البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الأول
page 149 · printed p. 135 · commentary
( قَوْلُهُ : وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ ) أَيْ سُؤْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نَجِسٌ وَالْمُرَادُ بِسِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَحْوُ الْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ وَالْكَلْبُ إلَى آخِرِهِ بِالرَّفْعِ أَجْوَدُ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُقَامَهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ إذَا كَانَ الْكَلَامُ مُشْعِرًا بِحَذْفِهِ وَقَدْ وُجِدَ هُنَا مَا يُشْعِرُ بِحَذْفِهِ ، وَهُوَ تَقَدُّمُ ذِكْرِ السُّؤْرِ ، وَلَوْ جُرَّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَجْرُورِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَيَجُوزُ عِنْدَ الْفَرَّاءِ ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ مَجْرُورٌ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ الْمُضَافُ وَتُرِكَ الْمُضَافُ إلَيْهِ عَلَى إعْرَابِهِ كَانَ جَائِزًا إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ نَحْوُ قَوْلِهِمْ مَا كُلُّ سَوْدَاءَ تَمْرَةٌ وَلَا كُلُّ بَيْضَاءَ شَحْمَةٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ ذِكْرُ الْمُضَافِ ا هـ .
وَقَدْ أَطَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْكَلَامَ مَعَ عَدَمِ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ مَجَازًا إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلِينَ ; لِأَنَّ الْكَلْبَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْآدَمِيِّ ، وَهُوَ مَعْمُولٌ لِلْمُضَافِ أَعْنِي سُؤْرٌ وَنَجِسٌ مَعْطُوفٌ عَلَى طَاهِرٍ ، وَهُوَ مَعْمُولُ الْمُبْتَدَأِ أَعْنِي سُؤْرَ فَكَانَ فِيهِ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولِينَ وَهُمَا الْآدَمِيُّ وَطَاهِرٌ لِعَامِلَيْنِ وَهُمَا الْمُضَافُ وَالْمُبْتَدَأُ هَذَا إذَا كَانَ الْمُضَافُ عَامِلًا فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ أَمَّا إذَا كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الْإِضَافَةَ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَقَوْلُهُمْ عَلَى عَامِلَيْنِ فِيهِ تَجَوُّزٌ قَالَ الشُّمُنِّيُّ يَعْنِي بِحَذْفِ الْمُضَافِ قَالَ الرَّضِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْعَطْفُ عَلَى عَامِلَيْنِ أَنْ تَعْطِفَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مَعْمُولَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَانَا فِي الْإِعْرَابِ كَالْمَنْصُوبِ وَالْمَرْفُوعِ أَوْ مُتَّفِقَيْنِ كَالْمَنْصُوبِينَ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ نَحْوُ إنَّ زَيْدًا ضَرَبَ عَمْرًا وَبَكْرًا خَالِدًا فَهُوَ عَطْفُ مُتَّفِقَيْ الْإِعْرَابِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَقَوْلِك إنَّ زَيْدًا ضَرَبَ غُلَامَهُ وَبَكْرًا أَخُوهُ عَطْفُ مُخْتَلِفَيْ الْإِعْرَابِ وَلَا يُعْطَفُ الْمَعْمُولَانِ عَلَى عَامِلَيْنِ بَلْ عَلَى مَعْمُولَيْهِمَا فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ ا هـ .
وَفِي الْمُغْنِي الْحَقُّ جَوَازُ الْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ فِي نَحْوِ فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَالْحُجْرَةِ عَمْرٌو ا هـ .
أَمَّا سُؤْرُ الْكَلْبِ فَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ وَلَكِنْ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْهُ سَبْعًا تَعَبُّدًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ نَجِسٌ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { ۝ قَالَ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ وَأُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد { ۝ طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ } وَرَوَاهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { ۝ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ تَوَاتَرَتْ طُرُقُهُ وَكَثُرَتْ عَنْهُ وَالْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ دَلِيلُ التَّنَجُّسِ وَكَذَا الطَّهُورُ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ فَيَسْتَدْعِي سَابِقَيْهِ الْحَدَثُ أَوْ الْخَبَثُ وَلَا حَدَثَ فِي الْإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي ; وَلِأَنَّهُ مَتَى دَارَ الْحُكْمُ بَيْنَ كَوْنِهِ تَعَبُّدِيًّا وَمَعْقُولَ الْمَعْنَى كَانَ جَعْلُهُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى هُوَ الْوَجْهَ لِنُدْرَةِ التَّعَبُّدِ وَكَثْرَةِ التَّعَقُّلِ وَلَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ 135 الْكَلْبِ ثَلَاثًا } رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِعْلًا وَقَوْلًا مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا مِنْ طَرِيقَتَيْنِ :
الْأَوَّلُ : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { ۝ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَأَهْرِقْهُ ثُمَّ اغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } وَأَخْرَجَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ { ۝ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ أَهْرِقْهُ وَغَسِّلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِلْمَامِ هَذَا إسْنَادٌ صَحَّحَ الطَّرِيقَ الثَّانِيَ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيِّ بِسَنَدِهِ إلَى عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُهْرِقْهُ وَلْيَغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } وَلَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ الْكَرَابِيسِيِّ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ قَالَ لَنَا أَحْمَدُ الْحُسَيْنُ الْكَرَابِيسِيُّ يُسْأَلْ عَنْهُ وَلَهُ كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ ذَكَرَ فِيهَا اخْتِلَافَ النَّاسِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَذَكَرَ فِيهَا أَخْبَارًا كَثِيرَةً وَكَانَ حَافِظًا لَهَا وَلَمْ أَجِدْ لَهُ مُنْكَرًا غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وَاَلَّذِي حَمَلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَلَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا ا هـ .
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالضَّعْفِ وَالصِّحَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ أَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَجُوزُ صِحَّةُ مَا حُكِمَ بِضَعْفِهِ ظَاهِرًا وَثُبُوتُ كَوْنِ مَذْهَبِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ أَنَّ هَذَا مِمَّا أَجَادَهُ الرَّاوِي الْمُضَعَّفُ وَحِينَئِذٍ يُعَارِضُ حَدِيثَ السَّبُعِ وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَعَ حَدِيثِ السَّبْعِ دَلَالَةَ التَّقَدُّمِ لِلْعِلْمِ بِمَا كَانَ مِنْ التَّشْدِيدِ فِي أَمْرِ الْكِلَابِ أَوَّلَ الْأَمْرِ حَتَّى أَمَرَ بِقَتْلِهَا وَالتَّشْدِيدُ فِي سُؤْرِهَا يُنَاسِبُ كَوْنَهُ إذْ ذَاكَ وَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُ ذَلِكَ فَإِذَا عَارَضَ قَرِينَهُ مُعَارِضٌ كَانَتْ التَّقَدُّمَةُ لَهُ
وَلَوْ طَرَحْنَا الْحَدِيثَ بِالْكُلِّيَّةِ كَانَ فِي عَمَلِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ السَّبْعِ ، وَهُوَ رِوَايَةُ كِفَايَةٌ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَتْرُكَ الْقَطْعِيُّ بِالرَّأْيِ مِنْهُ ، وَهَذَا ; لِأَنَّ ظَنِّيَّةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ رَاوِيهِ فَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى رَاوِيه الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطْعِيٌّ حَتَّى يُنْسَخَ بِهِ الْكِتَابُ إذَا كَانَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ فِي مَعْنَاهُ فَلَزِمَ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ إلَّا لِقَطْعِهِ بِالنَّاسِخِ إذْ الْقَطْعِيُّ لَا يُتْرَكُ إلَّا لِقَطْعِيٍّ فَبَطَلَ تَجْوِيزُهُمْ تَرْكَهُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ نَاسِخٍ فِي اجْتِهَادِهِ الْمُحْتَمِلِ لِلْخَطَأِ ، وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ كَانَ تَرْكُهُ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَتِهِ لِلنَّاسِخِ بِلَا شُبْهَةٍ فَيَكُونُ الْآخَرُ مَنْسُوخًا بِالضَّرُورَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَلَوْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِرِوَايَةِ السَّبْعِ وَلَا يُجْعَلُ مَنْسُوخًا لَكَانَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِمَّا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ { ۝ وَعَفِّرُوا الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ } وَالزَّائِدُ أَوْلَى مِنْ النَّاقِصِ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَعْمَلَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَإِنْ تَرَكَهَا لَزِمَهُ مَا لَزِمَ خَصْمَهُ فِي تَرْكِ السَّبْعِ وَمَالِكٌ لَمْ يَأْخُذْ بِالتَّعْفِيرِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ مُطْلَقًا فَثَبَتَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ا هـ .
