189 · ص194
مستفادٌ من نورِ الشمسِ، وليس مستقلًّا بالإضاءة، فالَّذِي يدل على الظلِّ أصلًا هي الشمس.
قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} جَعْلُ الشَّمْس دليلًا عَلَى الظلِّ فِيهِ دليلٌ ليسَ عَلَى مجرَّدِ وجودِ الظلِّ، بل دليل عَلَى ما فِيهِ من المصالحِ، وَهِيَ أَيْضَا مدلولٌ عَلَيْهَا به، فالشَّمْس الآنَ يُستدَلُّ بها عَلَى ما في الظِّلّ مِنَ المصالحِ، ويُستدَلُّ بالظِّلّ عَلَى ما فِيهَا من المصالحِ أَيْضًا؛ لأنَّ غُيُوبَ الشَّمْسِ عنِ الْأَرْض قد يؤثِّر، وبقاءَها دائمًا عَلَى وجهِ الْأَرْضِ قد يؤثِّر، مثل قول اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [القصص: ٧١ - ٧٢]، فكونُ هَذَا دليلًا عَلَى هَذَا، وهذا دليلًا عَلَى هَذَا؛ هو أَيْضًا من رحمةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَولَا الشَّمْس ما عَرَفْنَا فائدةَ الظِّلِّ، ولولا الظِّلّ ما عرفنا فائدة الشَّمْس، فكلٌّ منهما في الحقيقةِ دالٌّ ومدلولٌ.
قَالَ المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّه: [{ثُمَّ قَبَضْنَاهُ} أي الظِّلّ الممدود إِلينا {قَبْضًا يَسِيرًا} خفيًّا بطُلُوعِ الشَّمْسِ].
قوله: {قَبْضًا يَسِيرًا} هل المرادُ باليَسِير هنا صفة للفعل، يعني أَنَّ قَبْضَنَا إيَّاه يَسيرٌ علينا؛ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق: ٤٤]، أو أن المراد بقولِه: {يَسِيرًا} يَعْنِي أن القبضَ كَانَ شَيْئًا فشيئًا؟
الأخير أظهرُ، وهو المتبادَرُ؛ أن اللَّه تَعَالَى قَبَضَ هَذَا الظِّلَّ قبضًا يسيرًا، شَيْئًا فشيئًا، وهو مُنْطَبِقٌ عَلَى كلِّ التفسيراتِ السابقةِ.
190 · ص195
إِذَا قُلْنَا: الظِّلّ ما بَيْنَ طلوعِ الفجرِ أو ما بَيْنَ وقتِ الإسفارِ إِلَى وقتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ يُقْبَضُ هَذَا الظِّلُّ شَيْئًا فشيئًا، لا يزال النورُ يَسْطَعُ تدريجيًّا حَتَّى تطلع الشَّمْس. هَذِهِ وَاحِدةٌ.
إِذَا قُلْنَا: المراد به الليلُ؛ فَهُوَ أَيْضًا يُقْبَضُ شَيْئًا فشيئًا، يَعْنِي لا يَكُون الليل فِي هَذَا اليومِ اثني عشْرة ساعةً، ويَكُون تسع ساعاتٍ في اليومِ الَّذِي يَليهِ، وإنَّما يُقْبَضُ شَيْئًا فشيئًا.
كَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: إن المرادَ بِالظِّلِّ ظِلُّ الشاخِصِ، فَهُوَ نفسُ الشَيْءِ، إنَّما يَتَنَاقَص شَيْئًا فشيئًا, وليسَ في الآيةِ إشكالٌ سِوَى قولِهِ: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا}، {إِلَيْنَا} هَذِهِ الغايةُ فِيهَا إشكالٌ؛ لأنَّهُ كَانَ من المُمْكِن أنْ يُقْتصَر عَلَى قولِه: ثم قبضناه قبضًا يسيرًا، فما الحِكْمَةُ من هَذِهِ الغايةِ في قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا}؟
بعضهم يَرَى أنَّ الضميرَ في قوله: {قَبَضْنَاهُ} أي الشَّمْس، باعتبارها دليلًا {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا}، أي: قبضنا هَذَا الدليلَ {إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا}.
وعلى كلِّ حالٍ يوجد احْتِمَالٌ أنَّ المرادَ مِن جَعْلِ الغايةِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إشارة إِلَى أنَّهُ هو المتصرِّف به، وأنه لا أحدَ يَستطيعُ أنْ يَتَصَرَّفَ بخلافِ ذلكَ.
ويوجد احْتِمَالٌ أَنَّهُ يُجْعَل المراد بقولِه: {قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا} يَعْنِي الدليل، أي الشَّمْس، ويَكُون المراد بالقبضِ إليه ما أشارَ إليه النَّبيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في قولِه في حديث أبي ذَرٍّ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ" ١.
١ أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر بحسبان، رقم (٣١٩٩)، ومسلم: كتاب الإيمان, باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان, رقم (١٥٩).