بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ فِي مَنْعِ الْحَائِضِ مِنْ الطَّوَافِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا أَنَّ امْرَأَةً حَاضَتْ وَهِيَ تَطُوفُ مَعَهَا فَأَتَمَّتْ بِهَا عَائِشَةُ بَقِيَّةَ طَوَافِهَا ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ عَطَاءٍ ، فَذَكَرَهُ ، وَأَخَذُوا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَقْدِيمِ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ وَالنَّحْرِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي 37 ذَلِكَ ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ فِيهِ دَمًا ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى قَوْلِهِ وَأَخَذُوا بِرِوَايَتِهِ ، وَأَخَذَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ } قَالُوا : وَهَذَا صَرِيحٌ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَيْسَ لِمُكْرَهٍ وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ ، وَأَخَذُوا هُمْ وَالنَّاسُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى جَمَلًا شَارِدًا بِأَصَحِّ سَنَدٍ يَكُونُ ، وَأَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَابْنِ عَبَّاسٍ { صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ } وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ ، وَأَخَذَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ بِخَبَرِ عَائِشَةَ فِي التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا خِلَافُهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ بَنَاتُ إخْوَتِهَا ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَتْهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا ، وَأَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ بِرِوَايَةِ عَائِشَةَ { فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ } وَصَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا أَتَمَّتْ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ ، فَلَمْ يَدْعُوا رِوَايَتِهَا لِرَأْيِهَا ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي مُوسَى فِي الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا : لَا وُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي تَرْكِ إيجَابِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ إيجَابُ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ مِنْ أَكْلِ كُلِّ مَا مَسَّتْ النَّارُ ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِأَحَادِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ثَلَاثَتِهِمْ الْمَنْعُ مِنْ الْمَسْحِ جُمْلَةً ; فَأَخَذُوا بِرِوَايَتِهِمْ وَتَرَكُوا رَأْيَهُمْ .
وَاحْتَجُّوا فِي إسْقَاطِ الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ بِحَدِيثِ عُمَرَ { لَا يُقْتَصُّ لِوَلَدٍ مِنْ وَالِدِهِ } وَقَدْ قَالَ عُمَرُ : لَأَقُصَّنَّ لِلْوَلَدِ مِنْ الْوَالِدِ ; فَلَمْ يَأْخُذُوا بِرَأْيِهِ بَلْ بِرِوَايَتِهِ ، وَاحْتَجَّتْ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ بِحَدِيثَيْنِ لَا يَصِحَّانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ يَكُونُ { أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ } وَأَخَذَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثٍ لَا يَصِحُّ بَلْ هُوَ مِنْ وَضْعِ حِزَامِ بْنِ عُثْمَانَ وَمُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَلَبِيِّ ، وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ { لَا يَكُونُ صَدَاقٌ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ } وَقَدْ صَحَّ عَنْ جَابِرٍ جَوَازُ النِّكَاحِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَاحْتَجُّوا هُمْ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَرْفُوعِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ جَوَازُ بَيْعِهِنَّ ; فَقَدَّمُوا رِوَايَتَهُ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ عَلَى فَتْوَاهُ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ ، وَأَخَذَتْ الْحَنَابِلَةُ وَغَيْرُهُمْ بِخَبَرِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأَبَوَيْنِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ; فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } ، وَصَحَّ عَنْهُمْ النَّهْيُ عَنْ التَّمَتُّعِ ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِرِوَايَتِهِمْ وَتَرَكُوا رَأْيَهُمْ ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَحْرِ { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : مَاءَانِ لَا يُجْزِئَانِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ مَاءُ الْبَحْرِ وَمَاءُ الْحَمَّامِ ، وَأَخَذَتْ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي 38 سُنَنُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلَ عَنْ الْحَوْضِ يَلَغُ فِيهِ الْكَلْبُ وَيَشْرَبُ مِنْهُ الْحِمَارُ ، فَقَالَ : لَا يُحَرِّمُ الْمَاءَ شَيْءٌ ، وَأَخَذَتْ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ { لَا زَكَاةَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا } مَعَ ضَعْفِ الْحَدِيثِ بِالْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابِهِ ، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْهُ .
وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ ، وَتَرَى كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ إذَا جَاءَ الْحَدِيثُ يُوَافِقُ قَوْلَ مَنْ قَلَّدَهُ وَقَدْ خَالَفَهُ رِوَايَةً يَقُولُ : الْحُجَّةُ فِيمَا رَوَى ، لَا فِي قَوْلِهِ ، فَإِذَا جَاءَ قَوْلُ الرَّاوِي مُوَافِقًا لِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ وَالْحَدِيثُ بِخِلَافِهِ قَالَ : لَمْ يَكُنْ الرَّاوِي يُخَالِفُ مَا رَوَاهُ إلَّا وَقَدْ صَحَّ عِنْدَهُ نَسْخُهُ ، وَإِلَّا كَانَ قَدْحًا فِي عَدَالَتِهِ ، فَيَجْمَعُونَ فِي كَلَامِهِمْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ، بَلْ قَدْ رَأَيْنَا فِي الْبَابِ الْوَاحِدِ ، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ التَّنَاقُضِ ، وَاَلَّذِي نَدِينُ لِلَّهِ بِهِ وَلَا يَسَعُنَا غَيْرُهُ وَهُوَ الْقَصْدُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ حَدِيثٌ آخَرَ يَنْسَخُهُ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْنَا وَعَلَى الْأُمَّةِ الْأَخْذُ بِحَدِيثِهِ وَتَرْكُ كُلِّ مَا خَالَفَهُ ، وَلَا نَتْرُكُهُ لِخِلَافِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ كَائِنًا مَنْ كَانَ لَا رِوَايَةً وَلَا غَيْرَهُ ; إذْ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَنْسَى الرَّاوِي الْحَدِيثَ ، أَوْ لَا يَحْضُرُهُ وَقْتَ الْفُتْيَا ، أَوْ لَا يَتَفَطَّنُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ ، أَوْ يَتَأَوَّلُ فِيهِ تَأْوِيلًا مَرْجُوحًا ، أَوْ يَقُومُ فِي ظَنِّهِ مَا يُعَارِضُهُ وَلَا يَكُونُ مُعَارِضًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، أَوْ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ فِي فَتْوَاهُ بِخِلَافِهِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَهُ لِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ، وَلَوْ قُدِّرَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْعِلْمِ بِانْتِفَائِهِ وَلَا ظَنِّهِ ، لَمْ يَكُنْ الرَّاوِي مَعْصُومًا ، وَلَمْ تُوجَبْ مُخَالَفَتُهُ لِمَا رَوَاهُ سُقُوطَ عَدَالَتِهِ حَتَّى تَغْلِبَ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتِهِ ، وَبِخِلَافِ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ لَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith