المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السابع
page 1521 · printed p. 408
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : أَبُو ثَوْرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالنَّيْسَابُورِيّ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ قَوْلَيْهِ - : عِلَّةُ الرِّبَا هِيَ الْأَكْلُ ، وَالشُّرْبُ ، وَالْكَيْلُ ، وَالْوَزْنُ ، وَالتَّثْمِينُ - فَمَا كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، أَوْ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ، لَمْ يَجُزْ مِنْهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ ، لَا يَدًا بِيَدٍ وَلَا نَسِيئَةً ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ، وَمَا كَانَ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ ، أَوْ كَانَ يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ ، أَوْ كَانَ يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ ، فَلَا رِبَا فِيهِ يَدًا بِيَدٍ ، وَالتَّفَاضُلُ فِيهِ جَائِزٌ ، فَأَجَازُوا الْأُتْرُجَّ فِي الْأُتْرُجِّ مُتَفَاضِلًا نَسِيئَةً .
408 وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَا يُوزَنُ وَلَا يُكَالُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، وَكُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ ، وَلَا هُوَ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ - وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَلَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ سَعِيدٍ ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ .
وَحُجَّةُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُمْ ادَّعَوْا الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ ، قَالُوا : وَمَا عَدَاهُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ - وَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِ الرِّبَا فِيمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَدَعْوَاهُمْ هَهُنَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ - وَفِيهِمْ الْجِنُّ ، وَالْإِنْسُ - فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يُرْوَ فِيهَا قَوْلٌ عَنْ ثَمَانِيَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا أَكْثَرُهَا بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ ، وَلَا عَنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ التَّابِعِينَ أَصْلًا ، عَلَى اخْتِلَافٍ شَدِيدٍ بَيْنَهُمْ ، فَقَدْ ادَّعَى الْبَاطِلَ ، فَكَيْفَ وَالْخِلَافُ فِي هَذَا أَشْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ ؟ لِأَنَّ مَالِكًا وَمَنْ وَافَقَهُ لَا يَرَوْنَ الرِّبَا فِي الْمَاءِ ، وَلَا فِي كُلِّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مُقْتَاتًا مُدَّخَرًا .
فَلَا يَرَوْنَ الرِّبَا فِي : التُّفَّاحِ ، وَلَا فِي الْعُنَّابِ ، وَلَا فِي حَبِّ الْقَنْبِ ، وَلَا فِي زَرِيعَةِ الْكَتَّانِ ، وَلَا فِي الْكُرُنْبِ ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، وَكُلُّهُ يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ وَيُؤْكَلُ - فَبَطَلَ هَذَا الْإِجْمَاعُ الْمَكْذُوبُ .
وَمَا وَجَدْنَا لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا ، وَلَا قَدَرْنَا عَلَى أَنْ نَأْتِيَ لَهُمْ بِغَيْرِهَا ، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ لِتَعَرِّيهِ مِنْ الْبُرْهَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : عِلَّةُ الرِّبَا إنَّمَا هِيَ الطَّعْمُ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْجِنْسَيْنِ ، وَالتَّثْمِينُ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْجِنْسَيْنِ ، فَمَا كَانَ يُؤْكَلُ ، وَيُشْرَبُ ، فَلَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا أَصْلًا وَلَا بِنَسِيئَةٍ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّمَاثُلُ نَقْدًا فَقَطْ إذَا كَانَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ : جَازَ فِيهِ التَّمَاثُلُ وَالتَّفَاضُلُ نَقْدًا ، وَلَمْ يَجُزْ فِيهِمَا النَّسِيئَةُ .
وَمَا كَانَ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ ، وَلَا هُوَ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ ، فَالتَّمَاثُلُ وَالتَّفَاضُلُ ، وَالنَّقْدُ وَالنَّسِيئَةُ : جَائِزٌ فِيهِ جِنْسًا كَانَ أَوْ جِنْسَيْنِ - فَأَجَازَ رِطْلُ حَدِيدٍ بِرِطْلَيْ حَدِيدٍ إلَى أَجَلٍ ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ ، وَلَا هُوَ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ .
409 وَمُنِعَ مِنْ بَيْعِ رِطْلٍ سَقَمُونْيَا بِرِطْلَيْ سَقَمُونْيَا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُتَدَاوَى بِهِ ; لِأَنَّهُ يُطْعَمُ عَلَى وَجْهٍ مَا - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْآخَرُ ، وَعَلَيْهِ يَعْتَمِدُ أَصْحَابُهُ ، وَإِيَّاهُ يَنْصُرُونَ .
وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ قَالَ " كُنْت أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { ۝ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } .
قَالَ عَلِيٌّ : وَحَرَّفَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ مِمَّنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَدِيثِ وَلَا وَرَعَ لَهُ يَحْجِزُهُ عَنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ ، وَلَا جَاءَ عَنْهُ وَبِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، فَأَطْلَقَهُ إطْلَاقًا بِلَا إسْنَادٍ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ لَا يُبَاعُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا كَذِبٌ بَحْتٌ ، وَتَعَمُّدٌ لِوَضْعِ الْحَدِيثِ ، إنْ لَمْ يَكُنْ خَطَأً مِنْ جَاهِلٍ ، وَمَا جَاءَ هَكَذَا قَطُّ ، وَلَا يُوجَدُ أَبَدًا مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَوْضُوعَةٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ " الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ الْمَنْعُ عَنْهُ مِثْلًا بِأَكْثَرَ ، وَلَا إبَاحَتُهُ ، إنَّمَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ ، فَوَجَبَ طَلَبُهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْخَبَرِ " .
وَأَيْضًا - فَإِنَّ لَفْظَةَ " الطَّعَامِ " لَا تُطْلَقُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ إلَّا عَلَى الْبُرِّ وَحْدَهُ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ { ۝ كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ - فَلَمْ يَقَعْ اسْمُ الطَّعَامِ إلَّا عَلَى الْبُرِّ وَحْدَهُ } .
وَأَيْضًا - فَإِذَا كَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } مُوجِبًا 410 عِنْدَكُمْ لِلْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلٍ بِمِثْلٍ ، فَاجْعَلُوا - وَلَا بُدَّ - اقْتِصَارَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ذِكْرِ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ الرِّبَا فِيمَا عَدَاهَا ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضْتُمْ .
فَإِنْ قَالُوا : فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } ؟ قُلْنَا : أَعْظَمُ الْفَائِدَةِ إنْ كُنْتُمْ تَتَّعِدُونَ بِاسْمِ الطَّعَامِ إلَى كُلِّ مَا يُؤْكَلُ ، فَإِنَّ فِيهِ إبْطَالَ قَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ : لَا يَجُوزُ تُفَّاحَةٌ بِتُفَّاحَةٍ إلَّا حِينَ يُوقَنُ أَيُّهُمَا أَكْبَرُ ، وَلَا الْخُضَرُ بِالْخُضَرِ إلَّا حِينَ يُوقَنُ أَيُّهَا أَكْثَرُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَدَّى بِلَفْظَةِ الطَّعَامِ الْبُرُّ ، فَفِيهِ إبَاحَةُ بَيْعِ بُرٍّ فَاضِلٍ بِأَدْنَى ، وَفَاضِلٍ وَأَدْنَى بِمُتَوَسِّطٍ إذَا تَمَاثَلَتْ فِي الْكَيْلِ - .
وَأَيْضًا : فَلَا يُطْلِقُ عَرَبِيٌّ وَلَا مُسْتَعْرِبٌ عَلَى السَّقَمُونْيَا اسْمَ طَعَامٍ لَا بِإِطْلَاقٍ وَلَا بِإِضَافَةٍ .
فَإِنْ قَالُوا : قَدْ تُؤْكَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ ؟ قُلْنَا : وَالصَّنْدَلُ قَدْ يُؤْكَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ ، وَالطِّينُ الْأَرْمِينِيُّ ، وَالْأَحْمَرُ ، وَالطَّفْلُ كَذَلِكَ ، وَالسَّبَدُ ، وَاللُّؤْلُؤُ ، وَحَجَرُ الْيَهُودِ كَذَلِكَ ، فَأَوْقَعُوا الرِّبَا فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ هَذَا ، نَعَمْ ، وَفِي النَّاسِ مَنْ يَأْكُلُ أَظْفَارَهُ ، وَشَعْرَ لِحْيَتِهِ ، وَالرَّقَّ ، أَكْلًا ذَرِيعًا ، فَأَوْقَعُوهَا فِي الطَّعَامِ ، وَأَدْخَلُوا الرِّبَا فِيهَا ; لِأَنَّهُمَا قَدْ يُؤْكَلَانِ أَيْضًا .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ أَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيِّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ أَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ { ۝ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا مُخْتَلِفًا فَتَبَايَعْنَاهُ بَيْنَنَا بِزِيَادَةٍ ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَأْخُذَهُ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ } .
وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَا حَجَّاجٌ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ لَا تُبَاعُ الصُّبْرَةُ مِنْ الطَّعَامِ بِالصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ ، وَلَا الصُّبْرَةُ مِنْ الطَّعَامِ بِالْكَيْلِ مِنْ الطَّعَامِ الْمُسَمَّى } .
411 فَهَذَانِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ إلَّا أَنَّهُمَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِمَا ; لِأَنَّ اسْمَ " الطَّعَامِ " لَا يَقَعُ كَمَا قُلْنَا عِنْدَ الْعَرَبِ مُطْلَقًا إلَّا عَلَى الْبُرِّ فَقَطْ ، كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ آنِفًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { : وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } فَأَرَادَ تَعَالَى ذَبَائِحَنَا وَذَبَائِحَهُمْ .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ } ؟
قُلْنَا : لَا نَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ اسْمِ " الطَّعَامِ " عَلَى غَيْرِ الْبُرِّ بِإِضَافَةٍ أَوْ بِدَلِيلٍ مِنْ النَّصِّ عَلَى أَنَّ هَذَا الِاحْتِجَاجَ هُوَ عَلَى الشَّافِعِيِّينَ لَا لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ : إنَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحَنَا جَائِزٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ، وَفِي قَوْلِهِمْ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ أَصْلًا حَتَّى يَيْبَسَ .
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُخَالِفَانِ لِاحْتِجَاجِهِمْ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الطَّعَامِ عَلَى اللُّحُومِ وَغَيْرِهَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ مُخَالِفَانِ لِقَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، جُمْلَةً إنْ حَمَلَاهُمَا عَلَى أَنَّ " الطَّعَامَ " وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مَا يُؤْكَلُ مُبْطِلَانِ لِقَوْلِهِمَا فِي الرِّبَا .
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَكَمَا قُلْنَا ، وَيَبْطُلُ أَيْضًا احْتِجَاجُهُمْ بِهِ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ مَنْ هُوَ أَضْبَطُ وَأَحْفَظُ مِنْ ابْنِ فُضَيْلٍ : قُتَيْبَةُ ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ - أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " قَالَ : { ۝ قَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا مِنْ التَّمْرِ مُخْتَلِفًا بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ ، فَذَهَبْنَا نَتَزَايَدُ فِيهِ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ } فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِذَلِكَ .
وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ الَّذِي فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ إنَّمَا كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا : إمَّا تَمْرًا ، أَوْ بُرًّا ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِيهِ نَهْيَهُمْ عَنْ أَنْ يَبِيعُوهُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ بِزِيَادَةٍ ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ .
فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَتَسْمِيَتُهُ بِالطَّعَامِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُمْكِنُ لَهُمْ أَنْ يُنَازِعُونَا فِي 412 مَعْنَاهُ ، ثُمَّ يَحْمِلُوهُ عَلَى عُمُومِهِ ، إنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي سَعِيدٍ وَقَدْ أُخْبِرْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ لَا يُطْلِقُ اسْمَ " الطَّعَامِ " إلَّا عَلَى الْبُرِّ .
ثُمَّ لَا يُمَارُونَنَا فِي أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْخَبَرِ إنَّمَا هُوَ فِي ذَلِكَ الْمَقْسُومِ - هَذَا نَصُّ مُقْتَضَى لَفْظِ الْخَبَرِ يَقِينًا ضَرُورَةً وَلَا بُدَّ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ فِي جَمِيعِ أَصْنَافِ مَا يُرِيدُونَ أَنْ يُسَمُّوهُ طَعَامًا ، إلَّا بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ يُنَازِعُونَ فِيهِ ، وَهُمْ لَا يَدْعُونَ مَعْرِفَةَ مَا كَانَ مِنْ صِنْفِ ذَلِكَ الطَّعَامِ ، فَيُمْكِنُهُمْ عِنْدَنَا أَنْ يَحْتَجُّوا عَلَيْنَا بِهِ لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بُرًّا ، وَلَا تَمْرًا ، وَلَا شَعِيرًا ، وَيَبْطُلُ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ إنْ كَانَ بُرًّا ، أَوْ تَمْرًا ، أَوْ شَعِيرًا ; لِأَنَّ هَذَا هُوَ قَوْلُنَا فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ بِيَقِينٍ لَا إمْكَانَ فِي سِوَاهُ - .
وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ .
وَاسْتَدْرَكْنَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ : وَأَنَا بِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ : أَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ { ۝ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ } .
فَقَدْ أَخْبَرَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ : أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ الْحَسَنِ حَدَّثَهُمْ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ مَرَّةً أُخْرَى فَأَخْبَرَ عَنْهُ : أَنَّهُ هُوَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ نَفْسُهُ .
وَصَحَّ أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ الْحَسَنِ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَلَى مَا هُوَ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ ، وَمَرَّةً عَلَى مَا سَمِعَهُ - وَأَيْضًا : فَإِنَّ حَجَّاجَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ [ فَظَاهِرُهُ الِانْقِطَاعُ ] .
وَقَدْ رُوِّينَاهُ مُسْنَدًا صَحِيحًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ : أَنَا [ أَبُو الطَّاهِرِ ] أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ : أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ { ۝ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ } .
413 قَالَ مُسْلِمٌ : وَنَاهُ أَيْضًا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ { ۝ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى } فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، فَهَذَا هُوَ الْمُتَّصِلُ الصَّحِيحُ .
وَصَحَّ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ الْحَسَنِ أَخْطَأَ فِيهِ مَرَّةً وَاسْتَدْرَكَ أُخْرَى ، أَوْ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَلَى مَا مَعْنَاهُ عِنْدَهُ ، وَمَرَّةً كَمَا سَمِعَهُ كَمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ -
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ جُمْلَةً .
فَإِنْ مَوَّهُوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ { ۝ جَابِرٍ قَالَ : كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعْطِي الصَّاعَ مِنْ حِنْطَةٍ بِسِتَّةِ أَصْوُعٍ مِنْ تَمْرٍ فَأَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الطَّعَامِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا مِثْلٌ بِمِثْلٍ } فَهَذَا لَا شَيْءَ ; لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ هُوَ سَاقِطٌ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ وَلَيْسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ ، وَالْحَنَفِيِّينَ جُمْلَةً ; لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مِنْ التَّفَاضُلِ فِي التَّمْرِ مَعَ غَيْرِ الْبُرِّ ، وَلَا يَقْتَصِرُونَ فِي إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ بِالتَّمْرِ خَاصَّةً ، كَمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ .
هَذَا كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهِ فَقَدْ تَقَصَّيْنَاهُ . وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ عَمَّنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ : بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ تَتَبَايَعُوا يَدًا بِيَدٍ مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ مِنْ الطَّعَامِ - يُرِيدُ التَّمْرَ بِالْقَمْحِ وَالتَّمْرَ بِالزَّبِيبِ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ مِنْ الطَّعَامِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ ، الْبُرُّ بِالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبُ بِالشَّعِيرِ ، وَكَرِهَهُ نَسِيئَةً ، وَكَانَ يَكْرَهُ الطَّعَامَ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْهُ بِشَيْءٍ نَظْرَةً .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ الْفَاكِهَةِ مَا يُكَالُ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ نَسِيئَةً .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ فَمُنْقَطِعٌ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ خِلَافُهُ كَمَا نَذْكُرُ فِي ذِكْرِنَا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
414 ثُمَّ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ بِمَنْعِهِ مِنْ النَّظْرَةِ فِيمَا عَدَا السِّتَّةَ الْأَصْنَافِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُ كَرَاهِيَةٌ لَا تَحْرِيمٌ ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ عَلَى مَا نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ذِكْرِنَا أَقْوَالَ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَعَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِهِمْ .
ثُمَّ كَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ ، كَتَوْرِيثِ عُمَرَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا فِي الْمَرَضِ - وَقَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ فِيمَنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْلٌ فَإِذَا بِهِ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَنَّ صَوْمَهُ تَامٌّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ - وَفِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ - وَفِي أَنْ لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ قَوَدًا بِمَكَّةَ - وَفِي أَنْ لَا يَحُجَّ أَحَدٌ عَلَى بَعِيرٍ جِلَالٍ - وَفِي غَيْرِ مَا قِصَّةٍ ، فَكَيْفَ وَلَمْ يَأْتِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَعَنْ عَطَاءٍ هَهُنَا إلَّا الْكَرَاهَةُ فَقَطْ ، لَا التَّحْرِيمُ الَّذِي يَقْدُمُونَ عَلَيْهِ بِلَا بُرْهَانٍ أَصْلًا ؟ وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ أَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ أَنَا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا وَكِيعٌ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : إنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ سِتْرٌ مِنْ الْحَرَامِ .
وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ : أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَزِيدَ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الرِّبَا أَضْعَافَ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ عَلَى مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : إنَّا وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي لَعَلَّنَا نَأْمُرُكُمْ بِأُمُورٍ لَا تَصْلُحُ لَكُمْ ، وَلَعَلَّنَا نَنْهَاكُمْ عَنْ أُمُورٍ تَصْلُحُ لَكُمْ ، وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا لِآيَاتِ الرِّبَا ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَهُ لَنَا ، فَدَعُوا مَا يَرِيبُكُمْ إلَى مَا لَا يَرِيبُكُمْ .
قَالَ عَلِيٌّ : حَاشَ لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبَيِّنْ الرِّبَا الَّذِي تَوَعَّدَ فِيهِ أَشَدَّ الْوَعِيدِ ، وَاَلَّذِي أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بِالْحَرْبِ ، وَلَئِنْ كَانَ لَمْ يُبَيِّنْهُ لِعُمَرَ فَقَدْ بَيَّنَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ كُلَّ شَيْءٍ لِكُلِّ أَحَدٍ ، لَكِنْ إذَا بَيَّنَهُ لِمَنْ يُبَلِّغُهُ فَقَدْ بَلَّغَ مَا لَزِمَهُ تَبْلِيغُهُ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : تَرَكْنَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْحَلَالِ مَخَافَةَ الرِّبَا .
415 فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا ، وَحَصَلَ قَوْلُهُمْ لَا سَلَفَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا ، وَلَا نَعْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ .
وَقَالُوا : إنَّمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَصْنَافٍ : أَرْبَعَةً مَأْكُولَةً ، وَاثْنَتَيْنِ هُمَا ثَمَنُ الْأَشْيَاءِ ، فَقِسْنَا عَلَى الْمَأْكُولَةِ كُلَّ مَأْكُولٍ ، وَلَمْ نَقِسْ عَلَى الْأَثْمَانِ شَيْئًا ؟
فَقُلْنَا : هَذَا أَوَّلُ الْخَطَأِ ، إنْ كَانَ الْقِيَاسُ بَاطِلًا فَمَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَقِيسُوا عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمَأْكُولَةِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرَهَا ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَمَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَدَعُوا الذَّهَبَ ، وَالْفِضَّةَ : دُونَ أَنْ تَقِيسُوا عَلَيْهِمَا ، كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَأْكُولَةِ وَلَا فَرْقَ ، فَقِيسُوا عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كُلَّ مَوْزُونٍ كَمَا فَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ ، أَوْ كُلَّ مَعْدِنِيٍّ ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ وَعَلَّلْتُمْ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ بِالتَّثْمِينِ ؟ قُلْنَا : هَذَا عَلَيْكُمْ لَا لَكُمْ ; لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَهُوَ ثَمَنٌ صَحِيحٌ لِكُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، بِإِجْمَاعِكُمْ مَعَ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ الِاقْتِصَارُ بِالتَّثْمِينِ عَلَى الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ ، وَلَا قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ؟ وَهَذَا خَطَأٌ فِي غَايَةِ الْفُحْشِ ، وَلَازِمٌ لِلشَّافِعِيِّينَ ، وَالْمَالِكِيِّينَ ، لُزُومًا لَا انْفِكَاكَ مِنْهُ .
وَأَيْضًا : فَمَا الَّذِي جَعَلَ عِلَّتَكُمْ بِأَوْلَى مِنْ عِلَّةِ الْحَنَفِيِّينَ الَّذِينَ عَلَّلُوا الْأَرْبَعَةَ الْأَصْنَافِ بِالْكَيْلِ ، وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ بِالْوَزْنِ - وَقَالُوا : لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَّا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ هَهُنَا عِلَّةٌ لَمْ يُبَيِّنْهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَلَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بَلْ تَرَكَنَا فِي ضَلَالٍ وَدِينٍ غَيْرِ تَامٍّ ، وَوَكَّلَنَا إلَى ظُنُونِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا ، هَذَا أَمْرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ ذُو عَقْلٍ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith