← جامع البيان عن تأويل آي ا…
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
#155 1 : 166 ☰ القول في تأويل قوله اهدنا
A− A+

155 حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمَّدٍ : " قُلْ يَا مُحَمَّدُ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ سورة الفاتحة آية 6 ، يَقُولُ : أَلْهِمْنَا الطَّرِيقَ الْهَادِي "

وَإِلْهَامُهُ إِيَّاهُ ذَلِكَ هُوَ تَوْفِيقُهُ لَهُ كَالَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ ، وَمَعْنَاهُ نَظِيرُ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ سورة الفاتحة آية 5 فِي أَنَّهُ مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ لِلثَّبَاتِ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ، وَإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ ، فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عُمْرِهِ ، دُونَ مَا قَدْ مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِ ، وَتَقَضَّى فِيمَا سَلَفَ مِنْ عُمْرِهِ ، كَمَا قَوْلُهُ : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ سورة الفاتحة آية 5 . مَسْأَلَةٌ مِنْهُ رَبَّهُ الْمَعُونَةَ عَلَى أَدَاءِ مَا قَدْ كَلَّفَهُ مِنْ طَاعَتِهِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلامِ : اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ ، مُخْلِصِينَ لَكَ الْعِبَادَةَ دُونَ مَا سِوَاكَ مِنَ الآلِهَةِ وَالأَوْثَانِ ، فَأَعِنَّا عَلَى عِبَادَتِكَ ، وَوَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْتَ لَهُ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْبِيَائِكَ ، وَأَهْلِ طَاعَتِكَ مِنَ السُّبُلِ وَالْمِنْهَاجِ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَأَنَّى وَجَدْتَ الْهِدَايَةَ فِي كَلامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى التَّوْفِيقِ ؟ قِيلَ لَهُ : ذَلِكَ فِي كَلامِهَا أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى عَدَدُ مَا جَاءَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاهِدِ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : لا تَحْرِمَنِّي هَدَاكَ اللَّهُ مَسْأَلَتِي وَلا أَكُونَنَّ كَمَنْ أَوْدَى بِهِ السَّفَرُ بِمَعْنَى : وَفَّقَكَ اللَّهُ لِقَضَاءِ حَاجَتِي ، وَمِنْهُ قَوْلُ الآخَرِ : وَلا تُعْجِلَنِّي هَدَاكَ الْمَلِيكُ فَإِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ : وَفَّقَكَ اللَّهُ لإِصَابَةِ الْحَقِّ فِي أَمْرِي ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ سورة البقرة آية 258 . فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ تَنْزِيلِهِ ، وَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ أَنَّهُ لا يُبَيِّنُ لِلظَّالِمِينَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرَائِضِهِ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، وَقَدْ عَمَّ بِالْبَيَانِ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ خَلْقِهِ ؟ وَلَكِنَّهُ عَنَى جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ لا يُوَفِّقُهُمْ ، وَلا يَشْرَحُ لِلْحَقِّ وَالإِيمَانِ صُدُورَهُمْ ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ : اهْدِنَا سورة الفاتحة آية 6 : زِدْنَا هِدَايَةً . وَلَيْسَ يَخْلُو هَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ ظَنَّ قَائِلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ بِمَسْأَلَةِ رَبِّهِ الزِّيَادَةَ فِي الْبَيَانِ ، أَوِ الزِّيَادَةَ فِي الْمَعُونَةِ وَالتَّوْفِيقِ ، فَإِنْ كَانَ ظَنَّ أَنَّهُ أُمِرَ بِمَسْأَلَتِهِ الزِّيَادَةَ فِي الْبَيَانِ ، فَذَلِكَ مَا لا وَجْهَ لَهُ ؛ لأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لا يُكَلِّفُ عَبْدًا فَرْضًا مِنْ فَرَائِضِهِ إِلا بَعْدَ تَبْيِينِهِ لَهُ ، وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِهِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ مَعْنَى مَسْأَلَتِهِ الْبَيَانَ ، لَكَانَ قَدْ أُمِرَ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ مَا فَرَضَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ خَلْفٌ ؛ لأَنَّهُ لا يَفْرِضُ فَرْضًا إِلا مُبَيِّنًا لِمَنْ فَرَضَهُ عَلَيْهِ ، أَوْ يَكُونَ أُمِرَ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِ الْفَرَائِضَ الَّتِي لَمْ يَفْرِضْهَا ، وَفِي فَسَادِ وَجْهِ مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ ذَلِكَ مَا يُوَضِّحُ عَنْ أَنَّ مَعْنَى : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ سورة الفاتحة آية 6 غَيْرُ مَعْنَى : بَيِّنْ لَنَا فَرَائِضَكَ وَحُدُودَكَ . أَوْ يَكُونَ ظَنَّ أَنَّهُ أُمِرَ بِمَسْأَلَةِ رَبِّهِ الزِّيَادَةَ فِي الْمَعُونَةِ وَالتَّوْفِيقِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَنْ تَخْلُوَ مَسْأَلَتُهُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةً لِلزِّيَادَةِ فِي الْمَعُونَةِ عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ عَمَلِهِ ، أَوْ عَلَى مَا يَحْدُثُ ، وَفِي ارْتِفَاعِ حَاجَةِ الْعَبْدِ إِلَى الْمَعُونَةِ عَلَى مَا قَدْ تَقَضَّى مِنْ عَمَلِهِ ، مَا يُعْلِمُ أَنَّ مَعْنَى مَسْأَلَةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ ، إِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَتُهُ الزِّيَادَةَ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ عَمَلِهِ ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، صَارَ الأَمْرُ إِلَى مَا وَصَفْنَا ، وَقُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ لأَدَاءِ مَا كُلِّفَ مِنْ فَرَائِضِ رَبِّهِ ، فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عُمْرِهِ . وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ فَسَادُ قَوْلِ أَهْلِ الْقَدَرِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِأَمْرٍ أَوْ مُكَلَّفٍ فَرْضًا ، فَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْمَعُونَةِ عَلَيْهِ مَا قَدِ ارْتَفَعَتْ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْفَرْضِ حَاجَتُهُ إِلَى رَبِّهِ ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ لَبَطَلَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ { 5 } اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ { 6 } سورة الفاتحة آية 5-6 . وَفِي صِحَّةِ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، فَسَادَ قَوْلِهِمْ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ سورة الفاتحة آية 6 : أَسْلِكْنَا طَرِيقَ الْجَنَّةِ فِي الْمَعَادِ ، أَيْ : قَدِّمْنَا لَهُ وَامْضِ بِنَا إِلَيْهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ سورة الصافات آية 23 ، أَيْ : أَدْخِلُوهُمُ النَّارَ ، كَمَا تُهْدَى الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهَا تُدْخَلُ إِلَيْهِ ، وَكَمَا تُهْدَى الْهَدِيَّةُ إِلَى الرَّجُلِ ، وَكَمَا تَهْدِي السَّاقَ الْقَدَمُ ، نَظِيرَ قَوْلِ طَرَفَةَ بْنَ الْعَبْدِ : لَعِبَتْ بَعْدِي السُّيُولُ بِهِ وَجَرَى فِي رَوْنَقٍ رِهَمُهْ لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ حَيْثُ تَهْدِي سَاقَهُ قَدَمُهْ أَيْ : تَرِدُ بِهِ الْمَوَارِدَ . وَفِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ سورة الفاتحة آية 5 مَا يُنْبِئُ عَنْ خَطَأِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، مَعَ شَهَادَةِ الْحُجَّةِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى تَخْطِئَتِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الصِّرَاطِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ سورة الفاتحة آية 5 . مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِهِ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : اهْدِنَا سورة الفاتحة آية 6 ، إِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَتُهُ الثَّبَاتَ عَلَى الْهُدَى فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ . وَالْعَرَبُ تَقُولُ : هَدَيْتُ فُلانًا الطَّرِيقَ ، وَهَدَيْتُهُ لِلطَّرِيقِ ، وَهَدَيْتُهُ إِلَى الطَّرِيقِ : إِذَا أَرْشَدْتَهُ إِلَيْهِ ، وَسَدَّدْتُهُ لَهُ ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا سورة الأعراف آية 43 ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ سورة النحل آية 121 ، وَقَالَ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ سورة الفاتحة آية 6 . وَكُلُّ ذَلِكَ فَاشٍ فِي مَنْطِقِهَا ، مَوْجُودٌ فِي كَلامِهَا ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبَّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ يُرِيدُ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِذَنْبٍ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ سورة غافر آية 55 ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ : فَيَصِيدُنَا الْعِيرَ الْمُدِلَّ بِحُضْرِهِ قَبْلَ الْوَنَى وَالأَشْعَبِ النَّبَّاحَا يُرِيدُ : فَيَصِيدُ لَنَا ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ وَكَلامِهِمْ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهُ كِفَايَةٌ ، واللَّهُ الْمُوَفِّقُ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
أبو كريب←عثمان بن سعيد←بشر بن عمارة←أبو روق←الضحاك←عبد الله بن عباس