75 · ص80
ومن بلاغة القُرْآن أن القراءات يُستفاد منها إما التفسير وإما زيادة المعنى، فقراءة "تَشَّقَقُ" فيها زيادة المعنى، وعلى قراءة: "نُنْرِلُ المَلائكةَ" فيها تفسير؛ لِأَنَّ قوله: {وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ} مبني للمجهول، فالفاعل غير معلوم، وَأَمَّا قوله: "نُنْزِلُ المَلائكَةَ" فمبنيَّة للفاعل، فالفاعل فيها معلوم، وعلى هَذَا إذا سُئلت: مَنِ الَّذِي ينزل الملائكة؟ تقول: هو اللَّه، والدليل أمر مفهوم بالأذهانِ، ودليل آخر من لفظ الآية، القراءة الثَّانية: {الْمَلَائِكَةُ}.
قوله: {وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ} كل سماء أكْثَر ملائكة من السَّمَاء الَّتِي تحتها، كذلك أيضًا هَؤُلَاءِ الملائكة الَّذِينَ يُحيطون بالعالم، كل دائرة أكْثَر عددًا من الدائرة الَّتِي قبلَها، وإنما يُنزَّلُونَ بَيانًا لعظمةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وإحاطة بالخَلْق، وحينئذٍ يَصدُق قول اللَّه تَعَالَى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: ٣٣]؛ لأَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ معَ إحاطةِ الملائكة بهم أن يهربوا من أهوالِ هَذَا اليومِ.
وقوله: {تَنْزِيلًا} مصدر نُزِّل، وهو كما أسلفنا يدل على أَنَّهُمْ ينزلون شيئًا فشيئًا، لا ينزلون جملةً، فتنزل ملائكة السَّمَاء الدُّنْيا أولًا، ثم الثَّانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وأشرنا إلى الآية الَّتِي في سورة الرَّحمن دفعًا لقولِ بعضِ النَّاسِ الَّذِينَ يفسِّرونها بهَذه الأقمار الصناعيَّة أو المراكب الفضائيَّة الَّتِي صعِد النَّاس بها إلى الفضاء، ويزعمون أن قولَ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} إلا بعِلمٍ، وأن هَذَا العلم أَوصَلَهم إلى النفوذِ، وهذا لا شكَّ تحريفٌ للقرآنِ، ولا حاجةَ إلى أن نَتَكَلَّف فنقول: كل ما يحدث فإن في القُرْآن له شاهد، لا حاجة إلى هَذَا التكلُّف؛ لِأَنَّ هَذِهِ الحوادث شواهدها حصولها، متى حَصَلَت فإننا نؤمنُ بها، سواء دلَّ عليها القُرْآنُ
76 · ص81
أو سكت عنها القُرْآن، إلَّا إذا دل القُرْآن على نفيِها؛ فَإِنَّهُ لا يجوز لنا أن نُصَدِّقَها، وكل ما يحدث من هَذِهِ الاختراعات وهَذِهِ الصناعات فَإِنَّهُ داخلٌ في قوله تَعَالَى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} بعد أن قال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} قال: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٨]، هَذِهِ الآية يدخل فيها كل ما حَدَثَ وكل ما يحدُث من مثل هَذِهِ الأمور، وَأَمَّا أن نحرِّف القُرْآن إلى ما يوافق هَذَا الواقع فهذا حرامٌ علينا، ولا يجوزُ، وأمَّا قوله: {إِلَّا بِسُلْطَانٍ} فليس المراد به العلم، المراد به السُّلطة الَّتِي تتمكَّنون بها من النفوذ، لِأَنَّ السلطان في كل موضع بحسَبه، وأصله السلطة الَّتِي يتمكَّن بها الإنْسَان من الوصول إلى ما يريد، فمثلًا إذا كانت في دعوى مدَّعٍ نقول: لا سلطان لك بهذا، يعني لا حُجَّة لك، كما قال اللَّه تَعَالَى: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} [يونس: ٦٨]، يعني ما عندكم من حُجة؛ لِأَنَّ الحُجَّة السلطة يتمكن بها المدَّعي من إثباتِ دَعْوَاهُ، ثم إن الآية {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، وهَؤُلَاءِ لم ينفُذوا من أقطار السَّموات، حتى لو قُلْنا: إنهم نَفَذُوا من أقطار الأرض وخرجوا عن محيط الأرضِ، فإنهم لا يستطيعونَ أن ينفُذوا من أقطارِ السَّموات، ثم إن الآيةَ ظاهرةٌ في التحدِّي {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ}، والتحدي بما يُمكِن غير صحيحٍ، لِأنَّهُ يُبْطِل التحديَ، ثم إن قوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ} [الرَّحمن: ٣٥]، يكذِّبه الواقع، يعني يكذب دَعْوَى هَؤُلَاءِ الواقع؛ لأَنَّهُمْ صعِدوا إلى الفضاءِ ووَصَلُوا إلى ما وصلوا إليه ولم يرسَل عليهم شُوَاظٌ من نار ولا نُحاس.
فالمهمُّ أنا قصدي بذلك أن بعض النَّاس من أهل العلم بالطبيعة يحاولون أن يُوجِدوا لكل حادثٍ دليلًا خاصًّا من القُرْآن، وهذا لا يجوز؛ لِأنَّهُ يَصرِف القُرْآنَ