المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ زِيَادَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ : { ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ } وَقَدْ أَخَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَلَا بُدَّ مِنْهَا ; لِأَنَّ بِهَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال لِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرَهُ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هَذَا هُوَ رَاوِي حَدِيثِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُهَذَّبِ هُنَاكَ وَفِي أَوَّلِ بَابِ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ الْمَدَنِيِّ ، وَأُمُّهُ أُمُّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ ، شَهِدَ هُوَ وَأُمُّهُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُتِلَ بِالْحَرَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةٍ ، وَهُوَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ ، صَاحِبِ الْأَذَانِ ، وَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ فِي الْجَدِّ وَالْقَبِيلَةِ وَقَدْ أَوْضَحَتْهُمَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ .
( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ ، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا لِلْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالذَّهَابُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إلَى مُؤَخَّرِهِ وَالرُّجُوعُ إلَى مُقَدَّمِهِ كِلَاهُمَا يُحْسَبُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ الذَّهَابُ مِنْ الصَّفَّا إلَى الْمَرْوَةِ مَرَّةً ، وَالرُّجُوعُ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَّا مَرَّةً ثَانِيَةً عَلَى الْمَذْهَبِ 434 الصَّحِيحِ خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَالْفَرْقُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّ تَمَامَ الْمَسْحَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَحْصُلُ عَلَى جَمِيعِ الشَّعْرِ إلَّا بِالذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ فَإِنَّهُ فِي رُجُوعِهِ يَمْسَحُ مَا لَمْ يَمْسَحْهُ فِي ذَهَابِهِ ، بِخِلَافِ السَّعْيِ فَإِنْ قَطَعَ الْمَسَافَةَ بِتَمَامِهَا يَحْصُلُ فِي ذَهَابِهِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الرَّدُّ لِمَنْ لَهُ شَعْرٌ مُسْتَرْسِلٌ ، أَمَّا مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ أَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ وَطَلَعَ مِنْهُ يَسِيرٌ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْقَفَّالُ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ ، وَكَذَا لَا يُسْتَحَبُّ الرَّدُّ لِمَنْ لَهُ شَعْرٌ كَثِيرٌ مَضْفُورٌ ، قَالَهُ الْقَفَّالُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ ، وَقَالَ الْقَفَّالُ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا : لَوْ رَدَّ فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا الرَّدُّ لَمْ يُحْسَبُ رَدُّهُ مَرَّةً ثَانِيَةً ; لِأَنَّ الْبَلَلَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا لِحُصُولِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلَوْ مَسَحَ طَرَفَ رَأْسِهِ ثُمَّ طَرَفًا آخَرَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ التَّكْرَارِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُحَاوِلَةٌ لِلِاسْتِيعَابِ ، وَالِاسْتِيعَابُ سُنَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ التَّكْرَارِ ، وَرَدُّ الْيَدِ مِنْ الْقَفَا إلَى النَّاصِيَةِ مِنْ الِاسْتِيعَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ : أُحِبُّ أَنْ يَتَحَرَّى جَمِيعَ رَأْسِهِ وَصُدْغَيْهِ ، هَذَا لَفْظُهُ ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ : مَنْ جَعَلَ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : ذَلِكَ لِاسْتِيعَابِ الرَّأْسِ ، وَمَنْ جَعَلَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : ذَلِكَ لِيَصِيرَ بِالِابْتِدَاءِ مِنْهُمَا مُحْتَاطًا فِي اسْتِبْقَاءِ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ هَكَذَا تَرَكَ جُزْءًا مِنْ أَوَّلِ الرَّأْسِ لَا يَمُرُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا مَسَحَ جَمِيعَ الرَّأْسِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ ، أَصَحُّهُمَا : أَنَّ الْفَرْضَ مِنْهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَالْبَاقِي سُنَّةٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْجَمِيعَ يَقَعُ فَرْضًا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، فَأَيُّ خَصْلَةٍ فَعَلَهَا حُكِمَ بِأَنَّهَا الْوَاجِبُ ، ثُمَّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : الْوَجْهَانِ فِيمَنْ مَسَحَ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَمَّا مَنْ مَسَحَ مُتَعَاقِبًا كَمَا هُوَ 435 الْغَالِبُ فَمَا سِوَى الْأَوَّلِ سُنَّةٌ قَطْعًا ، وَالْأَكْثَرُونَ أَطْلَقُوا الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ ، مِنْهَا إذَا طَوَّلَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ فَهَلْ الْوَاجِبُ الْجَمِيعُ ؟ أَمْ الْقَدْرُ الَّذِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ ، وَمِثْلُهُ لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَهَلْ الْوَاجِبُ مِنْهُ الْخَمْسُ أَوْ الْجَمِيعُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الزَّكَاةِ ، وَمِثْلُهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يُضَحِّيَ بِهَا فَأَهْدَى بَدَنَةً أَوْ ضَحَّى بِهَا أَجْزَأَهُ . وَهَلْ الْوَاجِبُ جَمِيعَهَا أَوْ سُبْعُهَا وَالْبَاقِي تَطَوُّعٌ فِيهِ الْوَجْهَانِ ، وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ النَّذْرِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوَاجِب الْقَدْرُ الْمُجْزِئُ ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي تَكْثِيرِ الثَّوَابِ ، فَإِنَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ النَّفْلِ ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا فِي الزَّكَاةِ فِي الرُّجُوعِ إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ جَرَى مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْوَاجِبِ لَا فِي النَّفْلِ . وَفَائِدَتُهُمَا فِي النَّذْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِمَا لَا الْوَاجِبِ عَلَى الصَّحِيحِ ، فَهَذَا مُخْتَصَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَسَنُوضِحُهَا فِي أَبْوَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - : ، قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي ( فَصْلِ الْقِرَاءَةِ ) : أَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْقَوْلَانِ فِي الْوَقَصِ فِي الزَّكَاةِ هَلْ هُوَ عَفْوٌ أَمْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَرْضُ ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : ( طَرَفَ سَبَّابَتِهِ ) هِيَ الْأُصْبُعُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ السَّبِّ ، وَمُقَدَّمِ هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ فَهَذِهِ أُفْصِحُ اللُّغَاتِ الَّتِي فِيهِ ، وَهُنَّ سِتٌّ وَهِيَ جَارِيَاتٌ فِي الْمُؤَخَّرِ ، وَالْإِبْهَامِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ هِيَ الْأُصْبُعُ الْعَظْمِيُّ وَهِيَ مَعْرِفَةٌ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ، قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ فِي شَرْحِ الْجَمَلِ : وَتَذْكِيرُهَا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَجَمْعُهَا أَبَاهِمُ عَلَى وَزْنِ أَكَابِرَ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : أَبَاهِيمُ بِالْيَاءِ ، وَالْقَفَا مَقْصُورٌ وَاَللَّهُ أَعْلَم .
( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ ، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا لِلْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالذَّهَابُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إلَى مُؤَخَّرِهِ وَالرُّجُوعُ إلَى مُقَدَّمِهِ كِلَاهُمَا يُحْسَبُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ الذَّهَابُ مِنْ الصَّفَّا إلَى الْمَرْوَةِ مَرَّةً ، وَالرُّجُوعُ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَّا مَرَّةً ثَانِيَةً عَلَى الْمَذْهَبِ 434 الصَّحِيحِ خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَالْفَرْقُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّ تَمَامَ الْمَسْحَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَحْصُلُ عَلَى جَمِيعِ الشَّعْرِ إلَّا بِالذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ فَإِنَّهُ فِي رُجُوعِهِ يَمْسَحُ مَا لَمْ يَمْسَحْهُ فِي ذَهَابِهِ ، بِخِلَافِ السَّعْيِ فَإِنْ قَطَعَ الْمَسَافَةَ بِتَمَامِهَا يَحْصُلُ فِي ذَهَابِهِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الرَّدُّ لِمَنْ لَهُ شَعْرٌ مُسْتَرْسِلٌ ، أَمَّا مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ أَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ وَطَلَعَ مِنْهُ يَسِيرٌ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّدُّ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْقَفَّالُ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ ، وَكَذَا لَا يُسْتَحَبُّ الرَّدُّ لِمَنْ لَهُ شَعْرٌ كَثِيرٌ مَضْفُورٌ ، قَالَهُ الْقَفَّالُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ ، وَقَالَ الْقَفَّالُ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا : لَوْ رَدَّ فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا الرَّدُّ لَمْ يُحْسَبُ رَدُّهُ مَرَّةً ثَانِيَةً ; لِأَنَّ الْبَلَلَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا لِحُصُولِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلَوْ مَسَحَ طَرَفَ رَأْسِهِ ثُمَّ طَرَفًا آخَرَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ التَّكْرَارِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُحَاوِلَةٌ لِلِاسْتِيعَابِ ، وَالِاسْتِيعَابُ سُنَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ التَّكْرَارِ ، وَرَدُّ الْيَدِ مِنْ الْقَفَا إلَى النَّاصِيَةِ مِنْ الِاسْتِيعَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ : أُحِبُّ أَنْ يَتَحَرَّى جَمِيعَ رَأْسِهِ وَصُدْغَيْهِ ، هَذَا لَفْظُهُ ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ : مَنْ جَعَلَ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : ذَلِكَ لِاسْتِيعَابِ الرَّأْسِ ، وَمَنْ جَعَلَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : ذَلِكَ لِيَصِيرَ بِالِابْتِدَاءِ مِنْهُمَا مُحْتَاطًا فِي اسْتِبْقَاءِ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ هَكَذَا تَرَكَ جُزْءًا مِنْ أَوَّلِ الرَّأْسِ لَا يَمُرُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا مَسَحَ جَمِيعَ الرَّأْسِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ ، أَصَحُّهُمَا : أَنَّ الْفَرْضَ مِنْهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَالْبَاقِي سُنَّةٌ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْجَمِيعَ يَقَعُ فَرْضًا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، فَأَيُّ خَصْلَةٍ فَعَلَهَا حُكِمَ بِأَنَّهَا الْوَاجِبُ ، ثُمَّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : الْوَجْهَانِ فِيمَنْ مَسَحَ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَمَّا مَنْ مَسَحَ مُتَعَاقِبًا كَمَا هُوَ 435 الْغَالِبُ فَمَا سِوَى الْأَوَّلِ سُنَّةٌ قَطْعًا ، وَالْأَكْثَرُونَ أَطْلَقُوا الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ ، مِنْهَا إذَا طَوَّلَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ فَهَلْ الْوَاجِبُ الْجَمِيعُ ؟ أَمْ الْقَدْرُ الَّذِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ ، وَمِثْلُهُ لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَهَلْ الْوَاجِبُ مِنْهُ الْخَمْسُ أَوْ الْجَمِيعُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الزَّكَاةِ ، وَمِثْلُهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يُضَحِّيَ بِهَا فَأَهْدَى بَدَنَةً أَوْ ضَحَّى بِهَا أَجْزَأَهُ . وَهَلْ الْوَاجِبُ جَمِيعَهَا أَوْ سُبْعُهَا وَالْبَاقِي تَطَوُّعٌ فِيهِ الْوَجْهَانِ ، وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ النَّذْرِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوَاجِب الْقَدْرُ الْمُجْزِئُ ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي تَكْثِيرِ الثَّوَابِ ، فَإِنَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ النَّفْلِ ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا فِي الزَّكَاةِ فِي الرُّجُوعِ إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ جَرَى مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْوَاجِبِ لَا فِي النَّفْلِ . وَفَائِدَتُهُمَا فِي النَّذْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِمَا لَا الْوَاجِبِ عَلَى الصَّحِيحِ ، فَهَذَا مُخْتَصَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَسَنُوضِحُهَا فِي أَبْوَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - : ، قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي ( فَصْلِ الْقِرَاءَةِ ) : أَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْقَوْلَانِ فِي الْوَقَصِ فِي الزَّكَاةِ هَلْ هُوَ عَفْوٌ أَمْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَرْضُ ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : ( طَرَفَ سَبَّابَتِهِ ) هِيَ الْأُصْبُعُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ السَّبِّ ، وَمُقَدَّمِ هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ فَهَذِهِ أُفْصِحُ اللُّغَاتِ الَّتِي فِيهِ ، وَهُنَّ سِتٌّ وَهِيَ جَارِيَاتٌ فِي الْمُؤَخَّرِ ، وَالْإِبْهَامِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ هِيَ الْأُصْبُعُ الْعَظْمِيُّ وَهِيَ مَعْرِفَةٌ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ، قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ فِي شَرْحِ الْجَمَلِ : وَتَذْكِيرُهَا لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَجَمْعُهَا أَبَاهِمُ عَلَى وَزْنِ أَكَابِرَ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : أَبَاهِيمُ بِالْيَاءِ ، وَالْقَفَا مَقْصُورٌ وَاَللَّهُ أَعْلَم .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith