← المكتبة ▭ صفحة واحدة
تفسير العثيمين: الفرقان
ابن عثيمين التفسير 1421 هـ
A− A+
5 · ص9
بهَذِهِ الصيغة لِسَعَةِ رحمة اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وبهذا فسَّرَه بعض العلماء بقوله: الرَّحمن ذو الرَّحمة العامَّة، والرَّحيم فَعِيل مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَة أيضًا، لَكِنَّه يُفيدُ الفعلَ، أي: إيصال الرَّحمة إلى المرحومِ، والأوَّل الرَّحمن يُفيدُ الوَصْفَ. ولهذا قالَ تعالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} حينما أراد الصِّفَة المطلَقة، وقال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} حينما أراد إيصال الرَّحمةِ إلى المرحومِ. فالحاصِلُ: أنَّ الرَّحمنَ والرَّحيمَ إذا اجتمعا يُفَسَّرُ الرَّحمنُ بأنَّه دالٌّ على الصِّفة أكثر من دَلالتِه على الفعلِ، والرَّحيم دال على الفعلِ أكْثَر من دلالته على الصِّفةِ، وإنْ كانَ كلٌّ مِنْهُمَا يدُلُّ على صفةِ الرَّحمةِ، هَذَا إذا اجْتَمَعَا، أمَّا إذا افْتَرَقَا فمعناهما وَاحِدٌ. * * *
6 · ص11
الآية (١) * * * * قالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: ١]. * * * قال المُفَسِّر ١ رَحِمَهُ اللَّهُ: [{تَبَارَكَ} تَعَالَى]، ففسَّر المُفَسِّر التَّبارُكَ بالتعالي. ولا شكَّ أَنَّ هَذَا التفسير فيه نوعٌ من القُصُور؛ لِأَنَّ {تَبَارَكَ} تدل على التعالي بل وعلى كثرة الخير وسَعَتِه ودوامه، فمعناه أَنَّهُ كثُرتْ خيراتُه وعظُمتْ واستمرَّتْ للعِبادِ. قوله: {الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} هَذَا من جُملة البَرَكَة الَّتِي هي من صفةِ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ نَزَّل الفُرقان على عبدِهِ محمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقوله: {نَزَّلَ} فَعَّل تُفِيدُ النُّزُول شيئًا فشيئًا، وهكذا القُرْآن الكريم كان يَنزِلُ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا فشيئًا، والكُتُب السابقة كانت تَنزل جُملةً وَاحِدةً؛ لقولِهِ تَعَالَى في هَذِهِ السُّورة: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}، فردَّ اللَّه عليهم بقوله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: ٣٢]. وقوله: {نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} يفيد أَنَّ هَذَا القُرْآن كَلامُ اللَّهِ.
١ المقصود بـ (المفسر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، المتوفى سنة (٨٦٤ هـ) رَحِمَهُ اللَّهُ ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).