المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
page 166 · printed p. 193 · commentary
( وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ) وَهِيَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ ، فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ ، وَاتَّفَقَ الْمُصَنِّفُونَ : عَلَى 193 أَنَّ الْأَصَحَّ الْجَوَازُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . وَدَلِيلُهُ : مَا ذَكَرَهُ .
وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ . حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَحَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ . ثُمَّ إنَّ اسْتِعْمَالَ هَذَا الْمَاءِ يَحْتَاجُ إلَى فِقْهٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ مَا يَغْرِفُهُ بِدَلْوٍ مَثَلًا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَغْمِسَ الدَّلْوَ فِي إنَاءٍ غَمْسَةً وَاحِدَةً . وَلَا يَغْتَرِفَ فِي النَّجَاسَةِ ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ فَيَكُونَ بَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ طَاهِرًا ، وَيَكُونَ ظَاهِرُ الدَّلْوِ وَالْبَاقِي بَعْدَ الْمَغْرُوفِ نَجِسًا ، أَمَّا نَجَاسَةُ الْبَاقِي فَلِأَنَّ فِيهِ نَجَاسَةً وَقَدْ نَقَصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ ، وَأَمَّا نَجَاسَةُ ظَاهِرِ الدَّلْوِ فَلِمُلَاصَقَةِ الْمَاءِ النَّجِسِ ، وَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَغْرُوفِ . وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ مَا فِي الدَّلْوِ ; لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ الْبَاقِي قَبْلَ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ ، وَإِنَّمَا نَقَصَ بَعْدَ انْفِصَالِ الْمَأْخُوذِ ، فَلَوْ خَالَفَ وَأَدْخَلَ الْمَاءَ فِي الدَّلْوِ شَيْئًا فَشَيْئًا ، فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ أَوَّلُ الشَّيْءِ فِي الدَّلْوِ نَقَصَ الْبَاقِي عَنْ قُلَّتَيْنِ فَصَارَ نَجِسًا ، فَإِذَا نَزَلَتْ الدُّفْعَةُ الثَّانِيَةُ فِي الدَّلْوِ وَهِيَ نَجِسَةٌ تُنَجِّسُ مَا فِي الدَّلْوِ فَصَارَ الْجَمِيعُ نَجِسًا ، فَطَرِيقُهُ بَعْدَ هَذَا إلَى طَهَارَتِهِ : أَنْ يَصُبَّهُ فِي الْبَاقِي أَوْ يَغْمِسَهُ غَمْسَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَغْمُرَهُ الْمَاءُ وَيَمْكُثَ لَحْظَةً ، وَهُوَ وَاسِعُ الرَّأْسِ فَيَطْهُرُ الْجَمِيعُ ، فَإِذَا فَصَلَ الدَّلْوَ كَانَ بَاطِنُهُ وَمَا فِيهِ طَاهِرًا وَيَكُونُ الْبَاقِي وَظَاهِرُ الدَّلْوِ نَجِسًا لِمَا سَبَقَ .
أَمَّا إذَا أَرَادَ اسْتِعْمَالَ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْغَرْفِ ، فَيُنْظَرُ إنْ أَخَذَهَا وَحْدَهَا فِي الدَّلْوِ فَالْبَاقِي قُلَّتَانِ ، فَهُوَ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ ، ، وَأَبُو إِسْحَاقَ يُوَافِقُ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّهُ قُلَّتَانِ وَلَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ ، وَإِنْ أَخَذَ النَّجَاسَةَ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنْ أَخَذَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَبَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ وَمَا بَقِيَ طَاهِرٌ .
أَمَّا نَجَاسَةُ بَاطِنِ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ فَلِكَوْنِهِ مَاءً يَسِيرًا فِيهِ نَجَاسَةٌ ، وَأَمَّا طَهَارَةُ الْبَاقِي فَلِانْفِصَالِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ قَبْلَ نَقْصِهِ عَنْ قُلَّتَيْنِ فَبَقِيَ عَلَى طَهَارَتِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ قَطَرَ مِنْ الدَّلْوِ إلَى الْمَاءِ الْبَاقِي قَطْرَةً نُظِرَ ، إنْ كَانَتْ مِنْ ظَاهِرِ الدَّلْوِ ، فَالْبَاقِي عَلَى طَهَارَتِهِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الدَّلْوِ طَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ بَاطِنِهِ صَارَ الْبَاقِي نَجِسًا ، وَإِنْ شَكَّ فَالْبَاقِي عَلَى طَهَارَتِهِ ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ وَاضِحٌ ، فَإِنْ تَنَجَّسَ الْبَاقِي وَأَرَادَ تَطْهِيرَهُ فَطَرِيقُهُ : أَنْ يَصُبَّهُ فِيهِ أَوْ 194 يَرُدَّ الدَّلْوَ وَيَغْمِسَهُ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ النَّجَاسَةَ أَوَّلًا ثُمَّ يَغْمِسَ الدَّلْوَ لِيَكُونَ طَهُورًا بِلَا خِلَافٍ ، وَيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي إِسْحَاقَ وَمِنْ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الدَّقَائِقِ .
وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّبَاعُدِ أَيْضًا . وَلَوْ اخْتَطَفَ النَّجَاسَةَ أَوَّلًا ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ شَيْءٌ ، فَبَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ نَجِسٌ ، وَظَاهِرُهُ طَاهِرٌ ، وَكَذَا الْبَاقِي مِنْ الْمَاءِ ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ فِي النَّقْصِ عَنْ قُلَّتَيْنِ مَحْمُولَةٌ عَلَى نَقْصٍ يُؤَثِّرُ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةٍ تَحْدِيدًا أَوْ تَقْرِيبًا . وَفِي الدَّلْوِ لُغَتَانِ التَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ ، وَالتَّأْنِيثُ أَفْصَحُ . وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا هُنَا لِئَلَّا يُنْكِرَ اسْتِعْمَالَنَا لَهَا مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith