← المكتبة ▭ صفحة واحدة
تفسير العثيمين: الفرقان
ابن عثيمين التفسير 1421 هـ
A− A+
89 · ص94
ولا في غيرِه، لِأَنَّهُ يقول: إن دلالة اللفظ على المعنى ليستْ ذاتيَّة، يعني ليس اللفظ نفسه يدل بذاته على المعنى، وإنما يدل بالسياق، وأبرز مثال يبيِّن لك ذلك الألفاظ المشتركة الَّتِي تصلح لمعنيينِ فأكْثَر، يعيِّن العنى السياقُ، وهكذا غيرها أيضًا، فبناءً على ذلك يقول: لا يوجد مجازٌ في اللغةِ العربيةِ؛ لا في القُرْآن ولا في غيره، ولكن أكْثَر النَّاس يَرَوْنَ أَنَّهُ يوجد المجاز في القُرْآن وفي غيره من كَلام العرب، وبعضُ العلماءِ يرى أَنَّهُ لا مجازَ في القُرْآن، وفي اللغة العربية يوجد المجازُ. والَّذِي أوجبَ لهؤلاءِ التوسُّطَ أَنَّهُمْ قالوا: إن ميزان المجاز الَّذِي لا أحدَ يمانِع فيه صِحَّة نفيه، أي صحة نفي المجازِ، وليس في القُرْآن ما يَصِحّ نفيُه، يعني عندما تقول: رأيت أسدًا يقرأ، المراد بالأسدِ الرجلُ الشجاعُ، كأنما قلتَ: رأيت شجاعًا يقرأ، لكنْ عبَّرتَ بالأسد لِأَنَّ الشجاعة فيه أظهرُ، هم يَقُولُونَ: إنك إذا قلتَ: رأيتُ أسدًا يقرأ فَإِنَّهُ يجوز للمخاطَب أن يقولَ: هَذَا ليس بأسدٍ، فينفيه، وهذا صحيحٌ، ليس بأسدٍ، فهم يَقُولُونَ: إذا كان المجاز علامته الكبرى أَنَّهُ يَصِحُّ نفيُه فليسَ في القُرْآنِ ما يَصِحُّ نفيُه، أمَّا غيرُه من كَلامِ العربِ فيُمْكِنُك أنْ تَنْفِيَه، ولا تُبالي. وأمَّا الحديثُ النبويُّ فالظاهرُ أَنَّهُ لا يقالُ فيه هذا؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ هَذَا فقط في القُرْآنِ؛ لِأَنَّ الحديث النبويَّ تجوز روايتُه بالمعنى، فيجوز أن الراويَ غَيَّر الكَلِمَة، ونفى هَذِهِ الكلمة، لا أصل المعنى. ولكن إذا رَجَعنا إلى ما قالَه شيخ الإسلام رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو أن الألفاظ ليست دلالتها على المعنى ذاتيَّة حتى نقول: إنها إذا دلتْ على معنًى آخرَ في مكانٍ آخرَ فهي مجازيَّة، بل دلالتها على الألفاظ بحسَب السياقِ، فعلى هَذَا نقول في الآية الَّتِي معنا: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} لا مجاز فيها؛ لِأنَّهُ لا يمكِن أن يفهمَ أحدٌ أن المرادَ بذلك
90 · ص95
في الأَصْل أن يَعَضَّ على اليد كلّها، كلٌّ يعرف أن المراد بقولنا: يعض على يديه أي: ما يعض عليه عادةً، وهي الأصابع. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن قوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}؛ {يَدَيْهِ} يعني على بعض يديه واستفدنا البعضية من كلمة {عَلَى}، ولم يقل: يعض يديه؟ فننظر: هل (عض) تتعدى بـ (على) أو بنفسها، ومثلها "وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ" ١، عضَّ تتعدى بنفسها وبـ (على)، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كما يَعَضُّ الفَحْلُ؟ ! " ٢ في الرجل الَّذِي عَضَّ يدَ إنْسَانٍ فانتزعها فسقطتْ أسنانُه. ويوجد احْتِمَالٌ أن نقولَ: إنها لا تدلُّ على الكلِّيَّة، حتى لفظ اليد لا يُرادُ بها الكلُّ هنا، حتى ولو كانت تدل على الجزئيَّة فلا يراد بها الكلُّ. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل العض على اليدين أو على يد وَاحِدة؟ فالجواب: الظاهر كُلَّمَا قوِيَ الندم عضَّ على اليدين كلتيهما. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: ١٠٥]، ما معنى: لا نقيم لهم وزنًا؟ فالجواب: لا نقيم لهم وزنًا يعني لا يُعتبَر لهم وزنٌ، لكِن لا توزن سيئاتهم مثلما توزن سيئات المؤمنين؛ لِأَنَّ سيئات المؤمنينَ توزَن لأجلِ الموازنة بينها وبين الحسناتِ،
١ أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٦٠٦)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، رقم (١٨٤٧). واللفظ لمسلم. ٢ أخرجه البخاري: كتاب الديات، باب إذا عض رجلا فوقعت ثناياه، رقم (٦٨٩٢)، ومسلم: كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه، إذا دفعه المصول عليه، فأتلف نفسه أو عضوه، لا ضمان عليه، رقم (١٦٧٣)، واللفظ للبخاري.