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد فَكَانَ الْأَخْذُ بِرِوَايَتِهِ أَحْوَطَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { ۝ إذَا وَلَغَ السِّنَّوْرُ فِي الْإِنَاءِ يُغْسَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ وَكُلُّ جَوَابٍ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ جَوَابُنَا عَمَّا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ يُحْمَلُ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي { ۝ الْكَلْبِ يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ أَنَّهُ يُغْسَلُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا } فَخَيَّرَهُ ، وَلَوْ كَانَ التَّسْبِيعُ وَاجِبًا لَمَا خَيَّرَهُ .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ وَالْوَبَرِيَّ نَقَلَا أَنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يَحُدُّوا لِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْهُ حَدًّا بَلْ الْعِبْرَةُ لِأَكْبَرِ الرَّأْيِ ، وَلَوْ بِمَرَّةٍ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي غَسْلِ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثًا ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ الثَّلَاثَ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي إزَالَةِ الْأَنْجَاسِ أَوْ لَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي النِّهَايَةِ الْوُلُوغُ حَقِيقَةً شُرْبُ الْكَلْبِ الْمَائِعَاتِ بِأَطْرَافِ لِسَانِهِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْمَاضِيَ وَالْمُضَارِعَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ تَقُولُ وَلَغَ يَلَغُ
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ نَجِسٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُصَحَّحِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ ; فَلِأَنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ وَلُعَابُهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ 136 وَلَا يَلْزَمُ مِنْ طَهَارَةِ عَيْنِهِ طَهَارَةُ سُؤْرِهِ لِنَجَاسَةِ لَحْمِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ نَجَاسَةُ عَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ نَجَاسَةُ لَحْمِهِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ اللُّعَابُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي التَّجْنِيسِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمَا وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُؤْرِ السِّبَاعِ وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ كَالْمُهَذَّبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوُلُوغِ وَوَضْعِ بَعْضِ عُضْوٍ فِي الْإِنَاءِ وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي كُتُبِنَا وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ تَنَجُّسُ الْمَاءِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ عَيْنِهِ عَدَمُ تَنَجُّسِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْبِئْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ; لِأَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ كَمَاءِ الْآنِيَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ كَلْبَيْنِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالثَّلَاثِ ; لِأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يُوجِبْ تَنَجُّسًا كَمَا لَا يَخْفَى ، وَإِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي طَعَامٍ فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ إنْ كَانَ جَامِدًا قَوَّرَ مَا حَوْلَهُ وَأَكَلَ الْبَاقِيَ ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا انْتَفَعَ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَبْدَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَأَمَّا سُؤْرُ الْخِنْزِيرِ ; فَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ، فَإِنَّهُ رِجْسٌ } وَالرِّجْسُ النَّجَسُ ، وَالضَّمِيرُ عَائِدًا إلَيْهِ لِقُرْبِهِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى جِلْدِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith