← المكتبة ▭ صفحة واحدة
تفسير العثيمين: الفرقان
ابن عثيمين التفسير 1421 هـ
A− A+
309 · ص314
لا أحدَ يهْتَمّ بِهِ، معَ أنَّ هَذَا أهمُّ، الحقيقة أنَّ اللَّهَ يتوبُ علينا إذا فكَّرنا فِي أنفسنا، وإذا بنا ظاهريُّون لا باطنيُّون. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: فِي هَذِهِ الآيةِ فِي التوبةِ العامَّة قال: {مَنْ تَابَ}، ولم يَذْكُرِ الإيمانَ، وَفي الآيةِ الَّتِي قبلَها فِي التوبةِ الخاصَّة {مَنْ تَابَ وَآمَنَ}، فذكر الإيمان، ما وجهُ ذلك؟ لِأَنَّهُ ذكرَ الشركَ هناك؛ فلابدَّ مِنَ الإيمانِ مُقابِلَ الشِّرْكِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما حُكْمُ إنْسَانٍ ابتُلِيَ بذنبٍ فأخذَ يَستغفرُ اللَّهَ ويتوبُ، وظلَّ عَلَى هَذَا، وعَجَزَ أنْ يُقْلِعَ عنه؟ فالجواب: مسألةُ العجزِ هَذِهِ أمرٌ غيرُ وارِدٍ، إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الجَبْريَّة، لا أحد يَعْجِز عن التركِ، فالتروك أهون من الأفعالِ، ولهذا لا تَجِد التَّرك رُتِّبَ عليه مثلًا الثوابُ المطلَقُ، بخلافِ الفعلِ، فالفعلُ أشقُّ عَلَى النفسِ؛ لِأنَّهُ جِهادٌ للنفسِ من وجهينِ، لكِن الترك من وجهٍ وَاحِدٍ، فكلمةُ عَجَزْتُ ليستْ بصحيحةٍ، ولو أنَّ سَوْطَ السلطانِ فِي ظَهْرِهِ مرَّة وَفي بطنه مرَّة لا يَعْجِز. لَكِنْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الَّذِينَ يَشربون الدُّخَان إذا نَصحناهم يقولون: واللَّهِ عَجَزْنا؟ هَذَا لَيْسَ بصحيحٍ، أنا أَشْهَدُ أَنَّهُ يكذِب؛ لِأنَّهُ وُجِدَ أُناسٌ صَدَقُوا العَزيمة وتابوا وأَقلَعوا عنه، فالصَّحَابَةُ -رضي اللَّه عنهم- قبلَ أنْ يَنزِلَ الخمرُ كانوا مُدْمِنِينَ عَلَى الخمرِ، وإمساك الخمر لِشَارِبِها أكْثَرُ من شُرْبِ الدخَانِ، ومع ذلك فِي يومٍ وَاحِدٍ كلهمُ امْتَثَلُوا، فالكَلام عَلَى صِدق العزيمة، الآن فِي غيرِ الصيامِ هَذَا الشارِبُ لا يَستطيعُ أنْ يَتَوَقَّفَ النهارَ كلَّه عَلَى زَعْمِهِ عن الدخانِ، وَفِي الصيامِ حيثُ إِنَّهُ عازِمٌ يَستطيعُ.
310 · ص315
الآية (٧٢) * * * * قالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: ٧٢]. * * * قوله: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} هَذهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قولِه: {الَّذِينَ يَمْشُونَ}، وسَبَقَ أنَّ الصحيحَ أنَّ {الَّذِينَ يَمْشُونَ} خبرٌ وليستْ صِفَةً كما قَالَ المُفَسِّر. قَالَ المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ: [{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أي الكَذِبَ والبَاطِلَ]، معنى الزُّور مِنِ ازْوَرَّ، أي: مالَ وانْحَرَفَ، {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ} [الكهف: ١٧]، فالزُّور كل مَيْل قَوليّ أو فِعليّ إنْ كَانَ قولًا وُصِفَ بالكَذِبِ، وإنْ كَانَ فِعْلًا وُصِفَ بالباطلِ، فكل قولٍ أو فعلٍ مائلٌ عنِ الطَّريقِ فَإِنَّهُ زُورٌ، فالكَذِبُ زُور، والشَتْمُ واللَّعْن والغِيبة زورٌ أيضًا، والغَصْب والسَّرِقَة والزِّنَا وغير ذلك زورٌ أَيْضًا، لكِن قد نُسَمِّيهِ باطِلًا إذا كَانَ فِعْلًا. فالهمُّ أنَّهم لا يَشهَدون الزُور، وإذا كانوا لا يَشهَدون الزورَ فهل يفعلونه؟ من باب أَولَى؛ لأنَّهم إذا كانوا لا يَحْضرُونَهُ فإنهم لا يَفْعَلُونه قَطْعًا؛ إذ لوْ فَعَلوه لحَضَرُوه، كلُّ فاعلٍ حاضِر، وليس كل حاضرٍ فاعلًا عَلَى وجه الحقيقةِ، لَكِنه فاعلٌ حُكْمًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: ١٤٠]،