المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
الصفحة 4711 · ص. المطبوع 42 · الشرح
( الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { ۝ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطَوَافً مِنْ السَّبْعِ } ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ اسْتِلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ فِي طَوَافِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ 42 الصَّحَابَةِ مَعَ ابْنِ عُمَرَ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَلَفْظُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { ۝ طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ } . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ { ۝ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَك مَا قَبَّلْتُك } فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { ۝ قَبَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَجَرَ ثُمَّ قَالَ : أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْت أَنَّك حَجَرٌ ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ الصَّحَابِيِّ قَالَ { ۝ رَأَيْت الْأَصْلَعَ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأُقَبِّلُك وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ وَأَنَّك لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَك مَا قَبَّلْتُك } . وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَابِسٍ - بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - ابْنِ رَبِيعَةَ التَّابِعِيِّ قَالَ : { ۝ رَأَيْت عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ : إنِّي لَأُقَبِّلُك وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُك لَمْ أُقَبِّلْك } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ - بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ - قَالَ { ۝ رَأَيْت عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ وَقَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِك حَفِيًّا } " وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّك حَجَرٌ وَإِنَّك لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ هَذَا الْكَلَامَ وَيَشِيعَ بَيْنَهُمْ ، وَقَدْ كَانَ عَهْدُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ قَرِيبًا بِعِبَادَةِ الْأَحْجَارِ وَتَعْظِيمِهَا وَاعْتِقَادِ ضُرِّهَا وَنَفْعِهَا ، فَخَافَ أَنْ يَغْتَرَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ مَا قَالَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ أَبِيهِ فَغَرِيبٌ فَيُغْنِي فِي الدَّلَالَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي سَبَقَ الْآنَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ . وَأَمَّا 43 حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا } فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ . وَأَمَّا حَدِيثُ { ۝ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ الطَّوَافِ سَبْعًا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ، وَكَانَ كَذَّابًا .
وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ : بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَاسْتَدَلَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ { ۝ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْخُلُ مَكَّةَ ضُحًى فَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ : بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ } وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ ) فَفِيهِ الِاسْتِلَامُ ، بِكَسْرِ التَّاءِ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : قَالَ الْأَزْهَرِيُّ " هُوَ افْتِعَالٌ مِنْ السَّلَامِ وَهُوَ التَّحِيَّةُ ، كَمَا يُقَالُ : اقْتَرَأْتُ السَّلَامَ ، قَالَ : وَلِذَلِكَ يُسَمِّي أَهْلُ الْيُمْنِ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ ، الْمُحَيَّا : مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يُحْيُونَهُ . قَالَ الْهَرَوِيُّ : وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : هُوَ افْتِعَالٌ مِنْ السِّلَامِ - بِكَسْرِ السِّينِ - وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَاحِدَتُهَا سَلِمَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ . تَقُولُ اسْتَلَمْت الْحَجَرَ إذَا لَمَسْته كَمَا تَقُولُ : اكْتَحَلْت مِنْ الْكُحْلِ ، هَذَا كَلَامُ الْهَرَوِيِّ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِالْقُبْلَةِ أَوْ بِالْيَدِ ، قَالَ وَلَا يُهْمَزُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ السِّلَامِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ ، قَالَ : وَهَمَزَهُ بَعْضُهُمْ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَاسْتِلَامُهُ بِالْهَمْزِ أَيْ قَبَّلَهُ أَوْ اعْتَنَقَهُ قَالَ : وَلَيْسَ أَصْلُهُ الْهَمْزُ . وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ : الِاسْتِلَامُ هُوَ أَنْ يُقَبِّلَ الْحَجَرَ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ وَفِي آخِرِهِ ، بَلْ فِي كُلِّ نَوْبَةٍ ، فَإِنْ عَجَزَ بِالزَّحْمَةِ مَسَّهُ بِالْيَدِ ، فَقَدْ 44 أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَغَلَّطُوهُ فِي تَفْسِيرِهِ الِاسْتِلَامَ بِالتَّقْبِيلِ ; لِأَنَّ الِاسْتِلَامَ هُوَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ وَالتَّقْبِيلُ سُنَّةٌ أُخْرَى مُسْتَحَبَّةٌ ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَيَسْتَمِرُّ تَصْحِيحُهُ ، مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ وَصَاحِبِ الْمُحْكَمِ . قَوْلُهُ " اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنٍ " فَهُوَ بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَهِيَ عَصَا مُعَقَّفَةُ الرَّأْسِ كَالصَّوْلَجَانِ وَجَمْعُهُ مَحَاجِنُ . قَوْلُهُ " إيمَانًا بِك " أَيْ أَفْعَلُ هَذَا لِلْإِيمَانِ بِك . قَوْلُهُ " عَلَى يَسَارِهِ " بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ( أَفْصَحُهُمَا ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْفَتْحُ ، وَعَكَسَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ . قَوْلُهُ " عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَاسْتُحِقَّ فِيهَا التَّرْتِيبُ " احْتِرَازٌ مِنْ تَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَقَضَاءِ الصَّوْمِ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ ( إحْدَاهَا ) يَجِبُ ابْتِدَاءُ الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، فَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ ، حَتَّى يَصِلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ ، فَإِذَا وَصَلَهُ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَوَافِهِ . وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا .
( الثَّانِيَةُ ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي أَوَّلِ طَوَافِهِ بِوَجْهِهِ وَيَدْنُوَ مِنْهُ ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ أَحَدًا ، وَإِذَا أَرَادَ هَذَا الِاسْتِقْبَالَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقِفَ عَلَى جَانِبِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ ، وَيَصِيرُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِ الْحَجَرِ ، ثُمَّ يَنْوِي الطَّوَافَ ، ثُمَّ يَمْشِي مُسْتَقْبِلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مَارًّا إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الْحَجَرَ فَإِذَا جَاوَزَهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ وَانْفَتَلَ وَجَعَلَ يَسَارَهُ إلَى الْبَيْتِ وَيَمِينَهُ إلَى خَارِجٍ ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ وَتَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث